09.11.2011

حوار مع الشاعر المهدي أخريف

في حوار مع الشاعر المهدي أخريف: القصيدة أصبحت أكثر تمنعاً ومراودتها تتطلب شهوراً

Akhrif.jpgأجرى الحوار خالد بيومي

المهدي أخريف شاعر ومترجم وناقد مغربي، تجسد أعماله نموذجا فريدا من حيث قدرتها علي استبطان اللغة وتفجير طاقتها التعبيرية، وإلي جانب ذلك يتميز كباحث بالأصالة والتفرد عن كثير من أقرانه، أصدر عشرة دواوين شعرية، وأثري المكتبة العربية بالعديد من الترجمات، فنقل إليها الأعمال الكاملة للشاعر البرتغالي فرديناند بيسوا، والعديد من الأعمال لكتاب من أمريكا اللاتينية، وفي مجال النقد ألف خمسة كتب منها: "حديث مغيزل" و"شرفات وزوايا و"يونس الخراز"، "روزاليوسف" التقته فكان هذا الحوار:ــ

كيف توفق بين الشعر والكتابة والترجمة، ألا تشعر مع هذا بنوع من التشظي؟

لست الوحيد الذي يوزع مجهوداته بين اجناس ابداعية مختلفة وانا اجد نفسي في الشعر والترجمة وكتابة النص النثري وقراءة الأعمال الفنية وحتي قراءة التجارب الجديدة مثل الهندسة المعمارية حيث أنجزت كتابين سيصدران قريبا في مجال الهندسة المعمارية الأول بعنوان: رشيد الأندلسي شاعر العمارة، والثاني بعنوان: عبد الواحد منتصر المهندس الإنسان، وأنا لا أكتب الشعر كل يوم لأن القصيدة أصبحت أكثر تمنعا ومراودتها تتطلب شهورا طوالا أحيانا، وقد يمر العام ولا أكتب سطرا شعريا واحدا، وفي هذه الشهور الطويلة التي تغيب فيها شمس القصيدة، أسد هذا الفراغ الذي يقض مضاجعي إما بالترجمة وهي عمل إبداعي موازً، واما كتابة النثر، ولكن في الحقيقة لا أجد نفسي بعمق إلا في كتابة القصيدة الشعرية، فالشعر هو الاعمق والأهم في إنجازي، فالشعر هو لغة اللغة، وفي الشعر وحده يمكن الذهاب إلي الأبعد والمفاجئ والبكر في اللغة والتخييل.

هل أسهمت مشاركتك في المؤتمرات والمهرجانات الشعرية والثقافية، في رواج شعرك؟

هناك كتاب أكثر مني حضورا للمؤتمرات بمئات المرات، وأنا لست فاعلا بالحد الذي تتصور، أنا بصراحة حريص علي أن أقدم الجديد والمسئول في كل ما أعمل في المؤتمرات حيث أكون حريصا علي مساهمة جديرة بثقة من دعوني ليس في العالم العربي فحسب، ولكن في أوروبا وأمريكا اللاتينية لا أظن أن المؤتمرات يمكن أن تصنع مكانة للكاتب حتي لو ساهمت في شهرته فإن التاريخ وحده كفيل بالمصادقة إما بالإيجاب أو بالسلب ثم إنني لا أجري حوارات كثيرة وعملت هذا الحوار معك احتراما للصداقة معك لأن الحوارات تعطيني انطباعاً بالرغبة في الظهور واحتلال صفحات الجرائد ولا أحب ذلك واستسمح قراء «روزاليوسف» أن أكون ثقيلا عليهم بالثرثرة وأفضل أن تقدمني أعمالي إلي الناس.

كيف تفسر ولع العالم العربي بالأدب الأمريكي اللاتيني؟

ليس العالم العربي وحده، ولكن العالم كله مبهور بهذا الأدب، وعندما ظهر أدب الواقعية السحرية في نهاية الخمسينيات في المكسيك والأرجنتين وبيرو وكولومبيا كان الأدب الغربي، خاصة الرواية في فرنسا، كانت الرواية الجديدة تعاني أزمة وموجة الواقعية السحرية شديدة الأهمية في الأدب الأمريكي اللاتيني نفسه، وجاءت لتفتح أفقا جديدا، وتلبي الحاجة إلي إبداع جديد وحيوية إبداعية وسردية تعبيرية جديدة ومن هنا كانت تلك الحفاوة المذهلة التي تلقفها القراء في أمريكا وأوروبا والعالم العربي، فالرواية اللاتينية لعبت دور المنقذ ولا شك أن زيادة الترجمات عن الأدب اللاتيني في العالم العربي ساعدت علي ظهور كتابات جديدة وعلي تطوير الواقعية الروائية العربية وخلق اتجاهات مهمة.

الملاحظ أن معظم الترجمات ركزت علي الإبداع الروائي وتجاهلت الإبداع الشعري اللاتيني، لماذا؟ هذا صحيح هناك تركيز علي اعمال ماركيز وباولو كويلهو وإيزابيل الليندي وفوينتس ويوسا ..إلخ وتجاهلت إلي حد بعيد حركة الإبداع الشعري الذي هو علي نفس القوة والدرجة مع الرواية مثل أعمال بابليو نيرودا واكتافيو باث بينما هناك شعراء في غاية الأهمية في أمريكا اللاتينية، فهناك شعراء من جيل نيرودا نفسه ولكنهم غير معروفين في العالم العربي مثل نيكانور بارا وفيستي هويدا، وسيصدر لي قريبا في إطار التعريف وسد النقص في هذا الباب مختارات شعرية للشاعر الأرجنتيني خوان خلمان عن المركز القومي للترجمة، وهو صديقي من مواليد عام 1930 ويعيش حاليا في المكسيك.

يري بعض النقاد أن الواقعية السحرية تضرب بجذورها في الأدب العربي من خلال "ألف ليلة وليلة" قديما وكتابات يحي حقي حديثا .. ما رأيك؟

"ألف ليلة وليلة" نص له وضعية خاصة واستثنائية، ولا يمكن أن يقارن به نصوص أخري، وبناؤه وتركيبته الفنية والجمالية وسردياته ذات فرادة واستثنائية تماما، ولا يمكن أن نصفه بأنه نص روائي، فهو نص خاص ذو قيمة كونية استطاع أن يعبر كل العصور والحياة العجيبة في لغات شتي، وهو نص جماعي مجهول المؤلف وجري تأليفه علي مراحل حتي وصل إلي صيغة "نهائية" مع الطباعة، ولا أميل -حتي لو كان في ألف ليلة وليلة- بعض سمات الواقعية السحرية، إلي محاولة رد كل ما يظهر من أشكال فنية في الغرب إلي تراثنا، فهذه النظرة فيها إهدار وتجاهل للسياق التاريخي، وقفز علي خصوصيات الأنواع وسبل تشكلها في آداب وثقافات معينة والهدف من هذا الادعاء هو نزع الريادة من أمريكا اللاتينية ونسبتها إلي العرب، كما يوجد من يدعي أن المقامة العربية هي شكل قصصي سابق علي القصة القصيرة، وهناك من يرجع المسرح إلي أصول تراثية مثل خيال الظل مثلا، وهذا نوع من التلفيق والتعسف لا يمكن أن يفضي بنا إلي شيء ذي قيمة.

الناقد المغربي الكبير عبد الفتاح كليطيو يري أن الرواية خرجت من معطف "ألف ليلة وليلة".. ما رأيك؟

عبد الفتاح كليطيو ناقد كبير وأحترمه وما يقوم به هو إعادة اكتشاف وقراءة النصوص التراثية السردية وغير السردية، أحيانا علي ضوء المفاهيم والمناهج النقدية القرائية الحديثة، لكن وفق مقاربة شديدة الرهافة والاستبصار والنفاذ والإبداع، وهو يقرأ النصوص التراثية كالجاحظ، ويعيد اكتشاف نصوص مثل "ألف ليلة وليلة" و"المقامات"، وهو يجعلنا نعيد اكتشاف وقراءة هذه النصوص من جديد وينبهنا إلي أمور كان ينبغي أن ننتبه إليها، فهو يزيل الصدأ عن هذه النصوص ويعيد لها لمعانها وطراوتها، إنه ليس ناقدا ولكنه كشاف بالغ الذكاء والألمعية.

ترجمت أعمال الشاعر البرتغالي العالمي فرديناند بيسوا إلي العربية تحت عنوان "اللاطمأنينة" كيف أقدمت علي هذه المغامرة ولماذا؟

لست أول من ترجم بيسوا إلي العربية ولكن دافعي إلي ترجمته هو الشغف بعوالم بيسوا وإحساسي بأنني أحاكمه في كثير من الأشياء، فهناك فكرة تعدد الذات وتصريف الطاقة الإبداعية عبر مجموعة من الأنداد خلخلتني ودفعتني إلي اكتشاف أعماق هذه التجربة الأدبية الخارقة للعادة في الأدب الإنساني.

ما أبرز الصعوبات التي واجهتك في ترجمته؟

لقد تعاملت مع بيسوا كشاعر لا كمترجم، فأنا لست مترجما بالمعني المألوف، ولا يعني ذلك أنني أقوم بعملي كمترجم علي أكمل وجه، بالعكس أنا أتقن الترجمة ولكني أتخطاها وأذهب أبعد من ذلك، فحينما أترجم أكتب أيضا بدون أن أبعد عن روح الأصل، وهدفي هو منح حياة إبداعية جديدة يستحقها هذا النص في اللغة العربية، وحسن الضيافة لنص في العربية ومع بيسوا حققت أقصي درجات الرضا بإنجازي في ترجمته والصعوبات ليس أثقلها أنني لم أترجمه مباشرة عن البرتغالية، ولكن عن الإسبانية بحكم القرابة بين اللغتين، وهناك صعوبات تتعلق باستعمال بيسوا للغته الخاصة وبناء الجملة التي تتميز بالخصوصية، وهو أحد الكتاب الأصلاء الذين يصنعون لغتهم الخاصة بهم داخل اللغة الأدبية المشاعة، فهناك من ترجم العنوان إلي "اللادعة"، وأعتبرها لغة غير موفقة، لأنها لا تعبر عن قوة الدلالة التي يطرحها العنوان فلا يمكن أن أترجمها إلي "القلق" مع أنها تعبر عن المعني المقصود، ولكن بيسوا، لم يقصد ذلك فهو يستعمل النفي دائما فهو لم يقل القلق ولكنه أحيانا يعبر عن العدم بقوله "اللاوجود"، وهذه الظاهرة موجودة عنده باستمرار ولو ترجمناها الي العدم في العربية تكون الترجمة غير دقيقة وقد سألت الشاعر البرتغالي الكبير غستاو كروس عن معناها فقال إنها تعني "اللاارتياح" الروحي أو الجسدي.

كيف تري الحساسية بين الثقافة المغاربية والمشرقية؟

أنا خارج هذه الثنائية، وهناك مساهمات إبداعية مختلفة تقف عند نفس المستوي في المغرب ومصر ولبنان، ولم تعد فكرة الريادة المشرقية مطروحة، والريادة كانت في الخمسينيات والستينيات، وأنا شخصيا تعلمت علي أيدي علماء مصريين وهناك نظرة أخري يجب أن تسود تقوم علي الحوار والتآخي بين الكتاب والإبداعات، ليس في أفق عروبي ضيق، وإنما في أفق إنساني، وأنا أكتب ليس كشاعر في المغرب وإنما كشاعر ينتمي إلي هذا العالم ـ 

21:33 |  Facebook

24.08.2011

بصدد راهن الشعر المغربي

podcast

في راهِن الشّعر المغربي

nar.jpg

 

عبداللّطيف الوراري

 

1.لعنة الصاحب بن عبّاد:

كرّست الهامشية الجغرافية صورةَ أدبٍ مغربيّ هامشي ومجهول وغير متّضح الهوية، لقرون طويلة لم تعدم روح الكدّ ومحاولة إثبات الذات، لدى المشارقة. فإلى جانب تحدّي العبقرية الأندلسية بآثارها الباذخة، ولعنة الصاحب بن عباد صاحب "بضاعتنا رُدّت إلينا" التي طاردتهم، وكتب التاريخ الأدبي التي تُدخلهم، عن جهْلٍ، في حسابه؛ لم يٌتح للدرس النقدي الحديث أن يتداول إنتاج المغاربة الشعري، إلّا بدايةً من المرافعة التاريخيّة للعلّامة عبد الله كنون التي أثارها في الثلاثينيّات من القرن الفائت، وهو يصدع ب"النبوغ المغربي" في كتابٍ يحمل العنوان نفسه، حيث أمكننا أن نتعرّف على شخصيّتهم الشعرية الخالصة، وأشواقهم الخاصّة أيضاً، التي مهرها سؤال المغرب ومكانه الحضاري والثقافي المتنوِّع، وإن كان وضعهم الاعتباري، كشعراء، ملتبساً بسياق المسائل الدينية والكلامية والبلاغية التي تأثَّروا بها، ودفع شعرهم، بسببٍ من ذلك، "فاتورةً رمزيّة" من روحه وخصوصيّاته.

وقد مرّ حينٌ من الدّهر إلى أيّامنا ، حتى أمكن للشعر المغربي الحديث أن يُسْمع صوته، ويفرض حضوره بما وسعه الإمكان، فلم يعد النبوغ مُقيماً في تفاصيل التاريخ وشوارده، بل لافتاً وجالباً للإعجاب والمكْرُمة، منذ الاستقلال على الأقلّ. وإذا كان الواقع الشعري ـ داخل ما استجدَّ من شجون الذات وإكراهات المجتمع والسياسة ـ يخضع للتقسيمات النقدية و والمفاهيم البلاغية التقليدية والإيديولوجية، بشكْلٍ يتساوق وشعريّة البيان وبلاغة الخطاب الإيديولوجي اللّتيْن كانت تحفزهما القصيدة المغربية حتى السبعينيّات من القرن العشرين، إلّا إنّ هناك واقعاً آخر مستجدّاً ما يفتأ يؤسّس ويبتكر حداثته الخاصة، ويسترفد حياةً مصطخبةً من النصوص والصور والتمثُّلات، متحدّياً طمأنينة النقّاد وعاداتهم في القراءة.

 

 

2. في سيرورة تحديث الشعر المغربي:

 

في راهن الشعر المغربي نُصغي إلى هذه الحداثة، المتحوّلة باستمرار. تتبلور متخيّلاتٍ جديدة، وترتجف شُرَف الأيدي بالقول الذي يُمضي سؤاله الخاصّ في هذه اللحظة بالذّات، من أيْـدٍ ترعى ملكوت الأشواق إلى أيْـدٍ تتوهّج في العبور، وهي جميعها لشعراء من أراضٍ وأوفاقٍ وحساسيّات مغايرةٍ ترتاد أفقاً شعريّاً، وتفتح في ردهاته وعياً جديداً بالمسألة الشعرية برُمّتها. من أواخر الثمانينيّات إلى اليوم، أمكن لنا أن نتبيّن ملامح التجربة الجديدة التي تتفاعل في الراهن الشعري، وقد تأثّرت بعوامل سياسية وسوسيوـ ثقافية متسارعة وضاغطة، محلّياً وعربيّاً وعالميّاً: ( أحداث 84 و90 التي فجّرها واقع القمع والظلم بالمغرب، سقوط جدار برلين، حرب الخليج، انهيار الإيديولوجيات الجماعية، صعود التكنولوجيات الجديدة، إلخ).

خلال هذه المرحلة، شهدنا حركة نشر ملحّة ومطّردة للشعر المغربي بكلّ أشكاله وتعبيراته، فتضاعف الإنتاج الشعري بشكلٍ لافت، إذ بلغ عدد العناوين الشعرية الصادرة في الثمانينيات 141 عنواناً شعرياً، و351 في التسعينيات، وما يزيد عن سبعمائة عنوان حتّى الآن من سنوات الألفية الثالثة، بما في ذلك أكثر من ثلاثين عنواناً طُبع بالمشرق، بيروت تحديداً. كما ارتبط الارتفاع الكمي للإنتاج الشعري المغربي بديمومة توسًّع بنية منتجي الأعمال الشعرية، حيث انتقل عددهم من أقلّ من المائة شاعراً إلى المئات، ونعوز هذا الارتفاع إلى ازدياد دور النشر، وتعايش مختلف الأجيال الشعرية جنباً إلى جنب، وظهور قصيدة النثر التي بدت وسيلة تعبير الجميع حتّى لمن هم خارج تصنيف الشعراء. مثلما امتدّت جغرافيا الشعر المغربي لتشمل هوامش وأطرافاً جديدة، ومنافي بأوربا وكندا، وهو ما فجّر المركز وعرّض وظائفه وتسمياته لتهوية غير مسبوقة، ممّا ترتّب عنه مراجعاتٍ فكرية وجمالية لا يزال النقد معطَّلاً عن إظهارها وتقويمها. وترتيباُ على هذا وذاك من متغيّرات الواقع، تأكّد حضورٌ لافتٌ للصوت الشعري النسائي الذي رفد خطاب الشعر المغربي بمتخيّل جديد ووشمه بتلويناتٍ وصيغ وتعبيرات كان في حاجةٍ إليها، بحيث اقترب عدد المجموعات الشعرية النسائية من المائتين، أمضَتْها خمس عشرة ومائة شاعرة، منهنّ من لها خمس مجموعات (أمينة المريني، حبيبة الصوفي، مالكة مزان، وفاء العمراني) وأربع (مليكة العاصمي، ثريا ماجدولين، عائشة البصري، فاتحة مرشيد، فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي)، وثلاث ( آسية البلغيثي، سعاد الناصر، فاطمة برودي، لطيفة المسكيني، وداد بنموسى). مثلما انتظم عدد من الشعراء في حركات وجماعات شعرية طرحت قضايا معرفية مغايرة في كراريسها وخراطيشها الرمزية (إسراف، الغارة الشعرية، البحور الألف، مكائد، دبُّـوس)، وظهر إلى الشطح هيئات أدبية وثقافية جديدة تعنى بالشأن الشعري، مكمِّلة لاتحاد كتاّب المغرب لسان حال الأدباء الوحيد إلى ذلك الوقت، أو خارجةً عنه بما يُشبه الاحتجاج وعدم الرضى لواقع الأزمات التي كانت تضرب الاتحاد بين الفينة والأخرى، ولعلّ نذكر من جملتها بيت الشعر، رابطة أدباء المغرب، منتدى الديوان، رابطة الشعر الغنائي وجمعية الشعر المغربي المعاصر، فضلاً عن المهرجانات الشعرية، وعن جمعيات الشباب الباحثين والمحترفات ومراكز البحث التي كانت تُقيم بالجامعة المغربية دورات ومحاور دراسية لمساءلة أوضاع الشعر بالمغرب.

لكلّ هذه الاعتبارات، نقول إنّها كانت مرحلة انعطاف كمّي بارز، ونوعيّ بلا شكّ، في مسارات الشعر المغربي الحديث، ومن ثمّة في ثقافتنا المعاصرة.

 

 

3. الراهن الشعري واستئناف الوعد:

 

نأخذ ب"الراهن" إذا كان يسعفنا في الإلمام، ما أمكن، بخارطة الشعر المغربي اليوم، في اللّحظة التي يُصنع فيها مجهول معناه مأهولاً بدم الذوات ومداد الخطابات اللّذيْن يُهرقان مستأنَِفيْن الوعد بلغة الشعر وحداثته، عبر شتّى ترحيلاته ومكابداته بين الحضور والغياب، الذّاكرة والنسيان، النظام والفوضى. لهذا من البطلان القول باستقراء الراهن استقراءً تامّـاً، طالما أنّ مجهوله أكثر من معلومه، والمتحقّق أكثر من ممكنه. الراهن هو ما انتهى إليه زمن الكتابة في الشعر، في سيروراتٍ متشعّبة ترفد أكثر من معنى، أكثر من تاريخ؛ وهو، بهذا المعنى، ما يفتأ يتغيّر ويتحوّل، بحيث يستمرُّ في التشييد وإعادة البناء الذي لا يكلّ، شبيهاً بذلك التوتُّر الدائم الذي لا يهدأ بين الحاضر وما هو ضد الحاضر لأجل أن يظلّ الحاضر مغايراً. هذا ما يجعل من الراهن مفهوماً أساسياً يرجح، بنسبةٍ كبيرةٍ، العمل به واختباره.

1.3. من واحديّة الجيل إلى تعدُّد الراهن:

يسوقنا هذا الاعتبار إلى القول إنّ الراهن لم يعد يعني جيلاً بعينه، وإنّما تخلقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيّات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصوُّرها للفعل الكتابي وتدبُّر طرائق إنجازه، بحكم تنوُّع مصادر العمل الشعري لدى الشعراء، واختراقاتهم المعرفية والجمالية لآفاق أخرى من الكتابة. لقد صار كلّ جيلٍ شعريّ من أجيال القصيدة المغربية المعاصرة، الممتدّة لعقدين، يطبع قطاعاً نوعيّاً من جسدها الفتيّ بهويّته وأسلوبه ولغته وإيقاعات ذاته، أي بخصوصيّته في الإجمال. لا يُفترض في الخصوصية أن تكون تحوّلاً أو ضرباً من القيمة المضافة، بل وجود كتابة أو حساسيّة أو رؤية من نوع ما، خاصّ ونوعيٍّ، تكرِّس قيمة من قيم التحديث المختلفة، وتعمل خارج السائد والمجمع الذي يشدُّ راهن الشعر إلى صيغ وأنماط وأشكال مطروقة، ولا يُخلص لزمنه.

يتقاسم أفقَ الرّاهن، بدرجةٍ وأخرى، نمطا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، فيما انحصر نمط القصيدة العمودية في فضاء مناسباتٍ قومية ووطنية معيّنة وآنية، بسبب ما يفرضه ذلك النمط من إشباع ثابت ولا واعٍ لوجدان الجماعة. وبدا يثبت، باستمرار، أنّ قصيدة النثر باتت لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم تهافته على كتابتها، وإن كان هذا التهافت له ما يّبرّره، ذلك أن قصيدة التفعيلة بدأت تفقد رونقها وتصل بالشعراء إلى الباب المسدود، بتعبير الشاعر محمد السرغيني.

2.3. أفق المغامرة لراهنٍ يُنادي على المجهول:

وإذا كنّا نجد شعراء من أجيال متعاقبة، بما في ذلك جيل الستينيّات الريادي، ينتمون، فكريّاً وجماليّاً، إلى هذا الراهن، فإنّا وجدنا أفراداً من الجيل نفسه لا يكتبون بسويّةٍ واحدة، ولا يجمع بينهم فهْمٌ محدّد للعمل الشعري، ووجدنا أفراد الجيل والجيلين يشتركون في هذه الخصيصة أو تلك، ويتنازعون هذا البعد وذاك. ولا شك أنّ ذلك ممّا يُغني الشعر المغربي ويصنع حيويّته، بالقدر الذي يعكس من خلاله صراعاً ضمنيّاً بين حساسيّاتٍ وجماليّاتٍ متعارضة. هكذا، ينحدر شعراء الراهن من جغرافيّات وتُراثات ومرجعيّات متمايزة في كتابتهم للقصيدة، فلا يجمع بالتالي بينهم تصوُّر محدّد لتدبُّر آليات عملها. نجد عند بعضهم شفافية عالية وتكثيف مجازي لافت (رشيد المومني، صلاح بوسريف، بوجمعة العوفي، نبيل منصر، عبدالحق بن رحمون، عبدالغني فوزي)، وعند بعضهم كتابة أشبه شذرية بالهمس (محمد الصالحي، سعد سرحان، عبدالرزاق الصمدي، فاتحة مرشيد)، وعند آخرين عناية لافتة بالصفاء اللغوي ونثر الإيقاع ( عبدالدين حمروش، حسن الوزاني، نجيب خداري، أحمد العمراوي، مصطفى غلمان، أحمد الدمناتي، أحمد هاشم الريسوني)، مثلما عند آخرين انفتاحٌ على السردي في بناء معمارهم الشعري (عبدالسلام الموساوي، عبدالرحيم الخصار، طه عدنان)، وعند الآخر تطوير دؤوب لجماليات شعر التفعيلة ( محمد عنيبة الحمري، أحمد بنميمون، مصطفى ملح، الطاهر لكنيزي، علي العلوي، محمد بشكار، جمال الموساوي، أبوبكر متاقي، عبدالرحيم كنوان، صباح الدبي)، وعند البعض معرفة لافتة بطرائق شعرنة اللغة داخل النثر (جمال بدومة، محمود عبدالغني، محمد عزيز الحصيني، ثريا ماجدولين، كمال أخلاقي، رشيد منيري، يونس الحيول)، ومنهم من جمع بين بساطة القول الشعري والقدرة على المباغتة والإدهاش (محمد حجي محمد، منير الإدريسي، ياسين عدنان، محمد مسعاد، منير بولعيش، عائشة البصري)، ومنهم من تجد في قصيدته نبرة تطفح بالرفض والمفارقات الساخرة (صلاح الوديع، محمد الشيخي، محمد بلمو، محمد حجي محمد، عبدالحق ميفراني، الكنتاوي لبكم)، وفي قصيدة آخرين غنائيّة تطفح بالحب والحكمة واستئناف الوعد باللُّغة ( محمد بنيس، محمد الأشعري، علال الحجام، محمد الصابر، محمد بودويك، عبدالسلام مصباح، وداد بنموسى ولدى عدد غير يسير منهم صوتٌ جهوريّ يلهج بجراحات الذات وخيبتها وعزلتها ( نورالدين الزويتني، محمد أحمد بنيس، محمد المسعودي، عبدالسلام دخان، سعيد ياسف، محسن أخريف، فؤاد أفراس، محمد أنوار محمد، إبراهيم قهوايجي، عبدالهادي روضي، لبنى المانوزي)، لكنّ عدداً يسيراً منهم من ارتفع بسؤال الذات وانفعالاتها إلى مستوى أسْطَـرتها وبحثها في التاريخ الشخصي أو الجماعي، ولعلّ أهمّهم (إدريس الملياني، محمد بنطلحة، محمد علي الرباوي، محمد بوجبيري)، ومنهم من يعمل على فلسفة الصفحة الشعرية وإنطاق أيقوناتها الكامنة، ولاسيّما ممّن خبروا تضاريس الشعر ودرجوا فيها عطاشى (محمد بنيس، أحمد بلبداوي، المهدي أخريف، وفاء العمراني)، وعند بعضهم تشذيرٌ للواقع واحتفاء باليومي والعابر بشكل ينمّ عن مقدرة في تصويره وشخصنته (حسن نجمي، عزيز أزغاي، سعيد الباز، عبدالإله الصالحي، إدريس علوش)، وعند آخرين انشغال بالبعد الصوفي أو الروحي في الشعر (محمد السرغيني، أمينة المريني، محمد علي الرباوي، لطيفة المسكيني، أحمد بلحاج آيت وارهام)، ومنهم من نهل من مصادر شعرية حديثة كالسوريالية بما يكشف في نصوصهم عن ارتياد آفاق الحلم والهذيان والمفارقة واللعب باللُّغة (مبارك وساط، عبدالله زريقة، احساين بنزبير، هشام فهمي، جلال الحكماوي، نفيس مسناوي، رشيد منسوم)، ولدى عدد يسير من الشواعر عكوفٌ على هوامش الجسد وافتتانٌ بالأنثوي والهشّ (وفاء العمراني، عائشة البصري، نجاة الزباير، فاطمة الزهراء بنيس، رجاء الطالبي، أمل الأخضر، فتيحة النوحو، إيمان الخطابي، إبتسام أشروي، فاتحة مرشيد، إلهام زويريق).

3.3. أجروميّات الراهن وجماليّاته المتعارضة:

هذه الملاحظات، العابرة والمُجْملة بالتّالي، لا تستقرئ كلّ الراهن، ولا تدّعي أنّها وقفت عند قضاياه وإشكالاته وتتبّعت مساراته، وأنّها وضعت الشعراء حيث يجب أن يوضعوا، الذين يمكن لأكثر منهم أن تعبّر تجربته في الكتابة والحياة عن خصوصيّات، مشتركة وفرديّة. لكنّها تومئ إلى ما يحفل به المشهد الشعري من تعدُّد مثمر وحياة خصيبة وواعدة، وتكشف عن غنى المتن الشعري المغربي المعاصر، وعن تعدّد منتجيه من كلّ أعمار الكتابة وحساسياتها ورؤاها للذّات والعالم.

إنّ ما يحكم مغامرة الراهن الشعري بالمغرب هو الاختلاف والتعدُّد، وإذا جاز لنا أن نستقرئ السمات الشعرية الأساسية الكبرى التي ترتدّ إليها في نصوص أولئك الشعراء وتجاربهم، أمكن لنا أن نحصر في ما يلي:

أ‌. الانهمام بالذات في صوتها الخافت والحميم، وهي تواجه بهشاشتها وتصدُّعها الأشياء، العالم والمجهول،

ب‌. تذويت الملفوظ الشعري وشخصنة الموضوعات والصور والمواقف من الكتابة والعالم والوجود.

ج. العزوف عن المعضلات الكبرى والهواجس التاريخية والسياسية الحرّى، والعكوف، بدلاً من ذلك، على ما تعجّ به الحياة اليومية من اختلاطات ومشاهدات وتفصيلات وعلائق خفية.

د. بروز رؤى شعرية جديدة تعكس في مجملها إمّا وضع الاغتراب واليأس والحزن التي تتملّك الذات، أو استقالة الذات من الواقع ونفض اليد عن إلزاماته وحاجياته، أو الرغبة الطافحة بالحب والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود، أو التوق لتحقيق التوحُّد مع المطلق: ( رؤيا نهلستية، عدمية، غنائية، إشراقية وصوفية).

هـ . إعادة النظر في مستويات تشكّل أجروميّات الكتابة الشعرية الجديدة، وذلك في حمّى الإقبال على قصيدة النثر والانتساب لها؛ وهو ما تجلّى في:

ـ النزوع المستمرّ إلى بساطة القول الشعري.

ـ الانفتاح على السرد وجماليّاته البانية.

ـ الاعتناء بالكتابة الشذرية.

ـ إدخال اللغة الشعرية في شبكة علائق معجمية وتخييلية تقلب نظم بناء الدلالة.

ـ المزج بين الوزني والنثري في بناء المعمار الإيقاعي للنص.

ـ الاهتمام بهوامش الجسد وفضّ مسمياته المختلفة، بهذا البعد أو ذاك.

ـ التفكير في الصفحة الشعرية داخل مكوناتها عبر اشتغال الدالّ ولعبته.

4.النقد وسلطة الحجاب:

تلوح لنا الجماليّات الجديدة التي اختطّها الشعر المغربي، من ما بعد الثمانينيات وإلى الآن، جديرة بالتأمُّل، لأنها قطعت مع ما سبقها، وكرّست وعياً جديدة بالمسألة الشعرية برُمّتها، بعد أن رفعت عنها السياسي والإيديولوجي، ويمّمت بوجهها شطر المغامرة، حتّى أنّ ما كان مُتخفِّياً ومأمولاً يصبح أكثر حضوراً في تجربة الراهن.

لكنّ النقد لم يخض فيها بعد. فإذا كانت تجارب شعرنا السابقة قد أُثيرت حولها نقاشات، واحْتُفي بها من قبل الدارسين بنسبٍ معقولة، مثلما كانت أصواتها مكرَّسة وذات رمزيّة بحكم ارتباطها بمشاريع ومؤسسات كانت تعتبر الموضوع الشعري، الرِّسالي تحديداً، امتداداً لخطابها، فإنّ تجربتنا الشعرية الراهنة تتكلَّم اليُتْم، وتُواجه العماء، مثلما أن كثيراً من أصواتها لم تُسمع، أو لا تُسمع إلا بالكاد. من هنا، يُجهل، حتى الآن، ممّا فيه اعتبار داخل الراهن الشعري.

وليس هناك من مسوِّغ، ألبتّة، أن يظلّ نقد الشعر المغربي كما هو، وأن يثبت خطابه على ميدان هيمنة السلط والكليشيهات، فلا يُراوح مكانه. يجترّ النصوص نفسها، والأسماء نفسها، والمصطلحات نفسها، وهواء الحياة نفسه. وإذا لم يعد هناك ما يقوله، فإنّ عليه أن يتغيَّر، لأن الخطاب حول الشعر يتغيَّر لما يتغيَّر الشعر نفسه. لكنّه لا يتغيَّر، انتقائيّ وشكلاني وحاجب. لا ينظر إلى الأراضي الجديدة التي يحترثها الشعر المغربي، بقدرما ينظر إلى نفسه وانسجامه الخاص. ولهذا يظلّ هذا الشعر مجهولاً في كلّ مكان.

باتت هناك حاجةٌ ملحّة ومستعجلة لنقد حقيقيٍّ وصارم له هاجس الانتماء إلى هذا الراهن الشعري، يدرس خصوصيّاته، ويُقايس إضافاته النوعية ضمن تيار الحداثة الشعرية، ويكشف ما يتحكّم به من قوانين وأسئلة متنوّعة ومركّبة.

إنّ راهن الشعر المغربي ينتظر من كافة المعنيّين، شعراء ونقاد وقراء، صياغة أجوبة لأسئلة من بينها مثلاً: أيهما أولى، الكتابي أم الإنشادي في مجتمع ذي أغلبية أمية؟ أيّ زخم يمكن أن تضفيه المعرفة الفلسفية على الممارستين الشعرية والنقدية بالمغرب؟ وأي موقع محتمل، في خارطتنا الشعرية، لشعراء قادمين إلى الشعر من معارف وحساسيات وهوامش نصّية لافتة؟ أيّ متخيَّل يمكن أن يرخيه مصطلح الكتابة الشعرية النسائية؟ بل أيّ متخيل شعري وطني يجب أن نهندسه بصدد شعراء مغاربة يكتبون بلهجاتهم المحلّية [الأمازيغية، الحسانية والعامية]، أو بلُغات الدول التي تُضيّفهم في المهاجر بأوربا وكندا وسواهما؟

وبعد هذا، ليس بمقدور لا النقد الإيديولوجي بمسبقاته المتصلبة، ولا النقد النصي بعمائه التقنوقراطي، العبور إلى جوهر القصيدة والإصغاء إلى حيويّتها الدائمة. الحيويّة فقط، من ذاتٍ إلى ذات.

*

ولا يزال الراهن راهناً، وما تزال ذات الكتابة لا تكلّ من رجّ أشجار النسب المغربي للشعر والشعريّة، هنا والآن !

 

ـــــــــــــــــ

نشرت الدراسة بمجلة (الغاوون) البيروتية

http://www.alghawoon.com/mag/art.php?id=287

11:55 |  Facebook

23.07.2011

قصيدة النثر في مراكش

 

ملتقى قصيدة النثر بمراكش
أعاد فتح النقاش النقدي بخصوص إشكالات القصيدة الكبرى ومدى قيمة منجزها الشعري

عبداللّطيف الوراري
08qpt887.jpg

في جوّ ربيعي مشمس، ووسط فسيفساء قصور مراكش ورياضاتها المأخوذة بعبق التاريخ وسحره، تحلَّق شعراء ونقّاد في جلسات شعرية وتأمُّلية حول مائدة قصيدة النثر، خلال ثلاثة أيّامٍ من عمر الملتقى الدولي الأول لقصيدة النثر الذي نظّمه مركز الحمراء للثقافة والفكر بمراكش، تحت شعار 'قصيدة النثر والوعي الحر'.
تمّ افتتاح الملتقى مساء اليوم الأوّل، 25 من شهر مارس الفائت، بكلمات الهيئة المنظمة وبعض جهات المدينة الداعمة، وهي الكلمات التي أجمعت على قيمة أن يكون هناك ملتقى شعريّ عربي في مدينة الشعراء عبر تاريخها، مثل مدينة مراكش التي عُرفت بميسمها الأمازيغي والعربي- الإسلامي، وأشارت إلى خصوصيات هذا الجنس الإبداعي المثير للجدل. وتلت الكلمات القراءات الشعرية التي أثّث فضاءها، من قصر الباهية إلى دار سي سعيد، شعراء من المغرب (فتيحة مورشيد، إسماعيل زويريق، وداد بنموسى، محمد بشكار، سعيد الباز، ياسين عدنان، محمد أحمد بنيس، نورالدين بازين، إلهام زويريق، عبد الحق ميفراني، نجاة الزباير، عبد الرحيم الخصار، رشيد منسوم، جمال أماش، مصطفى الرادقي، محمد الصالحي، خالد الريسوني، إبراهيم ديب)، والعراق (عبدالكريم كاصد، ورود الموسوي، علي البزاز)، والجزائر (بوزيد حرزالله، سعيد هادف). وقد جاءت النصوص المقروءة متفاوتة القيمة وممثّلة لكثير من الحساسيات داخل قصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة أيضاً، وهي تمتدُّ من الثمانينيات إلى العقد الأول من الألفية الثالثة. وبموازاةٍ مع ذلك، شهدت فعاليّات الملتقى ندوتين نقديّتين حاول فيها المتدخِّلون، إلى حدّ ما، تأمُّل موضوع 'قصيدة النثر وحوارية الأجناس الأدبية'، غير أنَّها جدّدت النقاش حول إشكالات قصيدة النثر العربية عامة والمغربية خاصة، وأثارت بدورها الجدل حول وضعها الأجناسي كجنس شعريّ وكخطاب ليس في السياق العربي فحسب، بل الأوربي والأنجلوأمريكي.
في الندوة النقدية الأولى التي انعقدت صباح يوم السبت 26 مارس، التي سيرها الباحث عبدالصمد الكباص، لفت الناقد بنعيسى بوحمالة إلى أن قصيدة النثر فتحت إمكانات جديدة، بما في ذلك إمكان 'الكتابيّة' الذي قطع مع الذاكرة الشفوية في الشعر العربي، ووسم القصيدة بـ'التعددية' بصيغها ولغاتها ومرجعياتها المتنوّعة. وقال بوحمالة: 'إن هناك شعراء، من مثل أنسي الحاج ومحمد الماغوط ومؤيد الراوي وفاضل العزاوي وأنور الغساني، أبانوا عن مواهب مذهلة، وتمثلوا قصيدة النثر ولم يسقطوا في المرجعية الفرنسية كما حصل لدى شعراء مجلة (شعر) الذين أعادوا استنساخ مقولات سوزان برنار، مع أنّ ما كانت تُجسّده الحلقة البيروتية لا علاقة له بما طرحته سوزان برنار نفسها'. وأشار بوحمالة، الذي سبق له أن ألّف دراسة عن جيل الستينيات في الشعر العراقي، إلى أن شعراء هذه المرحلة انفتحوا على المرجعية الأنجلو- أمريكية، وانتقلوا مع قصيدة النثر إلى نصٍّ كتابيٍّ تعدُّدي. وانتقل الناقد إلى الحديث عن (شعريّات الهامش)، في بلدان المغرب العربي والخليج واليمن، التي بدت تُباشر عملها خارج مثلث المركز (القاهرة- بغداد- بيروت)، بل تقود حركيّة التحديث الشعري بشكل متفاوت القيمة. وبخصوص المغرب اعترف أنّه لا يمكن أن نتحدث عن عقد خالص لقصيدة نثر مغربية، وإن كانت الأخيرة لم تتجسّد كفعلٍ كتابيٍّ إلا منذ الثمانينيات مع المهدي أخريف الذي كان يوائم بين التفعيلة والنثر ورشيد المومني، ثمّ حسم الأمر في سنوات التسعينيات حيث عرفت اتساع رقعة الشعراء الذين انخرطوا في كتابة هذا الجنس، وداخل الإبدالات الشعرية التي كانت تمرُّ بها القصيدة المغربية الحديثة. ويبقى أهمّ ما أثار الانتباه في مداخلة بنعيسى بوحمالة هو قوله: 'كثيرٌ من شعراء قصيدة النثر نجحوا في كتابتها، ولاسيما من منطلق معرفتهم ومتحصّلهم من شعر التفعيلة. وفي المقابل، هناك كثيرون مرُّوا إلى قصيدة النثر رأساً، فسقطوا في مطبّات، إلى حدِّ تشكيك القارئ بجدِّية ما يصنعون، حتَّى أن ما يكتبونه لا علاقة له بالشعر. مجرّد إنشاءات. والخطير أن يصبح ذلك يُشكِّل معياريّة لقصيدة النثر المكتوبة الآن'.
وتقدّم الباحث عبدالعزيز بومسهولي بمداخلة عميقة تستقرئ قصيدة النثر من منظور مختلف يستلهم العمق الفلسفي، وأشار في بدايتها إلى أن السؤال المهمّ ليس الماهية، بل سؤال الكيفية، أي انطلاقًا من اختيار هذا الشكل على قياس الغيرية (الوجود على خلاف الوجود)؛ ثمّ طرح أربعة مداخل أو أسس لقصيدة النثر، وهي:
ـ تجربة النثر في اعتبارها كيفية وجود، وذلك من خلال انبثاق تجارب شعرية مغايرة خارج السائد، تٌجيب عن انتظارات الراهن.
ـ الاحتفاء بالتجربة البين- جسدانية، فوجودنا الحالي ليس هو نفس الوجود السابق ما قبل الحداثي، إنّه امتداد وتفاعل بين الأنا والآخر. وليست قصيدة النثر إلّا تعبيراً عن تجربة الجسد، ورغبةً مفتوحة على الجسد الآخر، بقدرما يُمثّل ذلك في صميمها الوعي الجسدي الحرّ بشكل أكثر تفاعليّة.
ـ قصيدة النثر باعتبارها تجربة اليومي بامتياز، حيث يتمُّ ربط الشعري باليومي والمعيش كقيمة أساسية، ويُمنح الحاضر بدوره قيمةً عليا، فتنتقل القصيدة من لحظة الاعتياد إلى لحظة المغايرة.
ـ تجربة إخضاع اللغة لمنطق جديد من التكلُّم، وهو ما جعل قصيدة النثر تعيد في تجاربها الأساسية بناء علاقاتها باللغة العربية وفق تحديد مغاير، إذا ما علمنا أنّ ما خضع له الشعر منذ ما يسمى بالعصر الجاهلي إلى مرحلة البعث والإحياء كان يجري بحسب التصوُّر العمودي للشعر. إن القصيدة انتقلت في توظيفها للغة من العالم 'الأعرابي' إلى أنموذجٍ للعالم الآن وفق تصوُّراتٍ ثقافية جديدة داخل اللغة تسمح بأن تلعب أدواراً جديدة في الوجود الإنساني، وأن تبتكر كيفيّاتٍ جديدة لوجود اللغة تستجيب لأفق انتظارنا، بمنأى عن المعيار البلاغي القديم الذي حجّم دورها في أن تكون لغة معبِّرة. ثُمّ تجربة الآخرية التي تغدو كبعد تأسيسي لقصيدة النثر.
وانطلاقاً من هذه المداخل، أشار بومسهولي إلى 'أنّه من الممكن القول بأنّ قصيدة النثر هي طريقة تعبير جديدة، وليست شكلاً جاهزاً، بقدرما هي إمكانية مفتوحة على لا نهائي العالم النسبي المشترك بيننا'.
فيما تحدّث الباحث عمر العسري عن مداخل الشعرية في قصيدة النثر، وهي مداخل تلتبس بمفهومي المكون والمستوى الذين يتداولهما النقد الشعري عند الحديث عن مفهوم الشعر وبنيته النصية معاً، منتقلاً من النظرية إلى الإجراء التطبيقي. ويشير الباحث إلى أنّ تلك المداخل (السردي، التصويري، التناصّي، الإيقاعي والبصري) لا تنفكّ عن شعرية المتخيَّل. ويخلص إلى القول بالتباس المداخل وتماهي بعضها ببعض في مقاربة شعرية قصيدة النثر.
وفي الندوة النقدية الثانية التي انعقدت صباح يوم الأحد 27 مارس، التي أدارها الناقد محمد آيت لعميم، ناقش الناقد حسن مخافي العلاقة المنسية بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، مؤكّداً أن قصيدة النثر في تجلّياتها الأولى، وداخل إسهامات جماعة شعر تحديداً، كانت استمراراً للقصيدة العربية الحديثة، وأن معظم الدراسات التي تمّت في هذا السياق تقفز على ذلك، وتربطها بأنماط الشعر الحر أو قصيدة النثر كما قعّدت لها الفرنسية سوزان برنار. ويتوقف الناقد عند نقط التقاطع بين القصيدتين، على مستوى بناء الإيقاع العروضي والتشكيل الرؤيوي. من جهته، نقل الباحث والمترجم حسن لغدش أنظار الجمهور، الذي لم يفد بكثرة على الملتقى، إلى واحدة من أهمّ نماذج قصيدة النثر بالمغرب، كما تجسّدت في تجربة الشاعر طه عدنان في مجموعته الشعرية 'أكره الحب'؛ ورأى أن العمل الشعري لطه منشدٌّ إلى قدر شاعرٍ مهجريٍّ لا ينفصل أفق قصيدته عن تجربته في اللغة والحياة والمنفى، فيما هو يعرض بلغةِ نقديّة عارقة سمات تلك القصيدة وملامحها الرئيسة. واقترب عبداللطيف الوراري من دراسة أنماط بناء الجملة الشعرية من خلال ثلاثة دواوين شعرية مغربية هي: 'محض قناع' للمهدي أخريف، و'نكاية بحطّاب ما' لسعد سرحان، و'أنظر وأكتفي بالنظر' لعبدالرحيم الخصار. ومهّد الوراري بقوله: 'إنّه في المشرق كما المغرب، كشكْلٍ شعريٍّ مختلف حتّى من اسمه، ويحوز جماليّات معارضة لجماليّات السائد، لغةً وإيقاعاً وتخييلاً. بدورها، وخارج أسبقيّة الوزن كواقعةٍ ثقافيّة كرونولوجيّة، وخارج تمثيلات الشعر وحدوسه النظرية السابقة، ووفق مبدأ 'الاختيار الحرّ'، أمكن لقصيدة النثر أن تنتج خطاباً شعريّاً مختلفاً، وتنتج داخله أنماطاً من البناء النصّي، وتعيد ترتيب فهمها للصفحة الشعرية ودوالّها وعلاماتها الأيقونية. هكذا صار حقيقةً أن تختار كلَّ قصيدة شكلها الخاصّ، وجُملها الخاصّة، وتلفُّطها الخاصّ، أي نحوها الخاص. لكلِّ قصيدةٍ نحوُها، وهذا النحو هو جزءٌ أساسيٌّ من إيقاعها، من دلاليّتها وفعّالية الذات المتلفّظة'. وتابع: 'على محلِّل الخطاب الشعري أن يصغي إلى كلِّ هذا، ويتأمّل الشعر في قصيدة النثر كبنية في اللا ـ بنية، أي بنية منذورة للتحوُّل من ذاتٍ إلى ذاتٍ، تأخذ تجلِّياتٍ لا حصر لها، ممّا يجعل بعضاً من عناصرها تزول، أو تتزحزح من مكانها، أو يضاف إليها، أو تُحطَّم الحدود بينها وبين عناصر أخرى من داخل البنية نفسها، أو من بنيات أخرى لغوية وغير لغوية'. ولهذا الاعتبار النظري، انشغل الناقد بتأمُّل ثلاثة نماذج تنتمي إلى حساسيّاتٍ وأجيالٍ مختلفة من عمر قصيدة النثر في المغرب، ووضع مكوّنات بنائها الخطّي والبصري في صلب الاستشكال، مهتمّاً في بعضها بطريقة بناء الجملة وعلامات الترقيم ضمن تشكيل الصفحة الشعرية، وفي بعض الآخر بتأويلها ضمن إيقاع الخطاب متوتِّراً بين نسق الأنا وفعاليّة المعنى'.
وقدم الناقد عبدالغني فنان مداخلةً هي عبارة عن قصيدة نثر 'تأمُّلية في لا حول'، مُركّزاً على حوار بين الكاتبين الأرجنتينيين ذائعي الصيت خورخي لويس بورخيس وإرنستو ساباتو، فيما يشبه ذلك الحوار 'تنويعات حرة على اللامنتهى'. وأشار الباحث الجامعي، في تحليله للحوار بلغة فرنسية أكاديمية، إلى مفهوم النص أو الأثر المفتوح كما يُستشفّ من قضايا الكتابة عند الكاتبين الذين تعرَّفا على بعضها البعض في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، وذلك عبر اجتماعات مجلة (سور). وخلال خمس جلسات بحث الإثنان وجهاً لوجه عدة أمور أدبية وثقافية: عن الأدب بشكل عام، وعن أهمية اللغة في عصرهما، وعن الكاتب الأميركي إدغار ألن بو، وعن ثربانتس ورائعته 'دون كيخوته، وعن ستيفنسون، وكافكا أيضاً. لقد خلق لقاء الإثنين حواريّة مفتوحة وطريفة قادت في النهاية إلى مآل فريد ونوعي يهمّ 'خصوصية قصيدة النثر' كجنس أدبي منفتح ومركَّب وتعدُّدي، هو شبيه بفرحة كافكا بجملته الشهيرة: 'أنظر من النافذة'.
واحتفاء بالشاعر سعد سرحان، صاحب 'شكراً لأربعاء قديم' و'نكاية بحطّاب ما'، والذي حمل الملتقى اسمه، تدخّل أصدقاؤه الشاعران ياسين عدنان وعبدالرحيم الخصار والفنان الحروفي لحسن فرساوي، في كلماتٍ مؤثرة موجّهة إليه أجمعت على قيمة سعد شاعراً وإنساناً، ولفتت إلى أن الحركة الشعرية في مراكش، منذ عقدين، تدين له بالكثير. وفي ديباجة الختام الذي تلاه الشاعر رشيد منسوم، لم يفت المشاركين التأكيد على القيمة الثقافية التي يخلقها الملتقى اليوم في مراكش، متطلّعين إلى أن يشكِّل احتفاءً سنويّاً متجدّداً يحاول تأمل مسارات قصيدة النثر عربيّاً، والاقتراب من إشكالاتها الكبرى، والإصغاء إلى منجزها النصي باستمرار.

08:55 |  Facebook

17.06.2011

احتفاءً بالشاعر محمد خير الدين

دمي الذي يَرْشُو اليأس

محمد خير الدين

 

ترجمة وتقديم: مبارك وساط

محمد خير الدينتقديم: لقدْ عُرِفَ محمّد خير الدّين، منذ بداياتِه الأدبية، بكونه شاعر الاحتجاج والغضب، على مستويات حيويّة عِدّة، منها السّيّاسي والميتافيزيقي والعائلي والشّخصيّ... لكنّ الكتابة لديه لم تكن تكتفي بالاحتجاج والإدانة، « ذلك أنّها تتفجّر مع الدّريئة التي حدّدتْها لنفسِها...» (بيير مُوريل، صحيفة لوموند). ومن مظاهر فَنّ الكتابة لدى خير الدّين، تمرُّدُه على الفصْلِ بين الأجناس الأدبيّة، وعلى الحدود التي تقامُ عادة بين الواقع والحلم والهلوسة والاستيهام... ممّا يُؤدّي إلى كون رواياته نفسِها تجمع بين المسرح والشّعر والسّرد الواقعيّ والحلميّ والعجائبي والأوتوبيوغرافي، وقد تتلاقى فيها شخصيات من التاريخ بأخرى مُتخيَّلة أو فِعلية حتّى، معاصرة أو منتمية إلى ماضٍ قريب، بل وقد تكون من عالم الحيوانات نفسِه، علما بأنّ شخصيّة خير الدّين نفسها كثيرا ما تتحيّن الفرص للظهور، بصورة أو بأخرى، على مسرح الأحداث في العديد من تلك الروايات..ـ
تتميّز كتابة خير الدّين بغناها المذهل بالصّور الفريدة، غير المتوقّعة بل والشّديدة الغرابة أحيانا، وهي تبدو وكأنّها تدْهَم صاحبَها من حيثُ لا يَعلم. فالدّيناميّة الحُلميّة لديه هي دائما في أقصى زخمها، ويَحدثُ أن يمنح الحرّيّة لليد في ممارسة الكتابة الآليّة، وأن يستلذّ اللعب بالكلمات، بلْ وخلقَ كلمات جديدة ( في أحيان نادرة)... وتأثير رامبو على كاتبنا واضح، وقد كان يحفظُ مجموع آثاره الشّعريّة عن ظهر قلب، ويعتبر شعرَه «نارًا ممزوجة بالدّم». كما أنّ للسّورّياليّة حضورها الأساسيّ في ثقافة خير الدّين، فمن بين قصائد مجموعته "شمس عنكبوتيّة"، هنالك واحدة في رثاء أندري بريتون، هي "رفضُ الدَّفن". والشاعر بريتون كان، في زمنه، المنظّر الأكبر للسّوريالية. ومعلوم أنّ هذه الأخيرة كانتْ حركة تجديدية تمسّكتْ بحرّية الخيال وبالحُرّيّة على العُموم، وكانتْ، بصفة عامّة، قريبة من الحركات اليساريّة. وقد كان لها، طبعا، مُعادون، وصلتْ ببعضهمْ الضَّغينة حدّ القول، إثر وفاة بريتون، بأنّ السّوريالية « ماتتْ رفقة أندري بريتون، بعد احتضار طويل...». ممّا نقرؤه في قصيدة خير الدّين المذكورة: «لا أبكي هذا الدَّمَ الذي وُوجِهَ بالصّراخ المعادي / بل طيران جوارح / حتّى العلوّ الذي يحمل فيه الدّمُ سماتِه التي لا تتبدّل / (...) / الكلمة الأخيرة لا توجَد. ديناميتُ الكلمة الأولى يكفي. / يا أناسا هم براميلُ بارودي، يا أناسا مُحَصَّنين ضِدّ الإنسان / يا إنسانا لمْ يَعُدْ له وقتٌ للشّكّ / يا إنسانا هو نظرة ضائعة، / حين تبلغُ القصيدة أقصى خُضْرَة الهذيان وتُعيدُ الصّحراء كلّ الشّفافيّة لذلك الألم غير المتقطّع الذي كان يُحَرِّكُك / يا أندري بريتون /... / تُواجِهُني العين / أبيعُ موتي. / (...) / أحيّي هذا الحصان الذي هوى من حالِق / أندري بريتون / الذي تنبجس منه القصيدة كالجنّية / ... »ـ
ولا يَدور، طبعا، بخَلد أحد أن يعتبر خير الدّين سورياليا أو منتميا إلى أيٍّ من المدارس الأدبيّة، فكاتبٌ من صنفه لا يُطيقُ العيش بين الجُدران العازلة التي تحيطُ بها الجماعات «المغلقة» نفسها. لكنّ المهمّ هو أنّ صاحب "شمس عنكبوتيّة" لم يكنْ "لامباليا" إزاء حركة شعريّة تركتْ بصماتِها على أحسن ما كُتِبَ بَعْدَها من شِعر. كما أنّ تأثيرها علـي شعره واضح، فلولا ذلك التّأثير لما قرأنا لـخير الدّين: « أُشَمِّسُ جرائمَ الرّبيع»؛ « الأنهار ترمي أكياسَ شموس»؛ « أتحدّثُ عن عينٍ مَصبوبة في كلّ غرام من العنبر المُرّ»؛ « تموت فجأة/ في الواقِع أنت تَشْهَرُ جذورك/ في ظلّي غير القابل للتّوقُّع حيثُ يتأمّلك بتأثُّر/ رجالُ الساقية الحمراء/ ترسَّبْ فوق الرّيح الشّرقيّة التي غطّاك بها نهرُ السِّين» ( هذا المقطع الأخير هو من قصيدة " وصف راية"، المُهداة إلى الشّهيد المهدي بن بركة). ثمّ إنّ علينا أن نستحضر عددا من الأمور الأخرى الأساسيّة لدى حديثنا عن خير الدّين: فهنالك انتماؤه الجِذرى، "الحَشَويّ"، الحميم، إلى بُسطاء النّاس من أبناء الشّعب، بل من مختلِف الشّعوب، وتَشَبّعه، خاصّة، بالإرث الثّقافي لأهل الجنوب المغربي، وهنالك عدم ممالأته للقارئ، من جهة ثانية، أي أنّه كان يكتب كما كان ينبغي أن يكتب - حتّى لو اعتبر البعضُ كتاباتِه «مُعَقّدةً» أو «مستغلقةً» على المتلقّي– وبهذا يُتاحُ لذاكَ المُتلقّي أنْ يُمارسَ القراءة المُبدِعة، لا «التلقّيّ» السّلبي. ومن خلال ما أشرْنا إليه، نفهم العلاقة الأدبية الحميمة التي جمعتْ خير الدّين بشعراء الزّنوجة ( سنغور، إيمي سيزيرْ، لِيُونْ غونتران داماسْ...)، ورفضَهُ لضروبِ التّسلّط، وحضورَ الجنوب المغربي في العديد من رواياته... وُلِدَ خير الدّين سنة 1941، في قرية أزْرُو واضو ( حَجَر الرّيح، بالأمازيغيّة)، قُرْبَ تافراوت، في الجنوب المغربي. هاجَرَ والِدُهُ إلى الدّار البيضاء، لِتعاطي التّجارة، وبقي هو في مسقط رأسه حتّى السّابعة أو الثّامنة، رفقةَ أمه التي « لم تَكُن تُحِبّه، لكنّها لم تكنْ تَضرِبُه» - كما كتب في أحد نُصوصِه - وجَدِّه، الذي سيتركُ في وجدانِه أثَرا قويّا. أمّا علاقتُهُ بأبيه فستشهدُ توتّرات حادّة، خاصّةً إثر تطليق هذا الأخير للأمّ. هذه العلاقات ستبرز في العديد من كتابات خير الدّين، حيثُ كثيرا ما يستعيدُ زمن طفولته وأمكنتها... حسب الشّاعر الفرنسي جان بول ميشيل، وهو صديق حميم لخير الدّين وناشِرُ عددٍ من أعمالِه، فإنّ سِنّ الحادية عشرة، التي عاش خلالها خير الدّين الطِّفل حادثة تطليق الأمّ باعتبارِها (أي حادثة التّطليق) تجسيدا للعسـف وللظّلم، هي التي شهـدتْ لديه مَنْشأ « التّمرّد على الأب والعائلة و الدّين والسُّلطات القائمة»، هذا التَّمرُّد الذي « سيُحَدِّدُ بعمق مسار حياة الشّاعر». شرع خير الدّين في كتابة الشِّعر، وهو بعدُ تلميذ بإحدى ثانويات الدّار البيضاء، وكان مصطفى النّيسابوري (الذي سيصبح بدوره شاعرا معروفا انطلاقا من أواخر ستينيات القرن العشرين) من زملائه في الدّراسة، وجمعتْ بينهما صداقة متينة كَرَّسَ لها محمّد خير الدّين صفحات جميلة من روايته " حياة وحُلم وشعبٌ، دوما في التّيه"... أنجزَ خير الدّين مُحاولاتِه الشّعريّة الأولى بالعربيّة، متأثّرا بالقصائد التي كان يُغَنّيها محمّد عبد الوهاب، لكنّه سرعان ما أدرك أنّ اللغة التي يُحْسِنُها فِعلا هي الفرنسيّة، فانتقل إلى التّعبير بِها. وتخلّى عن مُتابعة الدِّراسة إثْر حصولِه على البكالوريا. بعد الزّلزال الذي ضرب أغادير (1960)، اشتغل لحساب الضّمان الاجتماعي في تلك المدينة المنكوبة، لفترة محدودة (1961-1963)، وقد شكّلتْ هذه التّجربة منطلقـا وخلفيّة لروايته "أغادير"، التي صدرتْ عن منشورات سُويْ سنة 1967 ( كان عنوانُها، في الأصل، هو "التّحقيق"، لكنّ ناشِرها آثر تسمية "أغادير"، باعتبار أثر اسْمِ المدينة المُدَمّرة في أذهان القُرّاء وقتها). ونحن ننعت "أغادير" بالرّواية، على وجه التّقريب، إذْ في هذا العمل، كمـا في "حكاية إلـه طيّب" أو "أنا الحامض"... يَدمج خير الدّين السّرد والشّعر والمسرح والخطاب الشّفويّ في نطاق ما كان يُسَمّيه بالكتابة (كما أسلفت). وقد احتفت الأوساط الأدبيّة الفرنسيَّة بِ"أغادير"، واعتبرتْ صاحِبَها « كاتبا استِثْنائيا»ـ
عاشَ خير الدّين حياة صعبة، أثناء إقامته المديدة في باريس - من أواخر 1965 حتّى أبريل 1979- و كان من الذين ساندوه: سارتر، بيكيت، ميشال ليرِيسْ... وفي باريس، تزوّج بِآنّي ديفوار، وأنجبا ولدا (ألكسندر)... وانفصلا. وبعد عودتِه إلى المغرب، وحتّى وفاتِه بسرطان الفكّ في 18 نونبر 1995، واجه ظروفا قاسية في أغلب الأوقات... ورغم كلّ ذلك، تمكّن خلال عُمره القصير، وبشجاعة واقتدار نادرين، من إنجاز أعمال أدبيّـة أصيلة، نذكـر من بينهـا: في مجال الرّواية: أغادير ( 1967)، "جِسْمٌ سالب، يليه: قِصّة إله طيّب" ( سُويْ، 1968)، أنا الحامِـض ( سُوي، 1970)، النّبّاش ( سُويْ، 1973)، رائحة الوَدَك (سوي، 1976)، أسطورة أغونشيش وحياتُه ( سُويْ، 1984)... وفي نطاق الشّعر: شمس عنكبوتيّة ( سُويْ، 1969)، هذا المغرب (سُوي، 1975)، انبعاثُ الأزهار البرّيّة ( منشورات الستوكي، الرّباط، 1981)،... وبعد وفاتِه، ظهرَتْ لهُ أعمالٌ لمْ تكنْ بَعْدُ قدْ نُشِرتْ، من بينها رواية بعنوان: "كان هنالك زوجان مُسِنّان سعيدان" (سوي، 2001)، ومجموعة قصص: "الدّفن ومقطوعات نثريّة أخرى وجيزة" (منشورات وِليم بليك والشّركاء، 2009)... في مقدّمته لِ"شمس عنكبوتية" (في طبعتها الجديدة، الصّادرة ضمن سلسلة شعر/ غاليمار، 2009)، يقول الشّاعر جان بول ميشال - وهو بالمناسبة صاحب دار نشر William Blake and Co - عن خير الدّين، إنّ الكتابة نَصَّبَتْه « بطلا للعُزلة أمام كلّ الثّقافـات... محاوِرا لكلّ اللغات...». ويقول أيضا: « لم أعهَدْ لديْهِ ضغينةً قَطّ».
تبقى إشارة أودّ أن أورِدَها هنا، وتتعلّقُ بواحد من نصوص خير الدّين التي أخصّها بهذا التّقديم، أعني النّصّ الذي اخترتُ لهُ عنوان "هذا الدّم". فهو مقتبس من "أغادير"، التي تُصنَّفُ عادةً كرواية، لكنّ خير الدّين كان قد نشر ما يشكّل قسما كبيرا منه في العدد الثّاني من مجلّة أنفاس تحت عنوان "دماء"، باعتباره أقرب إلى الشّعر، كما قال عنه هو نفسُه... ولن يستعصي على القارئ إدراكُ الطّابع الشِّعْرِيّ لِ"هذا الدّم". أمّا القصائد الأخرى التي أقدّم في ما يلي فمستقاة من مجموعتين شعريتين، هما: "شمس عنكبوتيّة"، و"انبعاثُ الأزهار البَرّية"ـ

 

:النّصوص

آنِّيغاتور

إنّه حُلْمٌ له جِلْدُ أُمِّ أربع وأربعين يمتطي ظهري
يَبْهَرُ ظلّي إنّه سمكةٌ إنّه خاصرةٌ لا تستكين
دمُه يضعُ جسمي الذي هو جسمُ الرّيح الشّرقيّة
على فَمٍ مُجلّل بالرّماد على الحِبْر
إنّه نفْثَةُ هَوْلٍ لا يُعَوَّض إنّه عصفور حفّارٌ
ومعه الأوراق التي تَصْحَبُهُ مهتاجةً
عبْرَ السُّيول السَّريعة حيثُ البروق تُطْلِق
مقصّاتنا من إسارِها

إنّها هي التي تُمدّد
هذا الظّلَّ المكوّن من حواجزَ مُرتجلة
ومن حشراتٍ
زَحفتْ عبر دماغي
تُمدِّدهُ خلفي
حيث أجعل مهاوي عينيها تنفثُ
نجوما صقيلة
إنها هي حين أتبرَّع على نفسي بليلة
شَوَتْها شُموسٌ
وكلماتٌ ستكسر أنابيبكم خلال نهار
مشتبه في أمره !ـ

إلى جان ديفوار

شموس الأحلام، الرّهيبةُ
جُثَثُ الأقمار والصّحراء، الدّبقةُ
تَكُونُ تحت إبط مُهرِّب البشر عبر الحدود
أكثرَ عددا من عصافير الأرض قاطبة
حين يرسمُ البحر المُترجّح نتيجةَ تسمّم الطّحالب المُرّة
صِلة وَصْلٍ بين
السّماء اللّدنة ووجهك، وجه الغزالة السّوداء

القبور هوتْ على الأنهار الباردة

كان ثمّة سلاحٌ ضروري: لساني النّاشف لساني الأعمى
باصقا من جديد أحصنة عنيدة
عليها تنطلق الخرافات في الفضاء
ولا غنى عنها في مراسم إضفاء القُدُسِيّة
على ربيع بقرتْ بطنَه
أقدامُنا المتصلّبة
وها الكلبُ المائل الجسم، كلبُ التّهديدات
المُداوَرة
يتمدّدُ لِصْقَ جلدي
سماءً قريبة تتلقّى القذائفَ
تنهبُ وجوهنا
الأحافيرُ المُحتَدّة البِزَزُ
وهذا المرضُ
على حَدقاتها الرّماديّة
جسرٌ
وصمتٌ خلال دبيب هذه العذابات
لكنْ
ما الزّهرة إنْ لم تكنْ موتَ الرّتيلاء
أقولُ هذه النّار البيضاء والسّوداء أو البنفسجيّة
بين السقوف النّائيّة العتيقة
أقول الطّائرة- الذُّبابةُ- الغريبة على أعناقنا الخضراء

ألم نَغرقْ منذُ قرون هذا ما كنّا عنه
نتساءل
أقول هذا الأمرَ التّلقائي هذه البدلةُ
لباسُ العُقاب الذي وُلِدَ ميِّتا
لا أقول شيئا ولْنَمُرَّ على القليل القليل
من العُرَى المتشظّية

القبور هوتْ على الأنهار الباردة

سَيْرُنا كان شَرَكا
ولم نكن جارحين
كانتْ أيدينا تُرَبّت
على الظّهر الأملس للسّماء البغلة
عيوننا المتشكّلة قبل أوانها
موجّهة إلى وجوهك التي أزهرتْ مُجدّدا بين الأشواك
حينما
ملفوظةً من قِبَل الإعصار
أنشأتْ أجسامُنا وقد جاشتْ مشاعرها
بِرَكًا
في
الحُرّية

 

هذا الدّم

:أنا كاتبٌ وزني عشرة كيلوغرامات طولي؟ 0,10، دقّقوا، هذا جواز سفري

المملكة المغربية
الاسم العائليّ ؟
الاسم الشّخصيّ ؟
الجنسيّة ؟
المهنة: متمرّد
العنوان: يهوديّ تائه

البَرْد الرّاتع في غرفتي التي تنفتح على الشّارع، ونافذتي التي لا تنغلق ، كتابي المُقَلّبُ بشكلٍ سيّئ، سيْري على غير هُدىً، هدفي، مخّي السّارح الحاضِر متى إذنْ ستكون بَغْلا بشكل أقلّ؟ رأسي، لُقْيَتِي، حافظةُ أوراقي، وجدّي الذي نبشتُ قبره لأعرف إن كان قد غيّرَ مكَانَه، الموتُ الذي يَرفضني، أنا عَفِن، أنا لِحاءُ الشّجرة العجوز المهووسة، لحاءُ شجرة التّفّاح التي تمّ وصْفُها، دمي أو بالعكسِ لِمْفايَ ضاربة إلى السّواد، دمٌ عَدَمٌ، دمُ نحلةٍ، دمي الهائل، دمي بلا اسْمٍ، دمي الذي هو ليلٌ دائما... أُفْرِغُ لوحدي بنوكَ الدّم، دمٌ هو هياجُ حشرة تجوسُ الحديقة حيث الصّداقة معقودة بين المصاطب، دمٌ مُمَلّحٌ مُدَخَّنٌ، دمٌ زلزال يَنطلقُ من إبهام قدمِي... دمٌ نقود مزيّفة، أنْسَلُّ وليس بدافع الخطأ يُسلّمني الدّم كأني جانٍ، أمضي إلى ضوضاء المدن من دون اسم حقيقي، وفي كلّ مكان ألاقي سُحُبًا من الذّرّات، على كلّ خطوط الهاتف تَحطّ كواكب سيئة النوايا وأعمدة مائيّة، لا أتوجّه إليكَ بالكلام إلا لأننا نبقى غير منفصلين، تقول، نحن غير قابلين للانفصال، نحن قابلان للانفصال، أجيب أنا الذي استُحْلِفتُ في اللحظة التي تمّ خلالها اغتيالي، لقد شكّلْتُكَ كما اقتضتْ لياقتي، وبحسب مهارة الفخاخ، دون إسقاط شيء من سحر إله الفودو الذي أطاح به الأوربي ذو الأسنان المشحوذة جيدا واليدين الطّويلتين، الحائزُ معارفَ العظاية الباسمة، وهنالك أبو الآباء، أبو السمكة العجوز التي صنعتْها الرُّتيلاء المُسِنّة أمام أبِي الآباء وأمّ الآباء، لم أجعلْ منك ندّا لله ولا متحكّما في كوكب الأرض، لقد منحتكَ صوتي، فكلّ منا في حِلّ من أمر صاحبه، هذا ما تقوله، وأنا أعترض، وأعلن انتسابي إلى حضارةٍ للنّموس والأفاعي الفوضويّة، لا أعرفُ آسيا، عن طريق السّماع والكتب الضّخمة الجُملِ القوافي الانقلاباتِ حالاتِ الغثيان والدّمُ مثلما مِسْبحة مُهداة إلى الثّائرين السّيّاسيّين المنتمين إلى دمي والذين يقطعون الأنسام والزّاد على من يبغي أن يرتوي منه، طبعا أنا أختفي، أيها الدّم- المحرقة الدّم- البنزين الدّم- المعركة الدّمُ، لا تشُكّوا في قولي إنّي أعاين بوضوح سوء سلوك الدّماء والعيون المصابة باللوكيميا، لا أمرّ دون أن ألحظ السّدود التي يقيمها الدّم، الدّم وسَرْدينةُ الدّم السّوداء، شهدتُ عمليات فَصْدٍ من العنق والعانة، كان ذلك على عرش من الحجر المتبلر وعلى الفراغ الذي يتوسّط الهذيان، وكانت العانس المحتدّة المزاج بسبب مشاقّ العمل في الحقل وحَفْرِ الآبار تغرز رأسَها نفسَه في الحجر وتضحك شِبْهَ نائمة فيما أعْلى منها بلْ على جلدها ترسُمُ الدّكتورة الطّوفانَ، الدّخانَ، الثّلجَ، الحَرْبَ، كانت المنيّة حاضِرة، قلْتُ لنفسي، فهل لها قلب ودمٌ وجسدٌ يمكنه أن يسحرني؟ لا، لقد كان لها شعر طويل رمادي، كانت سوداء غِرْبِـيـبَـةً شَعْرُها مسنونُ الأطراف، المنيّة لم توصف، المنيّة المتسلّطة على الدّم لابدةٌ وسط أحزاننا وانصعاقاتنا التي أبعدْنا عنّا، ولقد ضممتها إلى روحي، منحتُها قلبي، فجعلتْ منه طائرا يصحبها إلى أيّ مكان تقتُلُ فيه وتُعَرّي، تأكل فيه وتسكر، للمنيّة نوايا إيجابية، إنّها تُبرّر ولا تُعاقب وقد مارسْنا الحُبّ المُقدّس لا أعلم لِماذا، صنعتُ لها كعكة بديعة بمنيّي ودمي المرشوش بالدّقيق، هذا لن يُنسيها مُلامساتي، لن يُنسيها قَوْلي لها ابْقَيْ- لا ترحلي- أنا- زوجُك- أنتِ- المُصطفاة- مِن- قِبَلي، ستتذكّر ذلك زمنا طويلا في كُلّ الأحوال، ربّما تَعود في ليلة ما وهي لن تنبثقَ من أحشائي، وستُصَفّق ومن بعيدٍ تناديني يا سيّدا كأنّي قيصر، يا بومةُ كأني القُرصان أو الإعصارُ حاملاَ هذا الاسم، تعال لأسمّمك، تعال لأكسوَك لباسَ رومانيٍّ قديم، لباسا أبيضَ مذهلا، تعالَ أيّها النّسيان، ولْأكُفّ عن الظّنّ، ولْأَرْغب في تجرّع الموت قطرة قطرة، علاماتٌ مُشاةٌ سائقو سيّارات راكبو درّاجاتٍ مُلوكٌ أفّاكون كتّابٌ أنساقٌ منطقيّةٌ جماركُ غزواتٌ، المساءُ يفتحُ المقاهي، المصابيح تقتات من الشّمسِ، الإنسان يُتلف كبده، إنّهم يُرَقّعون دمي، وأشعر بالألم في الأماكن التي تحمرّ من جسدي، يرونني أركض تحت البُسُطِ وتحت الموائد المجبولة من صُهارة المعادن، أنشر العفن في الفسيفساء، أُثَقِّبُ الأرائك، أكسرُ سيقان الأزهار، أَسُدّ المراحيض، لا أُولِي أهمّيّة للنّقود التي تسقط من الجيوب الممزّقة لهؤلاء البسطاء الذين يخافونك، دمي الإغوانة، وأنا دوما أسائل دمي الذي أنعتُه بمطرح نفايات المدينة، بالفأر المُصاب بالطّاعون، بوباء أقمارٍ نتنة، بنقيضِ كُلِّ ما يمنحنا الهناء فنتشبّثُ به أثناء تهاطل المطر إذْ يُصبح الفحم الحجريّ بثمن الدّم، دمي الذي تقيّأتُه، دمي الذي لا يمضي لتناوُلِ الكَرْكَنْدِ مُضمّخَ الشّارب بالطِّيبِ مُصفَّفَ الشَّعر على الطّريقة الإيطاليّة، دمي الأعرجُ، الذي كسَرَ قرونا، الذي يُسَبّبُ الشّيخوخة، دمي الخَسيس، دمي العاديُّ، دمي نسيجُ الملبس الشّتوي الذي أتعلّم فيه التّخفّي، أتعلّمُ فيه عدَّ كِسَرِالجليد حُبيباتِ البَرَدِ، دمي الرّصيفُ، دمي اللقيط الخانع والماكِرُ، الذي ليس كلبا راقيا تصْحبه في الصّالونات سيّدة نُحاسِيّة البسْمة فبسمةُ عَبّادِ الشّمسِ الحقيقيّة لكَ أنت أيّها الدّمُ المُهَذّبُ الذي ينزلق دوما صَوْبَ جذور الفوْضى، دمي الجذامُ، دمي مثل سانْ جوستْ على منصّة الإعدام، دمي إنّكَ ترتجف، دمي إنّك تُتَوِّجُ شِرّيرا حقيقيا، دمي إنّك تُطْلِقُ النّار، دمي عينُك إرهابيّة، دمي لقدْ هربْتَ من رُكامِ حصباءَ أنْشَأتْهُ يَدٌ مُتمرّسَةٌ، دمي الذي فيه تُقرقع سَلاسلُ تَطِنُّ أجراسُ قصور، دمي الذي يقضي مساءً سيئا وسيقضي ليلة رديئة ويومَ اثنينٍ من التّجاعيد، دمي أنت لا تربح في اليانصيب، دمي أنت تسحب خلفك صلصتك الخاثرة التي انبثقت من نُسْغ كواكبَ ذُبِحتْ على الصّوّان وفوق شجرة الخرّوب على آخر الدّوائر الحلزونيّة للدَّوْخَة... دمي اليهوديّ الملياردير، دمي المغربي البروليتاري، دمي الذي لا يَكتب، دمي الذي يرشو اليأس، دمي الذي يُوَبّخ الغيوم والأشجار المُسِنّة..ـ

 

قصيدة

الزّاحِفُ صوب سُرَّتي التي هي من سيول مغراء
والذي يضرب أعناقَ ياقاتي المنبهرة بالبروق
ساطورٌ كان يحدث أن يضحك
هذه السَّماء الخالية من الملائكة استعادتْ كُلَّ أظافرها
لكنَّ كتلة القنّبِ الخفيَّة تدور بشكل سيّئ
في الأساس نفسِه من حائط الأهوال
الزّاحفِ صوب سُرّتي التي هي من سيول مغراء

قَطِّعوا إذن جسوم عصافيري الوحيدة
أتحدّثُ عن عينٍ تُسكب في كلّ غرام
من العنبر المُرّ
يُدخَّن يُبصَقُ على هذا المُلْصَق الدّعائي لكوكب
يهوي فيه صوتي القزمُ الأسودُ
شبيهُ صوتِ العَلَقة
قطِّعوا إذن جسوم عصافيري الوحيدة

ها التّهديدُ دونما فاصلة قد جُهر به
من طرف مساميرَ معلومةٍ لديَّ انقلبتْ صقورا
شاءت الصّدفة أن تقبعَ ها هنا طريقٌ
وأعناقُ أطفال تبجَّحَ بهم العضوُ الجِنسيّ
المُضخّمُ بالشّيلم
والنّومِ
وهالتّهديدُ دونما فاصلة قد جُهر به

حين تنغرز أظافرُهُ في اللحم الأزرق
للحُسام
يجأرون دوما بماذا ويبكون مَنْ
مخدوع أنا بالصّمت وهذي ليلةٌ سَكْرَى بلا رَحِم
خلالها تَطيرُ الحشرةُ عقيلتي
أقربَ من أيّ قارِبٍ يستطيع البحر أنْ يتذكَّره
حين تنغرز أظافرُهُ في اللحم الأزرق
للحُسام

وَثائقُ كلّ النّيازكِ النُّحاسِيّة ذاتِ الهلوسات
ومسألةُ المستعمرات الفينيقيّة هاته تجتاحني في كامل
شساعتي
تكتسحُ ظلّيَ الذي من نبيذ أحمر
بالصّرخةِ الأنثى لصيّاد الطّيور
لكنْ ما دامتِ الشّمسُ فاكهةً تالفة
لها ظلُّ شهير
فهذا الظّلّ وخيطُه يتسلّلان إلى جِلْدي
وثائقَ لكلّ النّيازِكِ النّحاسِيّةِ ذاتِ الهلوسات

وأرحل مع ما تبقَّى لي من أناي
الذي صرخوا في وجهه
أرحلُ ملتصقا بالرّصيف
رفقةَ تحدِّيَ ذي ألقِ الرّملِ أشربُ
تحت الشَّجرة الكثيفةِ الأوراقِ حيثُ ثعابيني الزوابعُ
تَكسرُ النَّايات
وأرقص منبهرا على شوكةِ بؤبؤيك الخرقاء
وأرحلُ مع ما تبقَّى لي من أناي
الذي صرخوا في وجهه

أُرْغِي بقصائد منعتْها الرّقابة وبمشروبِ أبْسَنْتٍ
لم ينقشع أثرُه أبسنتِ رُكَبٍ مائلةٍ في تحليقها
أُوَجِّهُ شتائمي للرّخوية القابعة في هذه القوقعة
البيضاءِ حيثُ ثبَّتَتِ العادةُ قضبانها
التي تسمّيني الأسدَ المنبجس كالسّائل
الأسدَ ذا السّترةِ غير المألوفة
سترةِ جساراتٍ يعرفها
المستنقع ذو المكانة العليا
أُرْغي بقصائدَ منعتها الرقابة وبمشروبِ أبسنتٍ

الآن أرمي إليكم بِرِئتيّ الطّيّارتين الورقيّتين
بالدّقّة التي تُطَرّي فضائي
وأقول
الرّبيعُ لا يوجد لقد انكسرت فَقَارُ ظَهْره
إذ تعرّضَ لهبّة ريح صوتُها غيرُ مُمَيَّزٍ
(كما النّخلة-السِّجن
التي تكتبكَ أنتَ نفسَك وتُدهِشك)
الآن أرمي إليكم بِرِئتيّ الطّيّارتين الورقيّتين

أراضٍ صُلبة

مُنهَك أنا لكوني عاريا بين عجائب
حياة غريبة صفراء
حيثُ صمتُكِ وولادتي الحقيقية
يقتاتان من الموائد التّذكارية
للعدم الرّقيق البارد
أنتِ النّجمة التي تجرّ خلفها
غيابيا
دماءً هائلة
منهَك لكوني كُسيتُ بياضا بمفعول
بسمات أناسٍ يمشون
إلى الخلف في شارعٍ
لن تشرب فيه لا كلماتُ الكسوف
ولا أسوأ الحكايا الأسطوريّة
الآن أغادركِ من العين الممنوعة
على ارتفاع الزّمن الموقوف فوق ركبتيّ
اللتين ليستا بالخضراوين ولا بالسّمراوين
لكنّ
الضّحكة المنيعة التي تتطاير منها عقبانٌ
تزدري معاذيرَ سُحُب الرّمال
التي تمنحها حنجرتي عُشْرا مقدّسا
إلى كلّ فَـتـيـتَـة خُبز
مثلما يرحل الأفق الطّبيعيّ
من كلّ كلمة تمزجها
بكحول أراضٍ حمراء صُلبة
في إفْرِيقْيَات الدّم
كلمةٌ أجملُ من أن تَكون ينبوع السّماء المكتوبة
منهكٌ أنا بسبب مواكبك
وهذه سحنتي التي كأنها
من أديمِ غليون وإهابِ تَابِيرٍ
لا جريمةِ قتل
هكذا يمكننا أن نعتقد أنّ كلّ مستنقع
يعرف كيف يَبيضُ بيضته
ملغيا ولادتي المزدوِجة
متشبّها في ذلك بالوَزَغَة
إنّه أنا من أَقْمَع
في هذا الزّمن الكسير
زمن المساعي غيرِ النّاجحة
للهاوية

صحراء

أيّها الكلب المتوحّش، الشَّديدُ النّزق، أترغبُ في التّعبير
عن صحراءِ ظلّي التي تبعث على الألم؟

،يا ابنَ آوَى لا يظهرُ إلا خلال الليالي غيرِ المُقمرة
تعالَ وارقُصْ على الجراح الزّاهية لنهارات الهياج ـ

أمنحكمْ ساعاتٍ مرضوضةً يَنْضَحُ
قيحُها عبر منقار الغُراب ـ

مدينةٌ مأهولة بالمجانين تنبش
طُرُقًا أصبحتْ مِزَقا ـ

ذَرّاتي تَطِنّ مثلما شُهُب
في الدّموع المَحْبوسة

أيّتها الضّباعُ الهائمة، حطّمي هذا الجسد
على الصّقيلة من بين الغيوم ـ

نُشِرَتْ هذه النّصوص، في الأصل، في العدد 17/18 من مجلة "البيت" المغربية

emwast@yahoo.fr

10:23 |  Facebook

26.05.2011

مفاهيم موسّعة لنظرية شعرية

:مفاهيم موسّعة لنظرية شعرية

محمد مفتاح مُعيداً النظر في مجموعة من المفاهيم الرائجة في الخطاب النقدي

meftah.jpg

مفيد نجم

على الرغم من اتهام الممارسة النقدية العربية المعاصرة بالدوران في فلك النظريات النقدية الغربية والارتهان إليها، فإن إسهامات بعض النقاد العرب تكشف عن خطأ مثل هذا القول، ولعل مساهمة الناقد المغربي الدكتور محمد مفتاح في مؤلفاته العديدة، والتي كان آخرها عمله الجديد الذي توزع على ثلاثة كتب حاول فيها تقديم مفاهيم موسعة لنظرية شعرية فاز عليه بجائزة الشيخ زايد للنقد في دورة هذا العام، لجأ الناقد إلى توزيع مقترحه للأنموذج الشعري الموسع على مبادئ ونظريات وانساق محاولاً الاستفادة من مصادر مشتركة عمل على دمجها وتركيبها من أوليات معرفية ورياضية ومنطقية وتنظيمية وحركية، بهدف توليد مفاهيم تلك النظرية، بحيث يمكنّه ذلك من الدقة في التحليل، والضبط في التأويل، والقدرة على إدراك العلاقات الوثيقة التي تقوم بين النصوص والمبدع والمحيط أو الواقع ـ
 
حمل الكتاب الثالث، موضوع تناولنا هنا، عنوان “أنغام ورموز”، واختيارنا لهذا الكتاب نابعاً من كونه يشكل تتويجاً للمفاهيم والمعطيات التي قدّمها في الكتابين السابقين عبر ما يقوم به من تطبيقات، تتمثل في التفكيك الدقيق لنماذج شعرية مغربية ومشرقية عديدة، بغية تأكيد الدقة التي يتميز بها التحليل والقدرة على الضبط في تأويل تلك النصوص وفي الكشف عن العلاقة القائمة بين المرسل والرسالة والمتلقي. ومنذ البداية يشير إلى مكونات الأنموذج الذي يقدمه، ومناقشته لمسألة تحقيب المتن ـ
هوية الكتابة ورمزية الفضاء
 
ينتقل الناقد إلى مناقشة بعض القضايا التي يرى بأنها تشغل بال الشاعر المعاصر كما هو الأمر في مسألة هوية الكتابة الشعرية, ورمزية الفضاء والزمان بعد التمهيد الذي يصف فيه حركة الشاعر المعاصر وسط مناخ ثقافي متعدد الأمكنة والأزمنة والمشارب سمح له بالتفاعل مع القضايا الوجودية والإنسانية التي طرحها الفلاسفة والشعراء على مدى أزمنة مختلفة، فيحاول أن يستجلي ذلك في تجارب عدد من الشعراء المغاربة التي يستخلص منها ثلاثة موضوعات سماها بـ “موضوعة المحبرة وموضوعة الحبر وموضوعة الرَّحبة”، مبينا الكيفيات التي تجلت بها تلك الموضوعات وطرق التعبير عنها للكشف عن شعر التكوين ولحن الوجود. المسألة الأولى التي يناقشها في تجربة الشاعر المغربي المهدي اخريف هي مسألة (دلالة الصمت/ الصوت) و (البياض/السواد) التي تمثل كما يراها امتدادا لمعضلة التواصل باللغة أو بغيرها خاصة أن اللغة تعجز عن التعبير أحيانا، والمسألة الثانية هي انسلاخ الشخصية التي يرصدها من خلال الحديث عن الإبداع وعوامله وآثاره في الزمان وعن سلطة النص التي تتحكم في شخصيتي الشاعر الشعرية والعادية، ثم مسألة مقاصد النص الذي يتمتع بسلطة قوية ومستبدة على صاحبه. كذلك يتحدث عن سلطة الذاكرة لينتقل بعدها إلى تناول مجموعة من التجارب الشعرية المغربية الأخرى لاسيما المكون الموسيقي فيها والذي يجد أنه يشكل نواة اللغة والشعر الأمر الذي يدفعه إلى دراسة البنية الموسيقية في تلك الدواوين الشعرية السابقة، التي تمثلت خصائصها في العودة إلى التوافقية وتكرار الجمل مع بعض التنويع المتدرج . على مستوى أشكال الكتابة يعتمد الناقد مجموعة من الأعمال لتحليلها من خلال طريقتين: إحداهما أفقية وتتجلى في تتابع المقاطع الشعرية وتواليها مع رصد الحدود بينها بتكرار بعض التراكيب لتنمية الموضوعات، وثانيتهما عامودية. كما يدرس البنية الإيقاعية ممثلة بالوزن وما يستدعيه من مقاييس ثم يعمد لاستعراض الأساس الموسيقي لعدد من القصائد وإبراز أوجه التشابه بينها وبين الموسيقى ـ
 
بعد الحديث عن أزمة الشعر والشاعر في ثلاث تجارب شعرية، يحاول الناقد رصد أصداء الحياة العالمية والعربية والمغربية في الآثار الإبداعية لاسيما ما كان منها متصلا بمصير الأمة. وتجنبا للمبالغات يقترح مجموعة من المفاهيم الإجرائية المرتبطة بصورة وثيقة بالنصوص المدروسة من خلال استخدام المفاهيم الواصفة المستمدة من الإبدال العلمي المعاصر، وذلك عبر ثلاث فقرات أساسية تختص أولاها بآليات تحقق النص، وثانيها بما قبل التحقق، وثالثها بما بعد التحقق. ويجمل الآليات التي يتحدث عنها في إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم الرائجة في تحليل الخطاب الشعري وفي السرديات ومنها مفهوم التناص في ضوء المعطيات العلمية والفنية والنصية، فيحاول دمجه مع غيره من المفاهيم في مقولة التذاكر، ثم يتناول مفهوم التناص الخارجي الذي يتألف من مكونات عديدة يحددها في أسماء الأعلام ولغة الحياة العادية ومناخ التمرد وروح شعراء ما بعد الحداثة وتأثير النقد المعاصر ، والتناص الداخلي الذي يجمله في التناص في مقطوعة واحدة والتناص بين المقطوعات ثم التبايض أو المساحات البيضاء في النص . وفي مجال التفاتن يتحدث عن علاقة الشعر بالتشكيل والموسيقى، وأخيرا يدرس مفهوم التشاكل حيث تتميز هذه الدراسة بالعمل التطبيقي على نصوص الشاعر حسن نجمي. وفي قراءته في ديوان محمد بنيس “ورقة البهاء” يسعى إلى بيان المعاني والدلالات بغية تنظيم الفوضى وعقلنة الهذيان ثم استقراء عماء الشاعر من خلال مؤشرات البياض ثم دراسة أسماء الأعلام والأماكن والمفردات اللغوية العادية، إضافة إلى دراسة المعنى وشكل المعنى ودلالات الدوال تالياً. ويجمل خلاصات القسم الأول من الكتاب في حديث التجارب عن هوية الكتابة بصفة عامة والكتابة الشعرية بصفة خاصة، والموقف من اللغة، وقضية البياض والسواد، إضافة إلى ما اعتمده الناقد من منهجية سيمائية عامة من الموسيقى واللسانيات وتحليل الخطاب بناء على فرضية التركيب للمصادر المشتركة المندمجة ـ
 
الرموز
ينحو في هذا القسم منحى جديداً يعتمد فيه على لغة مفهومية واصفة مستقلة لكي يكون للإبداع لغته وللنقد لغته؛ حيث يلاحظ نحته للعديد من المصطلحات الجديدة التي تعبر عن هذا التوجه وفي مقدمتها مصطلح ( الصومتة) أي أن يكون الصوت والصمت وجهين لعملة واحدة، وذلك في دراسته لديوان أدونيس “المسرح والمرايا” الذي يمزج فيه بين فنون مختلفة، فيبدأ بدراسة التفكير بالصوت والتفكير بالصمت ومن ثم التعبير بالموسيقى والتشكيل . ويعود إلى تلك الثنائيات في قصيدة “الأرض” للشاعر الراحل محمود درويش التي يركز فيها على إظهار تجليات تلك الثنائية المتمثلة في الحجارة والقيثارة والاستشهاد ومحبة الحياة والخيانة والوفاء اولاً ومن ثم إبراز الكيفيات الفنية التي قدمت فيها والكشف عن بنيتها اللغوية، وأخيراً البحث عن كيفية توليفها الموسيقي وبعدها القيام بدمج البنيتين اللغوية والموسيقية وتأويل استخلاص الدلالات والرموز. ويعود لدراسة ديوان الشاعر محمد بنيس الذي قامت نصوصه على رؤية ثنائية هي التبشير والنذير التي تعصم كما يرى عن الوقوع في شرك التخدير والتفاؤل الساذج؛ حيث جمعت نصوص الديوان بين أزمنة مختلفة وأمكنة متباينة وساهمت من خلال اختيار الأنموذج الديني المطلق في إلغاء الصيرورة التاريخية... وكان أن استخدم الناقد للوصول إلى تلك القراءة مناهج موسيقية ولسانية ورمزية وسيمائية في إطار رؤية موحدة لا تفرق بين الشكل والمضمون. وفي نهاية الكتاب يقدم حصيلة البحث التي يفصِّل فيها لتمكين القارئ من توظيفها وهي “الشعر في الدماغ” وتعتمد على تحليل الشعر بالموسيقى، وفي “الحركة الحياة” التي يتناول فيها الحركة النصية وطبيعتها، ويجليها في الحركة الموسيقية والحركة الجسدية المعبرة ودلالات الحركة وحركة النص وتنظيم الحركة وآليات تنظيمها ـ

 

08:22 |  Facebook

16.04.2011

في نقْد القصيـدة المغـربيّة

 

في نقْدِ القصيـدة المغـربيّة

كان الشاعر المغربي يبحث عن ناقـد يناظره ويسأله عن كأس العبارة, وعن الكرمة اللغوية, وعن الحكاية الأولى التي لما يروها. كان يبحث عن الشبيه! 

ler.jpg

د. مصطفى الشليـح


لعله كانَ سؤالاً إشكاليا: هل يمكن اعتبار عدم الفهم، في نقد النماذج النصية المغربية, عتبة أولى للقراءة الواعية بالنسق والتأويل ؟

ثمة إشارات متناثرة في السجل النقدي للقصيدة المغربية إلى أن الوعي بانتساب النص إلى نسق ينتظمه، ويمارس تأثيره فيه، وإلى كون النسق ذاته نتاج تراكم نصي يتوحد حين يتعدد؛ وهما، معا، يخضعان لجدلية تفاعلية، كينونة وسيرورة، وإلى أن تلك الجدلية تؤمِّن إمكانية السفر في التاريخ من غير امحاء لجغرافية الذات والأسماء.

تلك الإشارات، قد تنبري عباراتٍ، كلما تأملنا صنيعَ النقد بالقصيدة المغربية أو صنيعَ القصيدة بالنقد المغربي إذا يتجاذبان ويتأهبان لبلورة ثقافة الهوية، أمدت التأمل بالمتاه الذي اقترفه الخوض الدراسي قبل الاستصحاب الشمولي لآليات اشتغال البنية الثقافية المغربية ، وأمدته بالأسئلة، التي ظلت مرجأة أو لعلها بقيت مطفأة؛ فلما يتيسرْ لغير قليل من الخائضين ملاقاة القصيدة في اشتعالاتها وتحولاتها.

سؤال ثقافة الهوية وارى،عن العيون، أسئلة تختص بهوية الثقافة ومساراتها التي يمكن أن يكون النص الشعري ذا مركزية منها.

ذهب الشعر بعيدا عن المقاربات الافتراضية ليكون المسعى تأريخا واصفا لشكل أدبي.

عدم الفهم كان يمارس فعلا تأويليا عفويا بلغة عادية لغياب مبادئ نسق أكبر يؤدي إلى " التأويلية العالمة التي تعيد بناء اللغة "1 من خلال الفهم. هذه المفارقة أسهم؛ في انتشارها, "المسح الطوبوغرافي السياحي" للقصيدة من قبل المنصرفين إليها، فكاد الصنيع النقدي يكتفي بخارجيات النص، وكاد لا يقترب من أفضيته الداخلية إلا لاقتناص شاهد، أو لتقصص معلومة, أو للظفر بما اعتبر من قبيل فنية التعبير، أو بالألوان الفنية للقول الشعري.

إنّ العدول بالفهم ذاته من الانتباه إلى استكناه ماهيته مدين إلى الكتابات النقدية الحداثية أو القريبة من الحداثية، في المغرب، التي أرختْ لقطيعة منهجية مع التلقي الانطباعي للقصيدة، وللأشكال الثقافية بشكل عام, واختارت السؤال المعْـرفيَّ للنص الأدبي حدثا وسياقا ونسقا.

وقد تكون الجامعة المغربية عملت على تجذير هذا التحول من خلال برامجها التأطيرية من جهة، وعبر الرسائل والأطاريح التي تقدم للمناقشة من جهات أخرى، والتي أنتجت مدارات ثقافية مختلفة تقرأ بلغة عالمة ما كان يقرأ بلغة حالمة، وتكتب التاريخ استنادا إلى راهنه وليس اتكاءً على كامنه الجمعي في الذاكرة التراثية.

ولعل د. محمد مفتاح أن يكون، وباحثين آخرين، من الذين عملوا على تلوين المساحة النقدية بما يسعفُ في بيان التحول من النقود التأثرية إلى نقد معرفي يقول عنه: " .. وهذا ما توخيناه باقتراحنا مفهوما نحتناه من: الثوابت والتاريخ " التواريخ " وبنينا الكتاب على هديه حتى نبدأ نسير نحو مقاربة جديدة لتحليل النصوص ندعوها " النقد المعرفي " على غرار الدلالة المعرفية وعلم النفس المعرفي والأنثربولوجيا المعرفية؛ وسيكون سداه ولحمته مفاهيم مستوحاة من المنطق والرياضيات واللسانيات والسيميائيات والعلوم المعرفية وفلسفة الذهن؛ وهي - كما يدرك حكماء الأمة – علوم هذا العصر."2

هذا النقد المعرفي كان هاجسا تصوريا ومنهجيا، عند محمد مفتاح، منذ كتاباته الأولى التي أسست لمشروعه النقدي الذي ينبني على مبادئ أجملها د. أحمد بوحسن على النحو التالي:

1.مبدأ الاستمرار المنتظم بإصدار مؤلف كل سنتين تقريبا.

2.مبدأ الجمع بين الممارسة النظرية والتطبيقية.

3.مبدأ تناسل ونمو المشروع بخروج مؤلفاته الواحدة من صلب الأخرى.

4.الفرضية الأساسية للمشروع: الدعوة إلى الجهاد والاتحاد, وهي نواة أطروحته للدكتوراه حول: " الخطاب الصوفي. مقاربة وظيفية "3

5.الفرضيات الخاصة المتفرعة عن الفرضية الأم.

6.الانتقاء والترجيح بتشييد البناء النظري لمشروعه وبنقد النظريات المتفاعل معها.

7.القراءة المضاعفة المراوحة بين الكتابات الغربية والكتابات العربية الإسلامية.

يرى د. أحمد بوحسن أن " أهم أفق فتحه مشروع محمد مفتاح هو قدرة الخطاب العربي على استيعاب مختلف النظريات والمناهج والمفاهيم. ثم قابليته للإفصاح عن نفسه كلما دخلنا إليه بأدوات علمية جديدة وتصور نظري أوسع. والنتائج التي توصل إليها المؤلف أكبر دليل على ذلك. ولهذا فإن رهان المشروع مازال مفتوحا ما دمنا نؤمن بأن الخطاب العربي الإسلامي مفتوح كغيره من الخطابات الإنسانية على كل مجهود علمي وفكري جاد "4

كانت الأطروحة المركزية لمحمد مفتاح، ناقدا، علامات الدعوة إلى الجهاد والاتحاد في الكتابة الصوفية وفق مقاربة وظيفية تتحرى " طريقا يتوخى الكشف عن الظاهرة الصوفية، وإيضاح عناصرها، وعلاقات بعضها ببعض ثم صياغة كل ذلك في " نسق " على أنه " نسق " مجتمعي تتعرض بعض عناصره للانخرام، عاجلا أو آجلا، إذا ما أحدثت ثورة في البنية التحتية, وأوضح دليل على هذا غياب بعض عناصر" النسق " الأنـدلسي والمدني بالقياس إلى " النسق " البدوي الذي هوالنموذج. ونتيجة هذا أنه قابل الاضمحلال بحذافيره، وقابل للرجوع إلى النموذج الأمثـل تبعا لصيرورة التاريخ ووجهة صانعيه."5

وتبعا لذلك تبلور السؤال النقدي، عند محمد مفتاح، في البحث عن الأوليات التي حكمت الثقافة المغربية وجْهتها، وعن تفاعل النسق مع محيطه الخارجي، وعن ديناميته التي تكفل حِقبيته.6

دينامية النسق بيان لدينامية الثقافة المغربية وانتظامها؛ " نسق دينامي معقد وغير خطي؛ ومع ذلك فإن خطيته وتعقيده لم يجعلا منه نسقا متسارع النمو متشعبه إلا في أوقات قصيرة .."7.

ولعله كان سؤالا يهجس بمقدماته، قبلا، حين يقول : " أما أطروحتنا فنحن نزعم أن الروح الناظم للأدب المغربي هو الدعوة إلى الاتحاد للقيام بالجهاد. ومنهاجيتنا التي نوظفها للبرهنة على الأطروحة منهاجية نسقية اجتماعية معطاة ومبنية.."8؛ وهي الناظرة في " النواة الموجهة للثقافة المغربية بما فيها من علوم شرعية وعقلية وأدبية، والأدبية بما فيها من شعر فصيح بمختلف أغراضه وعامي بتنوع تجلياته؛ والنواة هي: الدعوة على الاتحاد والجهاد ...، " ب " اعتبار الأدب نسقا فرعيا من نسق مجتمعي عام واعتماد المقايسة لإثبات العلاقة بين الأنساق .."9

النسق الدينامي، في تصور مفتاح، اعتبرناه النسق الأكبر الذي أجرى تحولات أنساق صغرى في الثقافة المغربية, وأجرى ماءً للقصيدة قد يكون ألبسها خصوصيتها أو بعضا منها،

وقد كان للتصوف اليد الطولى في تشييده ـ ونحن نميز, هنا, بين التصوف, تربية وطريقا وبعض أشكال الطرقية التي راجت، وكانت لها مواقف غير ذات هاجس توحيدي وطني ـ ، وفي ضمان سيرورة الثقافي في المجتمعي، بالحمولة الحضارية للثقافة، وفي سريانه على امتداد تاريخ الأدب المغربي، وعبر الحقب الأربع التي يقترحها محمد مفتاح، والتي تتصل، رمتها، بالاتحاد للجهاد10؛ وليس شرطا أن نكون متفقين معه فيها. وهذا موضوع آخر.

ذلك النسق الأكبر جامع انطولوجي تتحدر منه أنساق مختلفة تنتظمها علاقة مماثلة تؤذن بالتنامي التاريخي للفعل الثقافي، وتفوض، له، إمرة توجيهية للأشكال التعبيرية، وتعرب، عنه، من حيث العلاقات التفاعلية القائمة بين عناصره ومكوناته.

هذه الشبكة من التجاذبات الحادثة بين الناقد والثقافة، ثم بينه والإبداع، فبينه والقصيدة, هي التي كانت سؤالنا إذا نحن نتأمل نماذج دراسية اقتربت من القصيدة المغربية دونما عدة منهجية، ومن غير نسق يحدد المفاهيم، فالمفاهيم معالم، وفي غياب رؤية شمولية لماهية تشكل الثقافة المغربية، وبمنأى عن استشفاف حوارية الأنساق واستقلاليتها، وبعيدا عن كون الثقافي ليس رهينا بالسياسي نموا واطرادا فخبوًا ورمادا.

الرحلة في جغرافية تاريخ السعة النصية للثقافة المغربية خوَّل, لمحمد مفتاح, أن يجعل المسافة التأويلية مؤسسة على نقد معرفي يأخذ " بالمقومات السياقية المستقاة من تفاعل المفاهيم ومساق الخطاب وسياقه ضمن بنية شاملة "11, وأسعفته في تصيير المفاهيم معالم لإبدال قرائي أتى يتلمس العمق الثقافي لبلاغة القصيدة المغربية تحديدا وإن كان لما يرصدْ لها, بعد, مؤلفا مستقلا يتناولها؛ علما أنه, في كتابه الأخيرعن " الشعر وتناغم الكون ", عاد إلى التصوف نسقا أكبر وإلى الشعر أفقا أقدرعلى إحداث التناغم, وكأنه يستدرك, على الخطاب الصوفي, ما لم يشتمل عليه, وكأنا نحدس أن الهاجس النقدي في كتاباته يتأطر في التناص بين الذات والعالم.

للنسق, عند محمد مفتاح, حد مفهوميٌّ يرى أنه " عبارة عن عناصر مترابطة متفاعلة متمايزة, وتبعا لهذا فإن كل ظاهرة أو شيء ما يعتبر نسقا ديناميا, والنسق الدينامي له دينامية داخلية ودينامية خارجية تحصل بتـفاعله مع محيطه؛ والدينامية إما خطية أوغيرخطية, وغيرالخطية إما انعكاسية أوغيرانعكاسية؛ على أن نظرية التكرار تؤكد رجوع كل نسق إلى حالة أولية في نهاية أمد طويل, وهذا التكرار هو ما يدعى بالحقبة.."12.

وكان قد رأى, قبلُ, أنه " ليس هناك تحديد للنسق متفق عليه, فتحديداته تتجاوزالعشرين؛ ومع ذلك يمكن أن نستخلص نواة مشتركة من تلك التحديدات. والنواة هي أن النسق مكون من مجموعة من العناصر أو من الأجزاء التي يترابط بعضها ببعض مع وجود مميز أو مميزات بين كل عنصر وآخر. اعتمادا على هذا التحديد يمكن أن نستخلص عدة خصائص للنسق:

أ . كل شيء مكون من عناصر مشتركة ومختلفة فهو نسق.

ب. له بنية داخلية ظاهرية.

ج. حدود مستقرة بعض الاستقرار يتعرف عليها الباحثون.

د . قبوله من المجتمع لأنه يؤدي وظيفة فيه لا يؤديها نسق آخر.

وبناء على هذا الخاصية الأخيرة يمكن أن يستنتج أن هناك أنساقا فرعية تتولد من نسق عام؛ والأنساق الفرعية تستلزم صفتين اثنتين؛ هما التراتبية والاستقلالية .."13

ارتأينا عطوفا على المرجعية النظرية, لمحمد مفتاح, في سوقها للمفاهيم معقولة وللمعالم محمولة على التحديدات, ليتم البيان المائز بين مقاربتين نقديتين عرفتهما القصيدة المغربية, وبين نمطين من انصباب النظر على النص من حيث هو إشكال إبداعي, وليس باعتباره شكلا تعبيريا ذيليا للتاريخ أو معطوفا على أبجدية التواصل.

قدمنا النمط الأول يتلمس مشروعيته, في الاستماع إلى النص من كونه انعكاسا جماليا للواقعة الاجتماعية, ولعله كان يؤثر استماعا إلى ما يفسر به النص من وقائع تعفيه من تفسيرالواقعة انطلاقا من النص.

وأما النمط الثاني من المقاربات فلقد هم به الطرح الإشكالي فاستبقا إلى الإطار لتعيينه, وإلى المدار لتحيينه حتى يتيسر استيعاب النسق المؤطر للنص, وحتى يتسنى استصحاب النص لتفقد الإبدالات التي قد يُسربها إلى النسق, في حمية ديناميته, لتتناسل أنساق أخرى تتحاذى و تتقاصى, عبر تحويلات تفاعلية الواحد المتعدد.

عندما يتدثر الناقد برؤية تصورية ذات برنامج ومنهج محددين, وعندما يسكن المغامرة اللغوية التي يورطه فيها النص مؤازرا بوعي ذي استبصار شمولي ورؤِياوي, وكلما تلفت, حواليه, ليقرأ تاريخ مختلف الأشكال الثقافية, ومؤتلف الأنواع الأدبية, كان الصدور إلى النص باقتدار فاعل يكون كتابة إبداعية ثانية. أو ليس النقد كلاما على كلام ؟

كانت القصيدة المغربية تبحث عن الناقد الذي يؤالف بين التنظير والتطبيق, وعن الناقد الذي يسامت الشاعر في إدراك أسرارالصناعة الشعرية , ويند عنه بالقدرة على اختراق حدود اللغة إلى ما وراء اللغة تأويلا, ويرد عليه تجنحه البللوري إلى الجمال بامتياح ماء الأفق جناحَ انتشار في الكون الشعري تخييلا.

كان الشاعر المغربي يبحث عن ناقـد يناظره ويسأله عن كأس العبارة, وعن الكرمة اللغوية, وعن الحكاية الأولى التي لما يروها. كان يبحث عن الشبيه.

ذلك الشبيه كانَ يوقف أعمدة ليجلس إليها حين اقترابه من القصيدة. أسلس للذاكرة ما في جبته, ومن خطراتها كان يأتي ليقرأ النص الذي يتأبَّى عليه, ومن شذراتها كان يفتي كأنه يحكي الذي تنزل إليه, مجتزأ, من التراث؛ وما هو بتراث, إن هي إلا نثرات ضمت لفقا إلى لفق, وليس منها روح التراث. لم يكن شبيها الناقد الانطباعي الذي دانى القصيدة المغربية نضوا من المسامتة المعرفية والبيانية.

لقد وعى محمد مفتاح أن النص الثقافي المغربي لاينقاد, باعتباره نصا مغلقا يتحرى فيه الباحث اعتماد الوارد النصي مستقلا عما عداه, ولكنه يتدانى والدارسَ إذا كان نصا مفتوحا على التاريخ. النص الثقافي المغربي نص هوية وهوية نص يجسدنه نسق تداخل فيه كل شيء بكل شيء. تلك خصوصيته العميقة التي لاتعطيه تميزا ولا تمايزا عن غيره من النصوص التي يشترك معها في كل شيء أيضا.

من ثمة قاربَ هذا النص الثقافي, بمنهاجية نسقية شمولية متنامية من "الخطاب الصوفي" إلى"الشعر وتناغم الكون ", وكان, في تلك المقاربة المفردة بصيغة الجمع, يشمل الصناعتين بالسؤال, ويُعمل النظـر في الفكر والشعر والنثر, وكأنه يتأمل تاريـخ الأفكار في الحضارة المغربية من خلال النصوص, ويتوسل بالنصوص لاختبار ما انتهت إليه بما انتهى إليه. كان يبحث, في النص الإبداعي, بمقصدية متصلة باستراتيجية تصاعدية لقراءة الذات في ضوء جدلية الماضي والحاضر؛ " لهذا, فإن الباحث العربي المعاصر مطالب بأن يعيد قراءة كل تراثـه مقتديا بتجارب الأمم الراقية في تعاملها مع تراثها حتى يعيش في وئام مع كينونته ووجوده وصيرورته "14. بذلك ختم كتابه عن " التشابه والاختلاف."

قراءة الذات, وجوديا وإبداعيا, كتبت مقاربات القصيدة المغربية, عند محمد مفتاح, من خلال نماذج مؤثرة يمثلها أحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني و علال الفاسي. تلك المقاربات شهدت أخذا متناميا من البناء إلى الحوار إلى النسق, على امتداد عقد ونيفٍ من الزمان, كان فيها الناقد مأخوذا بالتجريب المنهاجي الذي لم ينفصل عن البؤرة الموجهة التي تبدت أماراتها في"الخطاب الصوفي" وتبلورت " في سيمياء الشعر القديم"15وفي" تحليل الخطاب الشعري"16, واسترسلت, في مؤلفات أخرى, بصيغ نقدية تم الإلماع إليها آنفا.

اختارت مقاربة قصيدة " القدس "17 لأحمد المجاطي أن يكون " نموالنص الشعري"18 لها عنوانا, وارتأى صاحبها أن تكون ذات فضاء يتأثت, فيه التناول الموضوعاتي, ومستوى رمزية الصوت, ومستوى انسجام الوجود, ومستوى التفاعل في النص, ومستوى الانسجام في النص, وتأويل الفضاء.

كان القصد منها " تقديم بعض المبادئ الكلية التي تكون وراء إنتاج أي خطاب مهما كان نوعه, منها ما هو فيزيولوجي ونفسي واجتماعي, ومنها ما هو تجليات لهاوحاصل عنها؛ فالإنسان مزود بهذه القدرات لإنتاج أنواع جديدة من السلوك أوإعادة إنتاجها في تسلسل لانهائي انطلاقا من نموذج أومن نماذج محدودة العدد في زمان- فضاء معين لأداء رسالة منسجمة ذات معنى ودلالة. وبهذا المفهوم نـتجاوز الانغلاق البنيـوي ونربط النص بخلفياته المتعددة. على أن هذا الانفتاح يجب أن يتم عبرالنص وبه في حدود الإمكانيات التي يتيحها لا أن يتخذ تـعلة لاستعراض ما يعرفه المحلل من معلومات تـشريحية واجتماعية ونفسية.. "19

وانصرفت مقاربة " قصائد إلى ذاكرة من رماد "20 لمحمد الخمار إلى" تناسل الخطاب الشعري "21 عنوانا, باعـتماد الحوارية مقوما منهاجيا, عبرالحوارين الخارجي والداخلي, وبالاستناد إلى الانسجام إجراءً.

يقول: " اتجهت إلى استكشاف آليات تناسل النص موظفا مفهوما إجرائيا هو" الانسجام " أي أني أفرض أن هناك علاقات تركيبية ومنطقية ودلالية وزمانية – فضائية تربط بين أجزائه, عليّ أن أفسرها إذا كانت ظاهرة, وعليّ أن أجتهد في الكشف عنها إذا كانت خفية."22وبادٍ التماسك التصوري بين المقاربتين الذي يحيل على ما هجست به السوابق واللواحق العاطفات على النسقية اختيارا منهجيا في الدرس النقدي.

كان الوقوف النقدي, عند قصيدة علال الفاسي23, مرآة نسقيةٍ معرفيةٍ تقرأ نسقية جمالية.

اعتمد الناقد ثلاث فرضياتٍ لدراسة شعره :

1)إن فكرعلال الفاسي نسقي.

2)إن الشعر يمثل التجربة الإنسانية في أصالتها وفطريتها.

3)إن الشعر له مقاصد مثلما للفعل الإنساني الواعي مقاصد.24

يقول محمد مفتاح, في شاهد ذي طول آثرنا إيراده لأنه يبلور نسقية المعرفة النقدية التي أطرت تجربته الكتابية من حيث احتسب أنها تسييج لنسقية تصورية عند علال الفاسي مفكرا وشاعرا : " نكتفي بهذه الاقتباسات 25التي تبين أن تفكيرعلال الفاسي كان نسقيا, بل إنه كان يتبنى المنهاجية النسقية بوعي وبقصد وإصرار. ذلك أن ماجاء في أقواله السابقة يفرع النسق إلى مكونات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية, وأن كل مكون يتفرع إلى أجزاء, وأن كل جزء يتشعب إلىعناصر؛ ومكونات النسق وأجزاؤه وعناصره متفاعلة ومتعالقة وذات وظائف وغايات, والمقاربة النسقية جعلت علالاالفاسي يفسرمكونا بمكون ويقارن جزءً بجزء, ويوازن عنصرًا بعنصر, ويعير الاهتمام إلى ما في الكون من جماد ونبات وحيوان وإنسان, وإلى أفراد الإنسان من ذكروأنثى وكبير وصغير, وإلى كل فعاليات الإنسان من أرقى الأفكار إلى " تافه " الألعاب, ويفكر في كل القضايا الوطنية .. كما تبنى نتائج المقاربة النسقية العقدية والاجتماعية بما تعنيه من دعوة إلى الإصلاح بالحكمة والموعظة والحوار والمسامحة.

إن هذا التوجه النسقي لدى علال الفاسي, يفترض فهم شعره بفكره, وفكره بشعره, سواء أكان الفكر متعلقا بالإصلاح أو بأصول الفقه, أو بالفقه, أو باصول الدين .."26

ثمة إشارات :

ألا يمكن أن نقرأ محمد مفتاح من خلال علال الفاسي ؟

ألا يدعم ما قلنا به من نسقية الثقافة المغربية إنتاجا وتلقيا ورواجا ؟

ألا يؤكد ما ذهبنا إليه من وجوب استشفاف هوية النص قبل أية مغامرة لغوية ؟

ألا يمكن, مجددا, أن نقرأ نسقية علال الفاسي بسيميائية محمد مفتاح ؟

§أليس المثقف المغربي, إذن, ذا تواصل تفاعلي مع تراثه المحلي ورجالاته ؟

لعلها إشارات تأتي لها عبارات لتعقب أشكال التفاعل, في الثقافة المغربية عموما, وفي النص الشعري منها خصوصا, ولكنها أمارات منبئة بوعي نقدي مختلف عن السائد من الكتابات ذات اللبوس العابر غيرالنافذ. وقد قلنا عنه, في استهلال هذه المقاربة, أنه يعوزه الطرح الإشكالي للنص, ولطرائق الاقتراب من النص. ويعوزه التمثل الشمولي للنسق الأكبر وللأنساق المتفرعة منه, وللتجاذبات التفاعلية بين تلك الأنساق, ولانزياحات الذات عن معيار التشابه إلى حيث التميز والتمايزعلامتان للكينونة النصية إبداعا وتلقيا وترويجا.

لعلها إشارات لسؤال القصيدة المغربية الذي أمعنت تجارب نقدية ثانية في محاذاته.

لعلها تجاربُ تنظر إلى الفضاء الشعري المغربي وإبدالاته مجردا عن نسقه / أنساقه.

لعل القصيدة المغربية, كما هي حال الإبداع, كانت أكبر من النقد في مشتمله.

لعل الممارسة النقدية المغربية لما تنتهج احترافيتها بعد, ولما تنتبه إلى الشعرفعلا ثقافيا.

لعل المشهد الثقافي, برمته, أنهكته إكراهاتٌ ذهبت بالفعل القرائي إلا استثناءات.

لعلها إشارات إلى حتمية تلمس السؤال الإشكالي, وإلى الاستنارة بنقد معرفي يروم بناء الذات, لكتابة التاريخ, بروح مختلف, عوض نقد ثقافي يبحث عن المضمرات النسقـية27 في مجتمعات عربية ما برحت ذات خطو إلى الظاهر تقرأه لتكتب سؤال النص النقدي العربي.


الهوامش

1. رينرروكاتز: تحولات التأويلية. ص47. ترجمة: فريق الترجمة في مركزالإنماء القومي

مجلة العرب والفكرالعالمي. العدد التاسع. شتاء 19900

2. محمد مفتاح : مشكاة المفاهيم. النقد العربي والمثاقفة. ص278

المركزالثقافي العربي. الدارالبيضاء- بيروت 2000. ط1

3. محمد مفتاح : الخطاب الصوفي. مقاربة وظيفية.

دارالرشاد الحديثة. الدار البيضاء. 1997. ط1

4.أحمد بوحسن: المشروع النقدي لمحمد مفتاح. ص 121- 132

مجلة فكر ونقد. العدد20. يونيو 1999. المغرب.

5. محمد مفتاح : الخطاب الصوفي .. ص 6. م س

6. محمد مفتاح : المفاهيم معالم. نحو تأويل واقعي. ص 137

المركزالثقافي العربي. الدارالبيضاء- بيروت 1999. ط1

7. نفس المرجع. ص 136

8. محمد مفتاح : التشابه والاختلاف.نحو منهاجية شموليةص 163.

المركزالثقافي العربي. الدارالبيضاء- بيروت 1996. ط

9. نفس المرجع. ص 158

10. نفسه. ص 163

11. محمد مفتاح : مجهول البيان. ص9

دار توبقال للنشر. الدارالبيضاء 1990. ط1

12. محمد مفتاح : المفاهيم معالم .. ص 135. م س

13. محمد مفتاح : التشابه والاختلاف.. ص 158ـ 159

14. نفس المرجع. ص 215

15. صدر, في طبعة أولى, عن مطبعة النجاح الجديدة. الدارالبيضاء 1982

16. صدر, في طبعة أولى, عن دارالتنوير للطباعة والنشر. لبنان 1985

17. أحمد المجاطي : الفروسية. ص 55

18. محمد مفتاح : دينامية النص. ص 49

المركزالثقافي العربي. الدار البيضاء- بيروت 1987. ط1

19. نفس المرجع. ص 77

20. محمد الخمار الكنوني : رماد هسبريس. ص 71- 77

دارتوبقال للنشر. الدارالبيضاء 1987. ط1

21. محمد مفتاح : دينامية النص. ص 103. م س

22. نفس المرجع. ص 119

23. علال الفاسي : الديوان. 4 أجزاء. مطبعة الرسالة. الرباط

1.جمع وتحقيق : عبد العلي الودغيري . 1983

2.إعداد وتحقيق: عبد الرحمن الحريشي. 1987

3.إعداد وتحقيق: عبد الرحمن الحريشي. 1988

4.إعداد وتحقيق: عبد الرحمن الحريشي. 1989

24. محمد مفتاح : مشكاة المفاهيم .. ص 153. م س

25. علال الفاسي : النقد الذاتي. 1999

يقول: "يجب أن يحيط تفكيرنا بكل العناصر الروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقومية, وأن ينظر إلى كل واحدة منها مفصلة إلى أجزائها المتعددة وإلى غصون تلك الأجزاء المتفرعة, وأن ينظر إلى مجموعها كتركيب لابد منه لتحقيق المثل الأعلى الذي نصبو إليه, ثم إلى علاقة كل واحد منها ببعضها, ومكانه في الانسجام الكامل لمجموع تلك العناصر." ص26

ويقول: " إن التفكير شموليا هو أن نستحضر أثـناء اهتمامنا بعمل ما جميع أجزاء البلاد وعناصر الأمة. إنه أن ينظر إلى وطننا ككل لا يقبل التصور إلا كاملا, وإلى النفع بخير لا يمكن تحقيقه إلا شاملا. " ص 25

ويقول: "إن الطبيعة سلكت نفس النسق في تكوين الأشياء وفي ربط بعضها ببعض حيث وضعت نواميس عامة يخضع لها كل الكائنات المتفاعلة.وإذا أردنا أن نسيروفق طبيعة الأشياء فيجب أن ننظر إليها ككل ضروري التجمع, وأن ننظرإلى أبسط مقوماتها كشيء لا محيص عنه لتكوين العالم وإنجازه. " ص 27

26. محمد مفتاح : مشكاة المفاهيم. ص 154- 155

27. عبد الله الغذامي : النقد الثقافي . قراءة في الأنساق العربية. ص 77 وغيرها.

المركز الثقافي العربي. ط1. الدارالبيضاء2000

10:17 |  Facebook

04.03.2011

الشعر المغربي المعاصر : من الواقع إلى اللغة

الشعر المغربي المعاصر بين الخيبة والأمل.. من الواقع إلى اللغة

خالد بلقاسم

صراع الشعر مع الخيبة والأمل، بالمعنيين اللذين صغناهما، انطلاقا من قراءة أفقية لا تقتصر على القصيدة الواحدة وإنما تنفتح على ديوان بكامله وتعول على رصد الوشائج الصامتة بين مختلف القصائد، ذلك أن القراءة العمودية المتقصرة على القصيدة الواحدة لا تسمح برصد آليات هذا الصراع، وهكذا سنصاحب بعض هذه الابيات اعتمادا على نهر بين جنازتين" لمحمد بنيس، و"بعكس الماء" لمحمد بنطلحة، فهما يسمحان باختيار الفرضية التي انطلقنا منها ـ
 ـ 1: الاستشكال وحدوده

إن قراءة الشعر في ضوء موضوع معين مهددة بالتعميم وبنسيان الشعر في آن، ما لم تتحصن هذه القراءة بأسئلة منهجية تُمكنها من تسويغ موقعها وتجنب الاستسهال الذي يتمنّع عليه الشعر. واختيار موضع خيبة الأمل منطلقا لمقاربة الشعر المغربي المعاصر لا يبدو اختيارا مأمون العواقب. لذلك يتعين تحصينه من الاستسهال الذي يُرسيه التعميم ويحميه التداول الحدسي، وهو ما لا يستقيم إلا ببناء الموضوع إشكاليا. بهذا البناء تنكشف المداخل القرائية وحدودها في آن. ولا يتسنى هذا الاستشكال إلا بما يلي:ـ

 ـ 1 ـ1 : ليس موضوع خيبة الأمل في الشعر المغربي المعاصر إلا فرضية توجب استدلالا لإثبات صلاحيتها أو محدوديتها بالنظر الى فرضيات أخرى. وبناء هذه الفرضية يستتبع الوعي بفروق قراءتها في الشعر، لأن اشتغال الخيبة فيه لا يتم بالآلية ذاتها في خطابات أخرى ـ

 ـ 1 ـ 2: لعل أول ما يستدعي الاضاءة في هذه الفرضية هو علاقة الخارج، أي ما يعرف بالواقع، بالداخل، أي عناصر البناء النصي، لئلا يتحول الواقع بديلا عن النص. فالتسليم بآلام الواقع وخيباته وانكساراته ومفارقاته لا يقوم دليلا على استعجال رصد ذلك في الشعر المغربي المعاصر. معلوم أن التوصيفات لن تسعفنا، أيا كانت نجاعتها، في وسم الجدب الروحي المستشري والرعب الوجودي الكاسح والانقلاب السريالي في منظومة القيم في الحياة الحديثة، ولا سيما في المجتمعات التي ينضاف وسم التخلف لتحديد موجهات هذه الحياة بها. غير أن هذه الوضعية التي تنهض على الخيبة والانكسار والخسران لا تسوًّغ اعتماد هذه الدلالات مدخلا لقراءة الشعر دون حذر منهجي، لأن علاقة الشعر بالواقع تحتفظ بتميزها المتمنع عن مفهوم الانعكاس المبتذل، أو مفهوم السببية أو غيرهما من المفاهيم التي تُماهي بين الشعر وغيره من الخطابات. ومن ثم فإن اختبار فرضية خيبة الأمل في الشعر المغربي المعاصر تُلزم بالتشديد على اختلاف الشعر عن الخطابات الأخرى في العلاقة التي تصله بالواقع مع الاستدلال على هذا الاختلاف، انطلاقا من وضعية اللغة في الشعرـ

 ـ1 ـ 3: هل يتسنى للنقد أن يقارب الخيبة بوصفها بنية في الشعر المغربي المعاصر؟ بهذا السؤال نولد فرضية ثانية عن الفرضية الأولى هي فرضية بنية الخيبة. إن الحديث عن بنية الخيبة أو غيرها من البنيات يضمر الإقرار، على نحو مسبق، بتجانس في متن الشعر المغربي المعاصر، لأنه بدون هذا التجانس لا يمكن أن نرصد الاختلاقات التي تشتغل داخله، بناء على ما يستوجبه مفهوم البنية. والحال أن الاستدلال النظري على هذا التجانس لم يتأسس بعد، ثم ان الحديث عن البنيات يُعدُّ مرحلة متقدمة في القراءة تقترن بالتصنيف، الذي لم نبلغ بعد عتبته في نقد الشعر المغربي المعاصر. ففي غياب الدراسات النصية لتجربة الشاعر الواحد يصعب الانتقال الى الحديث عن بنيات في الشعر المغربي المعاصر. فألمُ دراسة هذا الشعر يتبدى، في وضعية نقده البيّنة من محدودية الكتب الني انشغلت به. ولما كان هذا حال نقد الشعر المغربي المعاصر، فإن المتابعة الصحفية تكفلت بتعويضه بما يتجاوز مُمكنها. ذلك أن المتابعة الصحفية تقوم على إيقاع لا ينسجم مع ما تتطلبه قراءة الشعر من مصاحبة طويلة ومتأنية ـ

 ـ 1 ـ 4: يقتضي اختبار الفرضية، التي تحتمل خيبة مُبنْينةً في الشعر المغربي المعاصر، بناء متنٍ يسوغها. وما يعترض هذا البناء هو موجهاته. ذلك ما نصوغه في الأسئلة الآتية: هل نُلزم المتن بدلالة مغلقة، ووفق ذلك نحقق تجانسا بين قصائد المتن تُسوًّغ الحديث عن بنية لها قوانينها، أم نروم في البناء رصد مواضيع يتقاطع فيها المتن وتشتغل فيها دلالة الخيبة على نحو ما؟ ألا يُهدد ذلك باختزال الشعر في موضوعه؟ ما هو الامكان الذي تسمح به القصائد للحديث عن بنيةٍ للخيبة تقومُ على عناصر نصية كالصور والتداخل النصي والايقاع؟

 ـ 1 ـ 5: لا يتحدد الفعل الكتابي بموضوعه، بل إن مُوجه هذا الفعل يتسامى عن الموضوع. وقد تأمل النقد، المستند الى الخلفية الفلسفية، الحاجة الى الكتابة لا انطلاقا من موضوع محدد وإنما انطلاقا من مخاطر هذا الفعل ذاته(١). إن التمييز بين الفعل الكتابي وموضوع الكتابة يجنبنا الاستسهال المشار اليه سابقا ويسمح برصد الخيبة في الشعر المغربي المعاصر وفق المستويات الآتية:ـ

أ - مقاربة الخيبة بوصفها موضوعا مقترنا بانكسارات الواقع وخساراته. إنه المستوى البسيط للمقاربة. وهو مهدد بنسيان الشعر والتمادي في قراءة الواقع ـ

ب - مقاربة الخيبة بوصفها حالة لغة تنكرت لنسبها الشعري، على نحو يسحب عن النص الذي بنته هذه اللغة صفة الشعرية. الخيبة، بهذا المعنى، إخفاق كينونة يسمح نقديا بمراقبة الانتساب الى الشعر. إنها خسران يضيع فيه الشعر، لأنها إخفاق في بلوغ عتبته. وهي بذلك إخفاق لا شعري. أما الإخفاق الباني والمؤسس فهو الذي يتم في الشعر وبه. وقد خبَرَه الشعراء والعارفون في صراعهم مع اللغة. بالتمييز بين الإخفاقين يتسنى تنسيب الحديث عن الخسارات في الشعر. وهو ما نضيئه بالانتقال الى المستوى الثالث من مقاربة الخيبة ـ

ج - مقاربة الخيبة بوصفها إخفاقا متجددا في الشعر وبه. المقصود، هنا، خيبة اللغة في بلوغ الأقاصي التي تلامسها الذات الكاتبة. الخيبة، بهذا المعنى، مقاومةٌ لبلوغ الأقاصي وهو ما يلزم اللغة بالتجدد، لأنها تتحول الى تجربة في ذاتها وتكف عن أن تكون أداة لمآرب أخرى. هكذا تغدو الخيبة بما هي مقاومةٌ نقيض دلالتها المبتذلة. إنها الإخفاق بوصفه الأمل الذي تفتحه اللغة وهي تتوجه نحو المجهول واللانهائي ـ

وسنزاوج في تأمل الخيبة في الشعر المغربي المعاصر بين المستوى الأول والمستوى الثالث، انطلاقا من وشيجةٍ بينهما تسمح بعض الأعمال في الشعر المغربي المعاصر برصدها، مسترشدين في ذلك بتصور بلانشو لعلاقة الكلمات بالأشياء في ما يسميه بالعمل الأدبي. وذلك بعد تحويل جزئي يحصر هذا التصور ليغدو أداة إجرائية. يرى بلانشو أن للكلمات في العمل الأدبي »قدرة على إخفاء الأشياء وإظهارها بوصفها مختفية. إنه الظهور الذي ليس إلا اختفاء والحضور الذي يغدو غيابا عبر فعل التآكل والإتلاف بوصفه الفعل الذي يمثل روح الكلمات وحياتها«.(2) ومع ان بلانشو يتناول الكلمات في علاقتها بالأشياء بغية التنصيص على اختلاف وجود الكلمات في العمل الأدبي عن وجود الأشياء، فإن لنا أن نفيد من تصور التآكل والاتلاف لمقاربة علاقة الشعر بموضوعه، على نحو يجعلنا نتأمل هذه العلاقة بوصفها صراعا يقوم على الإظهار بالإخفاء ـ

هكذا سنختبر صراع الشعر مع الخيبة، بالمعنيين اللذين صغناهما لها في المستويين الأول والثالث السالفين، انطلاقا من قراءة أفقية لا تقتصر على القصيدة الواحدة وإنما تنفتح على ديوان بكامله وتعول على رصد الوشائج الصامتة بين مختلف القصائد التي تؤسس هذا الديوان. ذلك أن القراءة العمودية المقتصرة على القصيدة الواحدة لا تسمح برصد آليات هذا الصراع. وهكذا سنصاحب بعض هذه الآليات اعتمادا على »نهر بين جنازتين« لمحمد بنيس، و»بعكس الماء« لمحمد بنطلحة لصلاحية هذين الديوانين. فهما يسمحان باختبار الفرضية التي انطلقنا منها. أما تعميم هذه الفرضية على أعمال شعراء آخرين فيقتضي مصاحبة هادئة لم يتهيأ لنا زمنها في انجاز هذه الورقة ـ

 »ـ 2: نهر بين جنازتين« أو اللغة بين الدفق والموت

»نهر بين جنازتين«، هكذا يسمي محمد بنيس عملا شعريا من أعماله. وهي تسمية تنهض على تعارض بين الماء والموت. للقراءة، إذن، أن تتوجه، وفق هذه العتبة الأولى صوب هذا التعارض للاقتراب من حافتي الموت المطوّفتين للنهر، انطلاقا من الإنصات للبناء الاستعاري في هذه العتبة. لن يطول انتظار القارئ في سعيه لاستجلاء استعارة النهر التي تأسس عليها العنوان وتكفلت قصائد الديوان ببناء تشعبها. ففي القصيدة الخامسة من هذا العمل الشعري الموسومة لغة، نُلفي عبارة العنوان وقد تحولت إلى بيت شعري مع تعويض بلفظ الضاد الدال على اللغة العربية. وهو تعويض يقوم على الانتقال من التلميح إلى التصريح دون أن يتخلى هذا التصريح عن رهان الإخفاء. نقرأ في هذه القصيدة:ـ

أنت أيتها اللغة

بأي يد كتبتك

عبرا

أصغي لبرد الضاد بين جنازتين

ومنْ هنا

أعطي لأهلك كل هذا الموت

كيف أعود منك

وليس لي غير الهباء

يظل يثقب وشوشات الصمت

في حلقي

وفي ألم يقلبه الخراب(3

تُسعفُ، قصيدة لغة، التي ينتمي إليها هذا المقطع، في علاقتها بقصائد الديوان في تحديد ما اعتبرناه مستوى اولا في مقاربة الخيبة، أي المستوى البسيط الذي يقارب الخيبة بوصفها موضوعا. الموضوع في »نهر بين جنازتين« هو وضعية اللغة العربية. فعلى رصد هذه الوضعية يقوم الديوان بكامله. ولكنه رصد يحتفظ بفروقه عن المقاربة اللسانية أو السياسية للموضوع. إنها المقاربة الشعرية التي تقوم على إظهار الموضوع بإخفائه. لذلك كانت استعارة الجو الجنائزي لإقامة تأبين شعري للغة العربية مُوجهة لهذا الإظهار بالإخفاء. فثمة نبذٌ للغة (4)، ومقبرة تئن (5)، ونحيب يعلو (6)، وسكرات تنشأ(7)، وبياضُ كفنٍ يغطي وجه اللغة(8). ذلك قبس من الحقل الدلالي الذي يؤثث مشهد احتضار اللغة العربية في الديوان. وثمة، إلى جانب ذلك، ذات تصاحب هذا المشهد، بألم وخيبة أمل وهي تقدمه بضمير المتكلم. يقول محمد بنيس: ـ

لغة

لها وجه البياض/ قل/ إن/ هذا/ الموت/ موت/ أنا/ نشيد/ لغة/ لنا أولي/ لعل جنازة/ في / الحلق/ تودعني نوافذها(9

وسيتحولُ هذا الصوت إلى لازمة في قصيدة سماء الموت. لازمة لا يتغير فيها إلا الفعل. وبتغيره يمتد ليسع اللغة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. لنقرأ لازمة قصيدة »سماء الموت« بتنويعات الفعل فيها. في المقطع الأول يصوغ بنيس اللازمة على النحو الآتي: لي لغة تورثني سماء الموت(10)، وفي الثاني يختفي فعل »تورثني« فتصبح اللازمة كالتالي: لي لغة ترددُ سماء الموت(11)، وهي بذلك تنتقل من الماضي الى الحاضر، قبل أن تستشرف ما يهددُ اللغة في مستقبلها، اذ تختتم القصيدة باللازمة وقد أصبحت بالصوغ الآتي: لي لغة تطلُ على سماء الموت.(12

فما يحكم قصائد الديوان في توجهها الى موضوعها هو تضاؤل الأمل من حال اللغة العربية. لا ترصد القصائد التفاصيل، لأنها لا تتنكر للوظيفة الشعرية القائمة على تآكل الموضوع وتقديمه انطلاقا من هذا التآكل.من الخيبة بوصفها موضوعا الى الخيبة بما هي مقاومة من داخل اللغة، ننتقل إلى ما سميناه بالمستوى الثالث في المقاربة. وفيه يتبدى رهان الديوان وتتكشف المسافة التي يفتحها الشعر مع موضوع الخيبة. مسافةٌ تقوم على صراع بينهما الموضوع في ديوان »نهر بين جنازتين« هو مأزق اللغة العربية، كما أوضحنا ذلك سابقا. ومواجهةُ هذا المأزق تتم شعريا باللغة أيضا، بل ان مهمة اللغة الشعرية هي صونُ حياة اللغة. ذلك ما يسمح به تأوُل الديوان. لغةٌ في مواجهة لغة. خيبةٌ متولّدة عن حال اللغة العربية وأمل منبثق عن لغة الشعر. هو ذا مدارُ الديوان ورهانه. وهو ما يستدعي عودة لعنوان الديوان لإضاءة التعارض الذي يقوم عليه، أي التعارض بين الماء والموت. إن سريان هذا التعارض في قصائد المجموعة الشعرية بلا حدود. وهو يشتغل من داخل مفارقة كبرى. مفارقة احتضار لغة لها صورة نهر دافق بما يحفل به من حياة. نهرٌ لا نهائي مهدد بالجفاف ـ

لبناء هذه المفارقة لجأ محمد بنيس الى ما يسميه خورخي لويس بورخيس بالاستعارة الهرقليطية(13)، التي تقوم على حكمة هرقليط القائلة باستحالة الاستحمام في النهر مرتين. حكمةٌ تحوّلت إلى استعارة حيوية في الأدب، وكشفت صلاحيتها في تأمل الكتابة والذات، على نحو ما لاحظ بورخيس(14). وقد اعتمدها محمد بنيس لا في بناء قصيدة واحدة، وإنما في البناء العام للمجموعة الشعرية بكاملها. ومن ثم كان الاستناد إليها أسّ هذه المجموعة، فلم قدّم بنيس لغة تموتُ باستعارة النهر لها؟ لعل ما سمحت به هذه الاستعارة هو تقديم الموضوع عبر استنبات مفارقةٍ فيه. وهي مفارقةٌ كشفت أن اللغة التي تحتضر تغدو في الكتابة نهرا لا نهائيا. إن ما يحتضر لا حدود لحياته. وبهذه المفارقة تبيّن التعارضُ بين خيبتين في هذا العمل الشعري. خيبةُ أملٍ مما أصاب اللغة العربية، وخيبةُ الكتابة في بلوغ أقاصي لغةٍ لها صورةُ نهر نبع ولا مصب. وما دام الاستدلال على الخيبة الأولى تكفلت به المنتخبات الشعرية السابقة، فإن لنا أن نستدل على الخيبة الثانية بما جاء في قصيدة »لك هذا الوهب«:ـ

الكتابة أنقاض/ كل مرة/ في انحلالها/ تلمع / امتدادك أيها النهر/ أقوى من حركات/ اصابعي.(15
ثمة إخفاق في مُجاراة إيقاع اللغة أثناء الكتابة. فاللغة في الكتابة نهرٌ أقوى مما تُسعف الأصابع في تقييده. والاستعارةُ الهرقليطية هي ما كشف البون الشاسع بين خيبة الكتابة والخيبة الناجمة عن احتضار اللغة ـ

 ـ 3: بعكس الماء أو الإتلاف المحكم للموضوع
يتعرض الموضوع في ديوان بعكس الماء لمحمد بنطلحة لتآكل واتلاف دقيقين إلى حد يتلاشى فيه هذا الموضوع، ويبدو، معه، العمل الشعري كأنه يحتفي بكلمات لا تحيل على غير نفسها. لكن المصاحبة الهادئة لهذا العمل تجعل القارئ يلامس ألماً ساريا واثر انكسارٍ خفي، دون أن يقوى على إعادة بناء مشهد الخيبة والانكسار، لأن الإتلاف كان مُحكماً، مما جعل المعنى يشتغل بالإخفاء في أعلى درجاته، وأمام هذا الإتلاف، الذي يتمنّع معه تحديد موضوع الخيبة على النحو الذي قمنا به في تأمل ديوان »نهر بين جنازتين«، يظل المسلك الممكن في صوغ احتمال متماسك هو تجميع ما تبقى من الموضوع بعد تعرضه للإتلاف والتآكل. أليست القراءة إعادة ترميم لبياض الكتابة أي لما محتْهُ وأخفتْه أو بددتْه؟

ثمة إشارة دالة في مستهل هذا العمل الشعري تهبُ الزمن امتداداً لا نهائيا، وفي هذا الامتداد تومئ الى مكرٍ يكتسحُ الماضي والحاضر والمستقبل. مكرٌ تسنده إلى ضمير الجمع الغائب. يقول محمد بنطلحة في مستهل القصيدة الأولى الموسومة »في ظلام الايقونة«:ـ

منذ الأزل/ وهم يبتسمون/ بشفاهنا(19)/ جدير بي إذن/ أن أعبر/ في ظلام الأيقونة/ إلى نفسي/ أن أكون ضد نفسي/ وأن أعبر بلا قوارب/ الكتب/ هي الأخرى سوف أتركها ورائي/ عندي أصلها/ العدم(20

الدوامة خيشوم الكائن. لهذا البيت وشيجة قوية بالاستهلال السابق، فسمة الدوامة الدور والدوار، سواء دلت على ما يصيب الرأس او ما يحل بماء البحر أو النهر. ولنا أن نتأول كلمة الخيشوم بوصفها مجازا مرسلا. ذكر فيه الشاعر الجزء وأراد به الكل، أي الوجه. واختيار هذه الكلمة دال، لأن من معاني الخشم في اللسان العربي الداء وفقدان الشم ونتانة الرائحة. وهذا الحقل الدلالي ينسجم مع الوجوه- الأقنعة ومع زمن غدا فيه الإنسان بلا وجه، لأن وجهه أصبح دوامة(21). الدور وجه الكائن. أثمة، اذن، باعث أقوى على الانكسار من العيش في زمن هي ذي سمة الكينونة فيه. سمة تهدد الإنسان بأن يكون ضد نفسه. فمن المرجح أن يكون هذا الانكسار احتمالا من بين احتمالات أخرى سوغت لمحمد بنطلحة صوغ بيت- أمنية، على النحو الآتي: ليتني أعمى. وهو البيت الذي حوله إلى عنوان عام لمجاميعه الشعرية. تحويل دال يحتاج الى قراءة مستقلة. على الرغم من زعمنا سابقا بأن تأمل الخيبة بوصفها موضوعا يُعدّ أبسط مستويات المقاربة، فإن هذه البساطة تراجعت في ديوان بعكس الماء، نظرا لوضعية الموضوع فيه، القائمة على التآكل المحكم، الذي يجعل رصد ما تبقى منه شاقا. ومن ثم فالانتقال الى المستوى الثالث من المقاربة يُضاعف هذه المشقة. كيف تتصدى اللغة الشعرية في ديوان بعكس الماء لهذا الانكسار؟ ان الانكسار الذي ترصده قصائد هذا الديوان بتكتُم تقابله مقاومةٌ تنهض بها اللغة في صوْنها لشعريتها. فآلية إتلاف الموضوع تتحقق باللغة، وهو ما يتطلب منها إظهار الموضوع عبر إخفائه. وبهذه الآلية تعيد اللغة بناء الموضوع على نحوٍ يضمن انتسابها إلى الشعر. فقصائد بعكس الماء تنزل الى حقيقة الكائن بعمق ولا تنسى نسبها الشعري، بل إنها حريصة على حمايته. وفي هذا الحرص تكمن المقاومة الشعرية. ويمكن أن نصاحب هذه المقاومة انطلاقا مما يميز اللغة الشعرية في هذا الديوان. وهو ما ننصت إليه بناء على العناصر الآتية:ـ

أ - تجاوب اللغة في الديوان مع أمنية العمى. وانخراطها في العمى تصريحا وانجازا، أي أن محمد بنطلحة يصرح بذلك وينجزه في البناء النصي أيضا. فالتصريح بيّنٌ في القول التالي:ـ

اللغة/ حينما عميت عن كل شيء/ تطوّع/ الصمت/ وصار عُكازها/ من كثرة الصمت/ الورق/ حتى هو/ بأنفه الأفطس/ وظهره المتقشر/ لم يطمئن إلى منظر الزرافات/ وهن يجرين في دمائه/ بدون أعناق/ عندئذ غطى عينيه/ غطاهما بأصابعه/ كان سكران/ ومن بين ما فكّر فيه/ ذاكرة أقصر/ للزرافات(22

تواطؤ اللغة مع الورق في الصمت يتجاوز التصريح إلى الإنجاز، على نحو ما يبدو في التكتم الشديد، وفي انفلات المعنى. ثمة اقتصادٌ كبير في البناء، وكأن الإتلاف يمتدُ إلى اللغة أيضاً ولا يقتصر على الموضوع فحسب. عندما يتوجهُ الإتلاف إلى اللغة يتحول إلى اقتصادٍ بيّن. فينشأ الصمت ويكتسح القصائد بتجليات عديدة. فالإنصات الى الصمت في قصائد بعكْس الماء يكشف أنه يشتغل بآليتين متعارضتين، يشتغل بوصفه تآكلا والتئاماً في آن. التآكل مجسدٌ في التخلي عن الحشو والميل إلى تكثيف باذخٍ يتحصّلُ عن تصفية خاصة للغة لتقول المدى بكلمات أقل. »ثمة حيث كل قطرة محيط« كما يقول بنطلحة.(23

أما الالتئام فبيّنٌ في الوصل بين أجزاء القصائد عبر انتقالات فجائية لا تسمح بملامسة الوشائج بينها. وبذلك كان الصمتُ أداةَ بناء مركزية. فهو جبيرة ترتق بطريقة خاصة، يقول بنطلحة:ـ

يا صمت/ يا جبيرة من شقائق النعمان(24

ب - مقاومة القصائد في ديوان بعكس الماء للرتابة بما يفتح الأمل الشعري واسعاً. فإذا كان هذا الديوان قد قدّم كينونة الإنسان انطلاقا من ضياع الوجه، فإنه حرص على صون كينونة الشعر التي تتحدد في مقاومة الرتابة والنمطية، على نحو يشد الشعر، دوما، إلى المستقبل. الشعر هو هذا الإمكان المتمنع عن التكرار والنمطية والاجترار. وسنقتصر في التمثيل لمقاومة الرتابة في العمل الشعري لمحمد بنطلحة على خصيصة لافتة في البناء. تتعلقُ بإدماج أبياتٍ مكتوبة بخط بارز في ثنايا القصائد. وهو إدماج يبدو، للوهلة الأولى، كما لو أنه تقطيع خاص لهذه القصائد. غير أن هذا الاحتمال يتراجع فيما بعد. فعندما يقتصر هذا العنصر المدمج بخط بارز على بيت واحد، يبدو كأنه عنوان لما يفصله عن العنصر المدمج اللاحق، وعندما يتسع هذا العنصر لأكثر من بيت يتراجع احتمال وظيفة العنونة، بل أحيانا يبدو هذا العنصرُ المدمج كما لو أنه منفصل عما تقدمه وعما تلاه. وبهذا البناء تكسرُ القصائد البناء المقطعي الذي أصبح رتيبا في بعض الأشعار، وتتراجع سلطة المقطع التي تحميها الرتابة، ليتأكد أن الشعر يتحقق بالمقطع وبدونه. إن قصائد »بعكس الماء« تقاوم هذه السلطة وتقدم بدائل تفتح الشعر على الآتي. وإذا توغلنا في التأويل يتسنى لنا أن نجازف بالقول إن بعض القصائد تسمح بقراءة هذه العناصر المدمجة بوصفها قصيدة تشتغل داخل القصيدة، وإن كان هذا الاحتمال لا يستقيم في كل قصائد الديوان. لنقرأ هذه العناصر البارزة بخطها، بعد تجميعها، انطلاقا من قصيدة »في ظلام الأيقونة«:ـ

منذ الأزل/ وهم يبتسمون/ بشفاهنا/ ريشهم أقوى دليل/ هكذا وصل الرنين/ من برهة فحسب/ هل أنا ثمل/ أم أنا أكتب/ من هناك/ كن/ هاك جناحي/ وأنت ترى(25

والتقطع الظاهر بين الأبيات لا يلغي احتمال الجمع الذي قمنا به، لأن هذا التقطع ينسجم مع البناء بالصمت على نحو ما ألمحنا إليه سابقا ـ

ج - بهاء الغموض. (بعكس الماء) عملٌ شعري متمنّع على غير القراءة الشعرية. فهو يقاوم القراءة المتسرعة. وعبر هذه المقاومة يحمي عُمق الدلالة ونقصها. وتلك واجهة أخرى لحماية الشعر من خيبةٍ تُهدد كينونته. وهي الخيبةُ التي صنفناها سابقا في المستوى الثاني من المقاربة. الغموض افتتانٌ بالباطن وبالأسرار ووفاءٌ للعمق ومقاومة ضد الابتذال لرفْع الحُجُب التي يُراكمها اليومي ولرؤية ما لا يرى على حد تعبير عبدالقاهر الجرجاني. ومن ثم فإن قراءة ديوان (بعكس الماء) منذورة للمعاودة المستمرة، لأن الانتهاء من الديوان يُشعر دوما أن ثمة بدايةُ أخرى. إن اختبار فرضية هذه الدراسة، انطلاقا من عملين شعريين، يظل محدودا، غير أنه يسمح بما يلي:ـ

 .ـ تنسيب الحديث عن الخيبة في الشعر المغربي المعاصر حرصا على تجنب التعميم

 .ـ عدُّ الفعل الكتابي مُقاومةٌ باللغة وفيها
 .ـ الوعيُ بأشكال المقاومة الشعرية انطلاقا من قراءة تتحلَّى بالآداب التي يلزم بها المقروء

الهوامش

1 - Maurice Blanchot. L`espace litteraire. Galhlimard. 1955. P56 et 57.

2 - المرجع السابق ص٥٤.

3 - محمد بنيس، »نهر بين جنازتين، دار توبقال، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص33.

4 - المرجع السابق، ص30.

5 - المرجع السابق ص31.

6 - المرجع السابق، الصفحة ذاتها.

7 - المرجع السابق ص66.

8 - المرجع السابق ص35.

9 - المرجع السابق، الصفحة ذاتها.

10 - المرجع السابق، ص125.

11 - المرجع السابق ص126.

12 - المرجع السابق ص127.

13 -  Michel Lafon. Borges ou la reecriture. Seuil. 1990. P68.

14 - المرجع السابق ص87.

15 - »نهر بين جنازتين«، م.س. ص92.

16 - محمد بنطلحة ، بعكس الماء، فضاءات مستقبلية، الدار البيضاء، ط1- 2000، ص7.

17 - المرجع السابق ص8.

18 - المرجع السابق، الصفحة ذاتها.

19 - المرجع السابق ص9.

20 - المرجع السابق، ص13.

21 - لا يحتفظ الديوان بوتيرةٍ واحدة في رسم هذا الوجه، لأن تعارض المتكلم في النص مع الجمع الغائب يتراجع في قصيدة أنسى واشرب.

22 - المرجع السابق، ص74 و75.

23 - المرجع السابق ص32.

24 - المرجع السابق ص42.

 ـ 25 ـتم تجميع هذه الأبيات من قصيدة (في ظلام الأيقونة)، المرجع السابق، من ص7 الى ص6 الى ص 16

00:00 |  Facebook

15.12.2010

الشعرية المغربية


podcast

الشعرية المغربية: الناجز والمرجأ

بنعيسى بوحمالة

(1)

لعلّ الخوض في الشأن الشعري المغربي الراهن هو بمثابة ضلوع، قرائي و تقييمي، في واحد من أكثر الفاعليات الثقافية المغربية استثارة للجدل و الخلاف.ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن تتعدد زوايا الاقتراب من قضاياه ومعضلاته، تبعا لتباين قناعات النظر وخلفيات التأويل، إلا ما كان من الاتفاق الصريح أو الضمني، شبه التام، بين فرقاء هذا الشأن حول حقيقة أساسية لازمت ولادة الشعرية المغربية المعاصرة، في إطار تجاربها وخبراتها المتنوعة، وسيرورتها القائمة منذ أربعة عقود ونيّف، نقصد تعالقها القدري، الإيجابي ما في ذلك ريب، بالشعرية العربية المعاصرة، لكن المشوب بجملة من السلبيات و الحساسيات والمسبقات لدى هذا الطرف أو ذاك، و ما أثمره هذا الوضع ولا يزال، وإن خف احتداده نسبيا، من تداعيات على صواعد الكتابة والنقد والقراءة، ومن هواجس تكاد تأخذ صفة مركب مزمن يشل، بكيفية أو بأخرى، تحرر المكتوب الشعري وطلاقته وتقدمه، ويؤجل، أو يقصي بالمرة، المطارحة الصحية والمنتجة سواء لكبريات أمورها أو لمستدق أسئلتها، ويصرف الاهتمام عن مقايسة منجزها المتحصل خلال قرابة أربعين عاما و، بالتالي، ضبط موقعها الفعلي، أو الممكن، في جغرافيا شعرية إنسانية قيد التبدل تجري إعادة تشكيلها على أرضية ما أصبح يعرف بالقرية الكونية الصغيرةـ

فمهما كانت درجة سعي الوعي الشعري المغربي الحالي، على الأقل في إبان ستينيات و سبعينيات القرن المنصرم، إلى التغاضي عن جملة من الشواغل، التي تتربص بلاوعي الممارسة الكتابية للفاعلين الشعريين، و ذلك من قبيل ثبوت الشرعية التاريخية و الثقافية، أصلا، للقصيدة المغربية أو انتفائها، ضمن نسق تاريخي و ثقافي على جانب من الخصوصية، وفي حالة توافر قصيدة مغربية معاصرة فما مدى كفايتها الأدائية و التخييلية و الرؤياوية و ما هي حدود أهليتها التداولية ؟ و بتعبير مواز هل اقتدرت الثقافة المغربية، طوال تاريخها، على إنتاج متخيل شعري مقنع و جاذب، مهيأ، تلقاء نضوجه المحتمل، لبلورة نص شعري مغربي معاصر لا يقل شاعرية عن نظيره المشرقي ؟ فإنه بقي، وبكل موضوعية، رهين هذه الشواغل التي يا ما انهدرت معها جهود فكرية، ارتدت لبوس مرافعات ودفوعات حجاجية إثباتا للذات، وإبداعية كذلك اتخذت لها منحى الاستظلال بالنموذج الشعري المشرقي والتبعية الطيعة لإملاءاته، توكيدا لنجابة التلمذة وإجادة الاستيعاب، وذلك على حساب الدفع بالمشروع الشعري المغربي المعاصر إلى أفق تماسكه وتطوره واستحقاقه الثقافي المترسم ـ 

و نحن ننوه إلى الخفة النسبية لاحتداد هذا الوضع كنا مستحضرين الكلفة الزمنية، والفكرية والإبداعية، التي أدتها الشعرية المغربية كيما يتسنى لها، مع مطالع التسعينيات، بفضل مواظبة مجموعة من الفاعلين الشعريين النابهين، المنتسبين إلى مختلف الأجيال، الحسم مع هذا المترسب و توجيه التصور والانجاز الشعريين وجهة طموحة، بمقتضاها سيستعاض عن العلاقة الشعرية بالمشرق بعلاقة واسعة ومفتوحة مع مختلف بقاع الجغرافيا الشعرية الإنسانية التي تنتسج على ظهرها، الآن، بقعة شعرية واحدة لا غير. وإذن فإن تململ الوعي الشعري، وإن متأخرا، وإشاحة بعض رموزه النظر عن المشرق الشعري واستقصاؤهم لمناطق شعرية أخرى، متوسطية وغربية وآسيوية لهو، رغم كل شيء، دليل معافاة هذا الوعي وتكييفه، تصورا، مع مبدأ الكتابة من موقف الوثوق وليس من موقف الدفاع، مع داعي تصويب الاهتمام نحو المحيط الشعري الإنساني بدل الانحصار في النطاق الشعري العربي الضيق، أو، بالأولى، تربيته على تصريف كتابة شعرية لا تعاني من أيّما نقص أو ارتباك و تعويده على النهوض بأعباء الانتماء إلى المحيط الأليق للنص الشعري المغربي، أي إلى مدرج الكونية الملبي لانتظارات هذا النص من حيث التعبير والتخييل، لكن القائم، في نفس الآونة، مقام محك حقيقي لشعريته من جهة، ومن جهة ثانية لطاقة تحمله، بما هو مآل الشعريات المتطلبة والمجازفة، لهموم ساكنة عالم أمسى، على تراحبه، محض قرية كونية صغيرة كما قلنا ـ

من المحقق أن هناك مسافة، فعلية ورمزية، لا يستهان بها كان على الشعرية المغربية المعاصرة تخطيها حتى تتخلص من ذيليتها اللامشروطة لمشرق شعري متمركز حول ذاته، لا يعترف بالشعريات العربية المحيطية، و تعرض دور نشره عن احتضان دواوين شعرية مغربية، وحسبنا أن نشير هنا إلى العدد الضئيل من الأسماء الشعرية المغربية التي تغلبت على حاجز النشر في بيروت أو دمشق أو بغداد أو القاهرة، و انتزعت مقبولية ما في المركز الشعري، وبحسب ما نعلم فاستثناء الشاعرين الستينيين عبد الرفيع جواهري وعبد السلام الزيتوني اللذين تمكنا من طبع باكورتيهما الشعريتين، "وشم في الكف" (بيروت 1980) بالنسبة للأول و "نسيت دمي عندهم" (عمّان 1994) بالنسبة للثاني، ولنلاحظ دلالة تأخر تاريخ الطبع عن فترة بروزهما الشعري، وشعراء من أجيال لاحقة كمالكة العاصمي ومحمد الأشعري ومحمد بنيس ومحمد بنطلحة والمهدي أخريف ومحمد عزيز الحصيني ووفاء العمراني.. ظلت الأبواب مسدودة في وجه ذيوع القصيدة المغربية المعاصرة عربيا، بل وأكثر من هذا أن تنقلب الآية فيغدو المغرب ليس فقط محط استقطاب لأسماء شعرية عربية وازنة، في إطار الملتقيات الشعرية التي ينظمها "اتحاد كتاب المغرب" و "بيت الشعر في المغرب" وجمعيات ثقافية و إبداعية أخرى، وعالمية حتّى يستضيفها، دوريا، المهرجان العالمي للشعر الذي يؤطره بيت الشعر في المغرب، و إنما أيضا، ويا للمفارقة، مكان إصدار عناوين شعرية مختلفة لشعراء عرب من العيار الثقيل.. ناهينا عن اطراد نقل الشعر المغربي المعاصر إلى لغات عالمية وإنجاز دراسات نوعية عن بعض تجاربه والحضور المواظب لشعراء مغاربة في المنتديات الشعرية الدولية ـ

وعلى ذكر المهرجان العالمي للشعر لا يجب تناسي خطوة مقدامة أخرى، موازية، أمكن "بيت الشعر في المغرب" تحقيقها وهو يوفق إلى كسب تبني منظمة اليونيسكو لفكرة اليوم العالمي للشعر وإدراجها في أجندة الأيام الثقافية العالمية. وإذ تضع الشعرية المغربية المعاصرة رجلها، في غضون سنوات محدودة، على عتبة الكونية يتحتم أن يدرك القائمون عليها أن هذه الأخيرة ليست مجرد نياشين اعتبارية توهب كيفما اتفق بقدر ما هي محك حقيقي، مثلما نصصنا على ذلك، لاشتداد العود الشعري و تصالبه، وأيضا لفطنة التقاط نبض عالم أفرط في تعقده والتباسه ضمن مساق كوني بقدر ما قرّب الشقة بين أطراف المعمورة فاقم من حدة مشاكل العيش و التعايش، دفعة واحدة، إذ لا يني يعمق فقر الأغلبية و ينعش، على واحديته المفترضة، الهويات و الثقافات الإقليمية و الوطنية التي كانت، و إلى عهد قريب، خاملة أو منطمرة.. عالم يعفي، غير متقاعس، على منظومته العلاماتية المألوفة من تقاطب إيديولوجي وحرب باردة ووضوح سياسي وحدّية قيمية و كفاف اقتصادي وطمأنينة روحية، ويؤثث فضاءه المعولم الذي تستحكم فيه شريعة التّبضع والاستهلاك، وتتناوب عليه ثوراته المعلوماتية والرقمية والوسائطية المتسارعة الوتيرة.. عالم يداري تخرمه البيئي المروع ويلتف، ليس إلاّ، على حربه الإلكترونية المدمرة، الآتية لا محالة.. عالم لا يتوانى عن محو ذكرى رموزه السابقين من مفكرين جهابذة، متنورين، كمارتن هيدغر وبرتراند راسل وجان بول سارتر، و مناضلين طهرانيين، ارتفعوا إلى صعيد الأسطورة، كهوشي منه وإرنستو تشي غيفارا ونيلسون مانديلا، من الوجدان الإنساني العام واستزراع خلف رمزي براق من سلالة بيل غيتس وطوم كروز وسيرغي بوبكا و كلوديا شيفر.. ممّن أحلتهم إمبراطوريات الاتصال والسينما و الرياضة والموضة في صدارة المشهد العالمي الراهن..عالم على هذا الاعتناف المغلف بديمقراطية المعرفة وبهرج الوفرة، عالم على هذا الاختلاط و التشوش لا يزال للقصيدة ما تقوله عنه لأن المسألة، بصرف النظر عن الزمن و المكان، مسألة توكيد إنسانية الإنسان وخفره في طريقه إلى حيث يتملك كينونته الحرة والمتجوهرة.. عالم على هذا المنوال يستأهل انضواء منتجي الخيال الشعري في المغرب إلى حلبته المغرية وقول كلمتهم فيه و ذلك بما يعود على الشعرية المغربية المعاصرة بالجدوى، توسلا، والتطور، موضوعا ورؤيا ـ

(2)
إن مناولة ركن اللغة في الشعرية المغربية المعاصرة لهي اختبار لأحد أوكد عناصر التحقق الشعري في بنيتها الكتابية إن لم تكن اختبارا لصميم هويتها الإبداعية. وفي هذا الباب يجب عدم الاعتراض على تلك المرادفة المفاهيمية، بله المطابقة ، المعمول بها في كثير من الأحيان، بين مفهوم اللغة الشعرية وبين مفهوم الشعر، أصلا، كجنس تعبيري له خواصه و محدداته، الشيء الذي يدل على حيوية الركن اللغوي في التشييد والتخييل الشعريين
ـ

ولأن المعجم ليس من قبيل الكينونة اللسنية / الإشارية التجريدية، المتعالية على اعتبارات المكان والتاريخ والمجتمع والثقافة، أي على مشترطاتها التداولية النافذة فسيكون من الإجحاف، في ما نرى، ضمّ كامل التحققات التلفظية التي راكمتها هذه الشعرية في خانة معجمية واحدة قد يرجح سريانها على المتن الشعري المغربي الراهن برمته. فاللغة، الشعرية منها بوجه خاص، بقدر ما تعبر، كما نعلم، عن الجمعي والمشترك، وتترجم عن محمول الذهن والوجدان العامين تندمغ كذلك بالبصمة الشخصية لمنتجها و تؤشر على اختلاف تلفظي يصدر، بدوره، عن اختلاف أعمق يتصل بالتموقف الشعري من العالم وبنوعية الرؤيا الناظمة للملفوظ والمنتسجة في فضائه ـ

من هذا الضوء قد يكون صائبا الحديث عن حساسيات لغوية متباينة تتعايش / تتصارع في المجال الشعري المغربي لكنها و هي تقتاد، منفردة، القراءة إلى الصميم من خبرات تلفظية بعينها و، بالتالي، إلى القلب من تموقفات شعرية من العالم ورؤيات مائزة، تنصب، كافتها، في متخيل شعري، مغربي السمة، لا يني ينفرز عن غيره من المتخيلات الشعرية الوطنية، إذ (لا يمكن أن يوجد "معنى في ذاته "، فهو لا يوجد إلاّ بالنسبة لمعنى آخر، أي يوجد فقط إلى جانب غيره)1 من المعاني الجغرافية والتاريخية والسياسية والثقافية. وكما هي الحال في جل التجارب الشعرية الإنسانية فإنه بالإمكان اقتراح نوع من صنافة، إجرائية ليس أكثر، للمعاجم اللغوية المتنفذة في الوعي الشعري المغربي والمحايثة في النصوص سواء كإبدالات مفرداتية أو بنيات صرفية أو توليفات أسلوبية أو منسقيات تخييلية (مجازية و رمزية) ـ

وعليه فإن كان شاعران ستينيان، كأحمد المجاطي و بنسالم الدمناتي، مثلا، قد انشدا، بأثر من تربيتهما الشعرية القديمة، الرصينة ما في ذلك جدال، إلى معجم لغوي سوف يسبغ على لغتهما الشعرية أو، على الأصح، جملتهما الشعرية، رونقا تراثيا لافتا يجعلنا نستحضر، من فورنا، الروح التراثية المستحكمة في شطر فائق من قصائد بدر شاكر السياب و شاذل طاقة و عبد الرزاق عبد الواحد.. حيث قوة المفردة الشعرية و صفاؤها الدلالي و رنتها الموسيقية الصائتة، وهو ما نستطيع معاينته في ديوانيهما، بالتتالي، "الفروسية " و "واحة النسيان"، فالظاهر أن المعرفة الفلسفية و الصوفية لمجايلهما، محمد السرغيني، مضافا إليها ما اكتسبه مثلهما من رصيد لغوي، شعري و نثري، موسوم بالقدامة سينحو بمعجمه الشعري منحى التقعر و الإعظال الدلاليين ويغلف عبارته بنصيب من الوعورة، إن توليفيا أو تخييليا، ممّا يمكن الوقوف عليه في جماع أعماله الشعرية و بخاصة في إصداره الأخير "احتياطي العاج"ـ

مقابل هذا الاختيار اللغوي تواجهنا نصوص شاعرين آخرين، من نفس الجيل، هما عبد الكريم الطبال وعبد الرفيع جواهري بمواظفة لغوية من طراز تلفظي مخالف قد يجوز نعته، بغاية إيضاحه، ب "السهل الممتنع"، و ذلك على النحو الذي كان يستعمل به في الأدبيات النقدية العربية الكلاسيكية، و لنأخذ بغاية التثبت من هذا الطراز مجموعتيهما الشعريتين، بالتتابع، "بعد الجلبة " و "وشم في الكف". فكونهما يكتبان جملة شعرية تؤول إلى ما يمكن الاصطلاح عليه ب "الواقعية الرومنتيكية "، تشبها بالواقعيات التسجيلية و الاشتراكية و السحرية.. تتمثل الواقع تمثلا يسخر جملة من الموارد الإيهامية، غير المتكلفة، لصالح زاوية نظر ابتداعية للواقع موضوع المعالجة الشعرية التي يتوخى منها، في المقام الأول، تقريب هذا الواقع، قرائيا، وجعله على مرمى أي تفاعل استيهامي منتج، كان لابد وأن تتوسل معجما قريب المنال، تأويليا، أميل، لشفوفه و إسلاسه، إلى ما يمكن عده لغة وسطى، لكن من غير ما  تفريط في مقتضاه الشعري الصارم ـ

وانسجاما مع السيرورة اللغوية التي خضعت لها معجمية القصيدة المغربية المعاصرة حصل أن اقترن مقدم أسماء جديدة، بدءا من العقد السبعيني، إلى المجال الشعري بمتغيرات ستمس تقنية الانتقاء المعجمي والمواظفة الإبدالية مسها لطريقة صياغة الجملة الشعرية وتوضيبها، أمّا مرد هذه المتغيرات فإلى انبثاق وعي تحديثي أكثر راديكالية إذا ما قيس بالحذر الذي وسم المشروع الشعري الريادي في الثقافة المغربية، مثل أي مشروع إبداعي ريادي، بضاغط، طبعا، من الأهمية التي كانت، وقتها، لفكرة استنبات قصيدة مغربية معاصرة في ثقافة يطبعها التقليد والمحافظة. وهكذا فإن كان في المستطاع إطلاق وصف الماورائية على اللغة المشتعلة في عملي محمد بنيس الشعريين الأخيرين، نقصد "المكان الوثني" و "نهر بين جنازتين"، نظرا لما يميزها من توغل دلالي و ترميزي في ما وراء قشرة الأرض، المشعرنة في رحابهما، ترمي من ورائه إلى استخلاص الجوهر المخفي للعالم، جوهر المجهولية و اللانهائية و العدمية، فإن أعمال محمد بنطلحة الشعرية، و تحديدا ديوانه الأخير "بعكس الماء"، تعرب عن حذق فائق في التعامل مع معجمية سريالية يعتقدها أقدر من غيرها على التقاط شتى أوجه الغرابة و المفارقية التي يحفل بها عالم يفتت مجازيا ثم يعاد تشييده وفقا لمشيئة حلمية خالصة. ففي لغة محمد بنيس الشعرية يستقيم العالم مكانا للقلق و الارتعاب والذهول أما في لغة محمد بنطلحة فيستهام، جراء لامعقوليته وقرفه، موضوعا للتقريع و الهزء المأساويين وفي نفس الآن مسقطا لضوء حلمي يغسله من أدرانه و تعفناته اللاتطاق. و بالموازاة من اللغة الشعرية العقدية، ذات المسوح التعبدي، التهجدي، التي يسهل تلمسها في ديوان حسن الأمراني، الموسوم ب "القس و اليمامة "، مثلا، تتدثر لغة عبد الله راجع، في ديوان "سلاما و ليشربوا البحار" بكيفية خاصة، بإهاب استبطاني تتخذ معه الأشياء والذوات والمحكيات صفة الستر أو الانحجاب الذي لا تكل المخيلة عن مراودته تبديدا منها لما يلف باطنها من غموض و انبهام ـ 

من جهة أخرى، واستهداء بما قلناه عن معاجم الشعراء الستينيين، قد لا يتعذر على القراءة، من داخل المناخ التجريبي الذي ران على المجال الشعري المغربي في إبان السبعينيات، وضع اليد على مجموعة من القرائن الفارقة، معجميا، بين مجموعة من الممارسات الكتابية الحاملة لتوقيع هذا الشاعر أو ذاك، لكن الجامعة، في المقابل، بين شعراء ينتمون إلى هذا العقد، أو آخرين أعلنوا عن أنفسهم عند متم العقد الستيني، و بين بعض سابقيهم، ممّا يفند فكرة الانقطاع الجذري بين الأجيال الشعرية المغربية. في هذا المضمار يمكن استحصال قدر من التواشج، القوي أو الفاتر، بين المعجم الشعري لعلال الحجام ومحمد الشيخي ومحمد بودويك، الذي يتمظهر في أعمالهم، تباعا، "من توقعات العاشق" و "حينما يتحول الحزن جمرا" و "جراح دلمون"، و بين ذاك الذي يمثل في نصوص كل من أحمد المجاطي و بنسالم الدمناتي، أو بين معجم إدريس الملياني الشعري، و لنأخذ ديوانه "في ضيافة الحريق" كنموذج، و بين المعجم الشعري القائم في نصوص كل من عبد الكريم الطبال و عبد الرفيع جواهري، وذلك على سبيل التمثيل ـ

ومع حلول الثمانينيات ستشرع في الالتئام أو التكرّس قسمات بعض السجلات اللغوية التي تكاد تكون وقفا على تجارب شعرية صمّم أصحابها على تشغيلها إمّا في عمل شعري مفرد أو في جملة من الأعمال المتعاقبة، وفي هذا الاتجاه، و على شاكلة ما قلناه عن التقاطع المعجمي بين تجارب شعرية ستينية وأخرى سبعينية، في الإمكان تصنيف لغة شاعر كمحمد الصابر، الماثلة سيان في ديوان "زهرة البراري" أو في ديوان "ولع بالأرض"، ضمن السجل اللغوي الاستبطاني، المواظف في شعر عبد الله راجع، و لغة شاعر كمحمد عزيز الحصيني، المسخرة بوجه خاص في ديوانه الثاني "الكلب الأندلسي"، ضمن السجل اللغوي السريالي، الحلمي، الذي تصدر عنه تجربة محمد بنطلحة الشعرية. من زاوية أخرى، و على تضاؤل الشاغل الميثولوجي، إن لم نقل انعدامه، في الذهنية الثقافية و الإبداعية المغربية تتبدى في ديوان "عاريا أحضنك أيها الطين" لمحمد بوجبيري بعض المشخصات الدالة على تصالح تخييلي مع المكون الأسطوري، لا كمضامين أو استرجاعات أو إشاريات و إنما كمعجم يرخي في الفضاء النصي ما لا يحصى من التداعيات التعبيرية و الترميزية التي يرتفع معها الواقع من درك الأرضي إلى علياء الأسطورة وتكتسب بفضلها عناصر الطفولة والذاكرة والطين والماء طزاجة غير معهودة. أمّا وفاء العمراني فلا تكف، منذ ديوانها الأول "الأنخاب" و حتى ديوانها الأخير "هيأت لك"، عن توثيق عرى تعالق رمزي بين الأنا الشعرية و الآخر و العالم ضمن مثلث رؤياوي تسيجه لغة شعرية جسدية / مجسدنة، يتجسدن في تضاعيفها الملموس والمرئي، الاستذكاري والحلمي، وذلك توسطا بانفعال صوفي مكين، بهذه الحدود الثلاثة، يجلوه محفل تلفظي لا مراء في نبرته الجوانية ـ 

انطلاقا من التسعينيات سيأخذ معجم شعري إضافي في التبلور وذلك في تواقت مع حصول قصيدة النثر على شرعية أدائية في الشعرية المغربية المعاصرة. و بما أن معجم هذه القصيدة يعتاش، قبل كل شيء، على الجزئي و المتشذر، المتقطّع و العرضي، بمعنى أنه يستمد مؤونته الدلالية و الترميزية من متفتت المعيوشات و المرئيات و الاستذكارات و التماهيات، فإنه، أي المعجم، سيركب تقنية مزدوجة عمادها التكثيف و الإلماع، أو الإضمار و التكنية، خدمة لمقصدية جمالية تعمل قصيدة النثر على تحقيقها ألا و هي الإدلاء بالجزء الذي يستفاد منه الكل. و بالرجوع إلى دواوين "حياة صغيرة " لحسن نجمي و "هدنة ما" لحسن الوزاني و "شهادة عزوبة "لجلال الحكماوي و "مانكان" لعدنان ياسين.. نقوى على تقرّي ثوابت هذا المعجم، مع مراعاة تغايرات عوالمها و تباينات طرائق الكتابة و التخييل فيها، الذي ما فتئ يهيمن على قسم وافر من الدواوين و القصائد الآيلة إلى أسماء شعرية تسعينية ـ

وعلى هامش هذه الصنافة الإجرائية المقترحة نرى لزاما التوكيد على أن اللغة ليست وحدات لفظية صماء بقدر ما هي حياة صوتية ودلالية مركبة ولامتناهية تثمر منها القصيدة أو، بالحري، الجملة الشعرية مكاسب إيقاعية متأصلة في الأحرف والمقاطع والمفردات إثمارها لتعالقات توليفية منتجة لا نحويا ولا دلاليا و كذلك لتمظهرات تخييلية متنوعة. بهذا المعنى إذن تباشر المدونات اللغوية الموصوفة عامليتها في سياق تجارب شعرية مخصوصة و كذلك في السياق العام للشعرية المغربية المعاصرة، إذ تتعايش في ما بينها رغما من فروقاتها، متفاعلة و متصادية ضدا على شرطها الإبدالي الذي تبدو معه أقرب إلى المتواليات اللغوية الناسخة لبعضها البعض، مانحة، هكذا، قدرا من التنوع والدينامية لنشاطية لغوية جمعية حثيثة ترمي إلى اجتراح معجم شعري كفء لقصيدة كفؤة ـ

على أن هذا المطمح يجب ألاّ يغيّب الفوائد التي جنتها الشعرية المغربية، بدءا من لحظة قيامها، ممّا لا علاقة له بأمور الهوية و الجدارة و الاستقلالية التي عرضنا لها في مفتتح هذه المقاربة، من مؤثرات لغوية عربية و أخرى غربية تندرج في إطار التناص الذي لا يمكن لأية كتابة شعرية التنصل، مهما كان، سواء من مفاعيله الإيجابية أو من تبعاته الكتابية المختلفة. و في هذا النطاق يجوز الحديث عن موجات لغوية تعاورت على المجال الشعري، واحدة تلو الأخرى، في تلاؤم عضوي مع التمرحلات التاريخية التي عاشتها القصيدة المغربية و أيضا مع انتظاراتها، الإبداعية و الثقافية و الإيديولوجية، المتحولة. و إذا كان المقام لا يسمح بالتوقف المخبري المدقق على نماذج من الاسترجاع اللغوي في بنيتها حسبنا أن نشير إلى أبرز ممثلي هذه الموجات، إن عربيا كموجة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وأدونيس وخليل حاوي وصلاح عبد الصبور.. التي تلتها موجة سعدي يوسف وحميد سعيد وسامي مهدي وحسب الشيخ جعفر ومحمود درويش و فايز خضور ومحمد عفيفي مطر ومحمد علي شمس الدين.. فموجة أنسي الحاج وعبد القادر الجنابي وقاسم حداد وسركون بولص وعباس بيضون.. ثم موجة سليم بركات وسيف الرحبي وأمجد ناصر وعبد المنعم رمضان ونوري الجراح.. أو غربيا كموجة اللغات اللوركوية والماياكوفكسية والناظمية (نسبة إلى ناظم حكمت) والنيرودية والإيلوارية.. وموجة آرثور رامبو وستيفان مالارميه وغيوم أبولينير وسان جون بيرس.. وموجة عزرا باوند وأوكثافيو باث ويانيس ريتسوس ويفغيني يفتشنكو وإيف بونفوا ورونيه شار وهنري ميشو وفرانسيس بّونج.. ثم موجة فريدريش هولدرلين وجورج تراكل وراينر ماريا ريلكه وفيليب جاكوتي وجيوسيبي أونغاريتي.. وما جاء بعدها من موجات لغوية غربية ما بعد حداثية، أضف إلى هذا التأثير الذي أخذت تمارسه لغة قصيدة الهايكو اليابانية خلال السنوات الأخيرة على جانب من المكتوب الشعري المغربي ـ 

(3)
من ناحية إجرائية، دائما، قد يليق بنا إفراد المستوى الجمالي عن المستوى اللغوي في القصيدة أمّا الأنسب، في الحقيقة، فهو استدخال محدد الجمالية الشعرية في النطاق الأوسع للغة الشعرية لكون هذه الأخيرة هي المصهرة التي تتلاشى / تتماسك في أتونها كافة المستويات و المكونات البنائية
ـ

ووفقا للمعنى الذي تأخذه الجمالية في الحقل الشعري باعتبارها فاعلية شكلية أو صيغية يراد بها البرهنة، أولا، على المعيارية الأنواعية للقصيدة، التي هي جنس تعبيري محكوم بمقولية مخالفة لمقولية الرواية مثلا، وثانيا على تفاوت لا مقدرات الشعراء على الاستزادة الأسلوبية بما تعنيه من اجتهاد تأنيقي، تزيني، يعود شأنه، من حيث المبدأ، إلى اختيار الشاعر، وتباين كفاءاتهم في استدماج جملة من الأبنية، النصية و اللانصية، في اللغة الشعرية، التي يجب أن تظل رغم ذلك هي النواة الصلبة للقصيدة، و تخويلها درجة من الوظيفية تغدو معها جزءا لا يتجزأ منها، بل و قد تتعذر قراءتها و يصعب تأوّلها إن حدث وأن غيّبت هذه الأبنية أو تم تلافي محايثتها ـ

فطوال المدة التي استغرقتها نشأة القصيدة المغربية المعاصرة كان هناك تلازم، بكيفية أو بأخرى، بين المرتبتين الكتابيتين، الاقتضائية و التجميلية، لكننا نسجل طغيان المرتبة الأولى، خلال فترة شعرية ما، أو الثانية، في أثناء أخرى وذلك في ارتباط مع طبيعة الأولويات التعبيرية المترسم تلبيتها ضمن الخصوصية التاريخية للفترة، و نوعية المستجدات الثقافية التي تحفل بها. لكن عموما يمكننا الإلماع إلى أن تنامي الإحساس بجدوى التغطية الجمالية للنصوص سيتقوى اطرادا مع انتقال هذه القصيدة من طور التأسيس الشعري إلى أفق التجريب الشعري. وإذا ما استحضرنا ألوان الإغراء التي بدأت تمارسها منذ سنوات خلت، على مخيلات بعض الشعراء المغاربة، فنون تعبيرية أخرى كانت قد فطعت أشواطا محسوسة في تطوير توسلاتها الجمالية، و أيضا ما كان من توفّق نماذج شعرية، غربية وعربية في آن معا، إلى استيفاء شرطها الشعري الجمالي، بله ترقيته، بالانفتاح الواعي و الفطن على هذه الفنون و اقتراض المناسب من أدواتها و تقنياتها فسندرك مدى الأهمية التي ستصبح للجانب الجمالي في تفكير هذا البعض و في إنجازه الكتابي كذلك. بالإضافة إلى هذا، و إذا ما أردنا الذهاب بالمسألة الجمالية في الشعر المغربي، و الشعر بوجه عام، إلى عمقها فسنلفي أنفسنا، بكامل البساطة، في صميم الماهية الحداثية للكتابة الشعرية ما دام يعتد بالمتحصل الجمالي في الحكم بثبات هذه الأخيرة أو حركيتها، أليست الحداثة فعلا للتجاوز و الابتكار و التقدم ؟ و بتعبير رديف سنجدنا بصدد التحقق من لزوم الفعل التحديثي ومحدوديته أو تعديه وانطلاقه، و في كلمة واحدة بصدد نجاح القصيدة في موالاة مسيرها، الذي لا مفر لها عنه، في السبل المضنية و اللانهائية للحداثة أو إخفاقها في ذلك و قعودها عن الكد و التجديد الكتابيين ـ

على أيّ فمن ضفاف القصيدة الغنائية، المقطعية أو الكتلوية أو الحلزونية المبنى، التي يتكلم فيها صوت واحد، هو صوت الأنا الشعرية التي تنوب مناب الذات الشاعرة في الفضاء النصي، وتقتات، تلفظيا، على اصطراعها المستهام مع عالم موضوعي جاهز إلى ضفاف القصيدة المركبية، المتعددة الأصوات، وضمنيا اللغات الشعرية، والأبنية والمنسقيات والمقامات المتجاذبة لكن المندغمة في بؤرة نصية واحدة قد يتوزعها الحوار والمونولوغ والتداعي والاستذكار والحلم و الحكي والانبناء المشهدي والتظليل والتبقيع والتلطيخ والتبييض.. أي إلى ضفاف الكتابة كممارسة مفتوحة، متحررة من إكراهات الجنس الشعري، و متجاسرة على الرقابات القرائية و الكوابح النقدية.. من حدود قصيدة التفعيلة، المتحرجة في العديد من نماذجها من تفعيليتها التي يتيسر تصريفها، إيقاعيا، في خطاطات وزنية تقليدية إلى حدود قصيدة النثر في مراهنتها على ممكناتها الإيقاعية الضمنية وتعلقها بتمرير السرود والمحكيات الشعرية المنضغطة مع الزج بالزمن الشعري في انتظامية الأزمنة الفيزيائية من أجل مغالبتها و تطويعها.. من أفق البناء الشعري السطري، المقيد، إلى أفق البناء الشعري التدويري، المرن مرونة جملة شعرية لم تعد خاضعة سوى للوازع التعبيري لمنشئها.. من مدار التصييغات التشبيهية الكسولة و المهادنة إلى مدار المجازات والترميزات الكبرى التي قد تكتسح، تخييليا، قصيدة برمتها، إن لم يكن ديوانا أو مجموعة دواوين ـ

وبالمناسبة حريّ بنا أن ننص على الدور الفاعل الذي كان لائتلاف مجلة "الثقافة الجديدة "، انطلاقا من منتصف السبعينيات، في زحزحة الوعي الشعري المغربي المعاصر وإطلاق العنان لمغامرة تجريبية، تفكيرا وإنجازا، تقوم على المجازفة التصورية والإبداعية واقتحام مناطق وعرة في التخييل وجعل جماع من العناصر الموازاتية، كنوعية الخط و الإخراج التدويني والتفضية الطباعية.. محل اعتناء وحدب، قد يختزل خطوطها الأساسية "بيان الكتابة " الذي حرره محمد بنيس ونشر بأحد أعدادها ـ

وإذا كان لنا أن نمثل بأعمال شعرية، صدرت بالأمس القريب، اتجهت وجهة تجريبية إيجابية فلنقترح ديوان "كيمياء" لأحمد محمد حافظ و "الكلب الأندلسي" لمحمد عزيز الحصيني، إذ لا يتورع الشاعران الثمانينيان عن الإلقاء، في هذين الديوانين، بعدّة تجريبية وازنة يجانبان بها رصيدهما الكتابي، الغنائي، السابق و يتجاوزانه دفعة واحدة، تتمظهر آثارها النصية الفاعلة، رغم اختلاف تجربتي الديوانين، على أصعدة التشغيل اللغوي و تمفصلات الجملة الشعرية.. التنويع الإيقاعي و الإسقاط التخييلي المبتدع.. التزمينات الشعرية المسترسلة و التلوينات المكانية المتوالية.. سردنة الملفوظ الشعري أو تكثيفه بحسب ما تتطلبه القصيدة.. هذا مع إجادة استثمار جملة من الاسترجاعات الإبداعية (شعرية و روائية) و الثقافية (دينية و فلسفية و فنية..) و التحكم في منسوب مؤازرتها النصية و التخييلية للقصيدة. إجمالا نقول إن المتتبع لمسار الشعرية المغربية المعاصرة لابد و أن يسجل عدم تراخي أو تقاعس الفاعلين الشعريين المجدين عن إنضاج جملتهم الشعرية و مدها بما يضمن لها صفتها المثناة التي تجعل منها قولا يقول، أول ما يقول، نفسه، قائلا معه محمولا برانيا لا يتحرج بتاتا في وضعه تحت إمرته الشعرية ـ

(4)
هل بمقدورنا الحديث عن حقيقة خارج - نصية تثوي داخل القصيدة، قابلة للتعيين و التشخيص قابليتها للاستخراج من بين فكي الكماشة النصية ؟ نجيب، مبدئيا، فنقول بكل بساطة (.. بالنسبة لنص يحاول أن يكون حديثا فالمسألة أكثر صعوبة، و ذلك بسبب عدم التّحدد الذي تعيشه عناصر الواقع المتحرك من اجتماعية و ثقافية في نص يحاول أن يحيا إشكاليتها) . يبدو، إن نحن تحلينا بشيء من الموضوعية، ألاّ حاجة، أصلا، إلى مطارحة أمر واقع ما مفترض، أو ما يشبهه، في السياقات التخييلية، الإيهامية، المشبعة على نحو كاف و مقنع كالقصيدة الشعرية، و ذلك بسبب من انعدام الصلة بين الجانبين إلاّ ما كان من مواظفة الواقع، مثله مثل سائر المكونات الشعرية الأخرى، في فضاء القصيدة و وضعه عامليته النصية الطارئة على عامليته و معموليته القبليتين في نطاق الزمن و المكان تحت تصرف المخيلة الشعرية ما دامت (المرجعية تتيح، فوق كل شيء، امتياز توريط ما هو براني) في مستلزمات هذا الفضاء و
اقتضاءاته ـ

وإذن فإن منتهى ما في مكنتنا التطرق إليه، في حقيقة الأمر، هو المنحى الذي قد يسلكه شاعر ما في تمثل الواقع أو ما يدعى واقعا أو، بالأولى، حقيقة قائمة و مسبقة في الوعي الجمعي، بناء على انفعال وخبرة مخصوصين، ومنحها خلقة تخيّلية توازي بها هيئتها المستتبة خارج حدود القصيدة، بل و تماديها و تتفوق عليها إن لم نقل و تنازعها رمزيا. أمّا في مستوى لاحق فيغدو متاحا التطرق إلى محض الحقيقة الكتابية و هي في حالة تجسّم في بياض الصفحة و، جوهريا، في بياض العالم المتمثل، الموسوم بواقعيته، أي بحقيقته التي تتموضع في الطرف النقيض لبهتان الشعر و زيفه ! إن مكمن الحقيقة، كما يرى مارتن هيدغر، في صلب العمل الإبداعي وداخل حدوده التخييلية التي يرسمها هو تلقاء مقاصده الجمالية وغاياته الرؤياوية، و من ثم فإن الحقيقة لا تعدو كونها الوجود في أقصى درجات صفائه، أي انكشافه و جدته وغرابته بما هي مواصفات امتياز العمل الإبداعي على واقع معاد، مشوش، و مغبر عن الآخر وتعاليه الرمزي عليه ـ

ومن هنا فعن أية حقيقة / حقائق يمكننا الكلام و نحن نتداول قضايا الشعرية المغربية المعاصرة ؟ أمّا من حيث التدقيق أية حقيقة نستطيع تبيّنها و رصدها، مثلا، في دواوين "رماد هسبريس" لمحمد الخمار الكنوني "هديل الروح" للحسين القمري و "شيء له أسماء" لمالكة العاصمي و "حكايات صخرية / سرير لعزلة السنبلة " لمحمد الأشعري و "سلالم الميتافيزيقا" لعبد الله زريقة و "حجرة وراء الأرض" لمحمود عبد الغني و "أحفر بئرا في سمائي" لمحمد الصالحي و "لا أحد في النافذة " لعبد العزيز أزغاي و "قصائد للمعشوقة و الوطن" لحسن مرصو.. من غير الحقيقة الشعرية الخالصة التي تستضمر، ما في هذا شك، حقيقة برانية، أو ما يخمّن أنها كذلك، في آليتها البنائية المتشابكة و المتمفصلة، حقيقة / حقائق أوثق بطبيعة الشعر تتلفظها أنا شعرية تعاود تشييد العالم ؟ هل يغرب عن بالنا بأن ( ما يتوخاه الشعر الحديث هو أن يخلق ضربا من معنى تصعيدي معتنف، مأساوي أحيانا، من رحم اللامعنى)4)

وإلى جوار هذه البديهية لربما يصير من حقنا، في المساق الشعري المغربي خصيصا، مقاربة الحقيقة البرانية المستدرجة، بطبيعة الحال، إلى دائرة النص الشعري بما يتوافق مع سيرورة الشعرية المغربية المعاصرة ويتعاضد مع انتقالاتها التصورية وتغايراتها الكتابية الدورية. كذا يحق لنا الكلام، مثلا، عن التحول، على المستوى الرؤياوي، من حقيقة الوطن، نقصد من رؤيا السقوط و الانتظار للعالم، التي سادت خلال الستينيات، إلى الرؤيا البروميثيوسية، التي خيمت على نصوص السبعينيين، فالرؤيا النهلستية التي أخذ يكتب في كنفها، ابتداء من العقد الثمانيني، كمّ لا يستهان به من النصوص الشعرية. وبعبارة موازية يحق لنا الكلام عن التحول من موقف ترقب الحقيقة التاريخية، التي قد تحل أو لا تحل، إلى موقف تصطبغ معه الحقيقة، هذه المرة، بلونية تهويلية، مجريات و أمكنة، انتهاء إلى موقف يميزه نفض اليد من كبريات المعضلات / الحقائق التاريخية، الوطنية و القومية و الإنسانية، و العكوف، في المقابل، على الحقائق اليومية الذرية، المتقطعة، و شعرنة الجاري من الوقائع و التوضّعات و إنزال العياني والملموس منزلة استعارّية و ترميز، و باختصار من وضعية الترقب إلى وضعية النضالية و الالتزام الشعريين فوضعية الاستقالة من إلزامات الواقع و موجباته، و، بالتالي، تحولها، أي الشعرية، من الحقيقة الغيرية إلى حقيقة الذات / الأنا الشعرية و استعاضتها عن بلاغة الإيثار الرؤياوي ببلاغة التذويت الرؤياوي. أمّا من حيث الاسترجاع النصي فقد يحق الحديث عن الانزياح الدال عن حقيقة التبعية للمشرق الشعري و الاستظلال بمثاله الكتابي، على مدى سنوات، إلى حقيقة الأهلية و الاختلاف، أي من حقيقة مطلقية المرجع الشعري المشرقي إلى حقيقة نسبيته بعد إشاحة النظر و الهوى الشعريين عن جهة المشرق العربي و استكشاف مرجعيات شعرية أخرى ستمد هذه الشعرية بوثوق تصوري و كتابي كانت في أمس الحاجة إليه ـ

بيد أن هذا التصنيف لا يلغي تشارك أغلبية من الأصوات الشعرية المغربية في الأفق الكوني المتأبد والمشاع، والذي يأوي روزنامة الحقائق المطلقة وغير القابلة للاستنفاد أو النضوب، للتقادم أو الابتذال، شكلت، برأي رولان بارت، على الدوام إمكانية موضوعاتية فضلى، لكن شاقة ومكلفة، للحداثة الشعرية الحقيقية كيما تقول حقيقتها هي قبل إفضائها بحقيقة الإنسان أو التاريخ، كالأرض و الزمن و المكان و الجسد و الاسم و الذاكرة و الطفولة و اللعب و الحب و الرغبة و الشهوة و المسرة و الألم و الضجر والجنون والحلم والسفر والعنف والسقوط والمصير والموت والمجهول.. التي يتم إخضاعها لترهينات شعرية متفاوتة القيمة والمردود ـ

وتوكيدا منا على ما قلناه، قبل حين، نكرر أن ليس هناك من حقيقة سوى حقيقة الكتابة ذاتها، قد تسهو الكتابة مرارا عن قول حقيقتها أو قد تحجم عن الإدلاء بها لدواعي ملتبسة ومتداخلة تجد تفسيرها في ما يعرف بمنسي الكتابة، إذ الجوهر، في الكتابة كما في الوجود، هو النسيان، الخلاق بما أنه ينبه إلى ما يعتري جسدها من بياضات وثقوب، يشي بنيّتها التأجيلية المزمنة، ويحث، في ذات الوقت، القراءة / القراءات المتعددة و المتضافرة، الفاعلة و المنتجة، على ترميم تخرماتها و تدارك مؤجلها ممّا يجعل منها، أي الكتابة، مجرد لحظة من لحظات ديمومة نصية مفتوحة لا نهاية لتمعنيها و لا انجزام في حقيقتها. إن (لانهائية النص لا يجب التعامل معها بناء على نظرة تفترض إتمام موضوع ما (لم يعد ينقص سوى قول شيء يسير و يصبح كل شيء مقولا) و إنما من منظور"الكتابة " المزدوجة، أي المتخذة، باستمرار،ككتابة وقراءة في نفس الوقت ـ

(5)

إلى هنا نكون قد قمنا بمسح أوّلي لمناحي تشغيل اللغة و الجمالية و الحقيقة في الشعرية المغربية المعاصرة ممثلين ببعض التجارب الشعرية المنتمية إلى مختلف الأجيال و الفترات، لكن ومع أهمية النقلة التي عرفتها هذه الشعرية خلال عمرها القصير نسبيا وتحقيقها لمكاسب إيجابية، بناء وتخييلا ورؤيا، يتبقى عليها، فيما يتعلق باللغة، أن تنتج ذلك الصنف من اللغة الشعرية الذي عمّده جان كوهين، في مصنفه "اللغة المتسامية "، بالشمولي أو الكليّاني الذي تنقلب فيه التوتاليتارية من محمولها الإيديولوجي والسياسي القدحي إلى طاقة تكثيفية رهيبة تبلغ اللغة الشعرية بواسطتها سدة المجازية، إنتاجها، جماليا، لطرائق جمالية متطورة تستدرك عبرها الكتابة ممكنها الأدائي المستجد والمتأنق بناء وتخييلا ورؤيا ـ

على أن الذي يلزم استيعابه جيدا من طرف جميع فرقائها هو أن أمّ الحاجات، إن جاز التعبير، والتي يتوجب تعظيمها و استحضارها بكيفية مداومة، دوام استحضار عنصر الحقيقة، هي أن الشعر، أيّ شعر جدير بهويته الشعرية المفحمة، ليس فقط مطية لاختراق تخييلي لأديم المستقبل بقصد تبديد مجهوليته الفادحة، بل إنه كذلك مطية لارتكاس مبدع و خلاق صوب البدايات. و إذ يؤوب الشعر إلى الرحم البدئية للأجساد و الأشكال و الماهيات و القيم فإن أوبته الدالة تلك هي أوبة، من حيث العمق، إلى المنطقة الزمنية / المكانية المثلى لتجوهر الوجود، كونا وبسيطة وبشرا، وامتلائه بالمعنى. وفي التجارب الشعرية المتعالية لا يعدو الذهاب صوب المستقبل كونه تغورا رمزيا لجيولوجيا الفائت، القديم، و المتصرّم، و تقليبا مأساويا / عاشقا لطبقاتها الصلدة، قد ينحدّ هذا الذهاب، كما في تجربة شاعر كفريدريش هولدرلين، عند النقطة المتأبية التي صنعتها اللحظة الحضارية الإغريقية التي كان المقدس يسري خلالها في شرايين المعيش الإنساني الواطئ، أو عند تخوم الخطيئة الأولى التي انهوى فيها الإنسان، والقصيدة بمعيته، إلى الحضيض الأرضي البائس، مثلما ما هو قائم في تجربة شاعر آخر هو شارل بودلير، أو عند قعر / قمة الهاوية السحيقة و العمياء التي هي برزخ مرور الإنسان، برفقة القصيدة، إلى اللب من شرطه الإنساني، بمعنى أن (ما كان يشغل هؤلاء هو العمق الذي لا يني يلح عليهم و ينتظر استكشافهم له، طيّ أمدائه، و ترويضه)5)

أخيرا لا بأس في أن نعبر عن بعض الأفكار، المنصبة على ما يمكن اعتباره مرجأ في هذه الشعرية، و التي عنت لنا و نحن نتابع، في حدود الإمكان، إنجازاتها الأساسية و انعطافاتها الكبرى متابعتنا لمآزقها ولحظات انحباسها كذلك، أي لسيرورتها الذاتية المنصاعة، بقوة الأشياء، لنفس السنن الموجه للشعريات الإنسانية بكاملها ـ

وهكذا فرغما من خصوبة الحقل الشعري الذي لا يكف عن بلورة أسماء و تجارب لا تخيّب، في معظم الأحيان، التوقعات، و اطراد محصول الإصدارات الشعرية المغربية في السنوات الأخيرة و انتعاش سوق التداول الشعري، قراءة ونقدا وتناظرا وتناديا، و تنامي معدل نقولات الشعر المغربي إلى لغات عالمية، وتولّي جمعيات ثقافية و إبداعية ك "اتحاد كتاب المغرب" و "بيت الشعر في المغرب" و "الشعلة " و"الغارة الشعرية ".. المسألة الشعرية في المغرب بروح مجددة، ابتكارية، بله اقتحامية، ممّا تشهد عليه أنشطتها و فعالياتها في هذا النطاق، مع ذلك، و في الوقت الذي لم تعد فيه الجامعة المغربية، كما كانت عليه الحال في عهودها السالفة، مشتلا لإنجاب القرائح و الكفاءات الشعرية، هناك، في ظننا، حاجة ملحة إلى نهوض الجمعيات المذكورة، المؤهلة مؤسسيا وتنظيميا لهذه الغاية، بمأمورية استكشاف العديد من المواهب الشعرية المهدورة في الحرم الجامعي و الأخذ بيدها وإعدادها، نظريا ومختبريا، للالتحاق بالنادي الشعري المغربي العام، نفس حاجة المجال الشعري إلى شيء من التخليق والتمنيع سيان ضد آفات الاستسهال الكتابي و النمطية والاجترار والكسل المعرفي والروحي، دفعة واحدة، أو ضد أخلاقيات التمركز الشعري وإقصاء الآخر ومعاداة الاختلاف ـ

خارج هذا الملحظ، و من حيث التعاطي الإبداعي مع المحلية، بما هي البوابة الشرعية للكونية، التي تحدثنا عنها آنفا، فلا محيد لنا عن الإقرار بأن المغرب لم ينكتب بعد شعريا بكيفية جذرية و مقنعة، سواء كجغرافيا أو كتاريخ، كرموز وتوضّعات، كمتخيل ومرويات، إذ تم الاقتصار على مناوشته شعريا في تجارب معينة بينما لجأت أخرى إلى الصدود عنه بالمرة. أمّا بخصوص التعاطي الاسترجاعي مع الشعر الإنساني، و بغض الطرف عن الجهد الملموس الذي بذل، عبر أجيال مختلفة، للتعرف على جغرافيات شعرية عالمية، ذات قيمة أكيدة، و استرفاد إبداعيتها بما يسند النص الشعري المغربي ويغنيه، ما انفكت مرجأة، إلى حين، جهود أخرى مضاعفة لا من أجل التعرف على بقاع شعرية تكاد تكون غير مطروقة من قبل هذا النص، مثل الشعرية الاسكندنافية و السلافية و الغجرية و الأمريكية اللاتينية و الصينية والبنغالية والأوقيانوسية.. و إنما أيضا بغاية مد الجسور نحو أسماء شعرية عالمية لامعة إمّا لم تستثمر كشوفاتها و إنجازاتها، أصلا، في هذا النص، دائما، أو أنها لم تستثمر بشكل أمثل في أضعف الأحوال، ومنها البرتغالي فرناندو بّيسوا والإيرلندي شيموس هيني والسويدي طوماس ترانسترومر والروسي بوريس باسترناك والإنجليزي تيد هيوز والأمريكية سيلفيا بلاث والبيروفي سيزار فاييخو والأنتيلي إدوار غليسان واللبناني صلاح ستيتيه ـ

 

1 - سيرغي فاسيلييف: مستويات فهم النص، ترجمة: عاطف أبو جمرة، مجلة (المعرفة)، السنة 23، ع 270، غشت 1984، ص 163.
2 - محمد الأسعد: الهوية كنص ممكن، مجلة (الفكر العربي المعاصر)، ع 17، دجنبر 1981-يناير 1982، ص 102.
3 - Michael Riffaterre: L'illusion référentielle, in Littérature et réalité, collec, coll. Points, Ed. Seuil, paris, 1982, p. 92
4 - Jean-Pierre Richard: Onze études sur la poésie moderne, coll. Points, Ed. Seuil, paris, 1964, p. 9
5 - Jean-Pierre Richard: Poésie et profondeur, coll. Points, Ed. Seuil, paris, 1955, p.


 

23:31 |  Facebook

15.11.2010

حوار مع محمد السرغيني


podcast

حوار مع الشـاعر محمد السرغينـي : الجانب الفكريِّ في القصيدة أمر حتمي

sarghini.jpg

 أجراه: ياسين عدنان

منذ 1948 حينما نشر قصيدته الأولى (نشيد الأمواج) على صفحات مجلة (الأنيس) التي كانت تصدر بمدينة تطوان، والشاعر المغربي الكبير محمد السرغيني يتجاوز نفسه باستمرار حتى إن النقاد في المغرب يعتبرونه أهم شعرائنا التجريبيين، بل وأكثر جنوحاً للتجريب من كل شعراء قصيدة النثر الجدد. فرومانسيُّ الأربعينيات الشاب الذي صار مع بداية الخمسينيات أحد رواد الحداثة الشعرية في المغرب عرف دائماً كيف يحفر في أرض الشعر بحثاً عن قصيدته الجديدة. وهكذا أثرى محمد السرغيني ديوان الشعر المغربي بباقة من عناوينه الأساسية: (بحار جبل قاف)، (الكائن السبأي)، (وجدتُك في هذا الأرخبيل)، (من فعل هذا بجماجمكم؟)، (احتياطيُّ العاج) ودواوين أخرى عديدة. في هذا الحوار الشيق مع الأديب الشاعر الدكتور محمد السرغيني سنتعرف أكثر على مسار وأفكار رائد الحداثة الشعرية في المغرب ـ


 ــ في البداية دعني أعود بك، الأستاذ محمد السرغيني، إلى زمن بعيد وجميل: بغداد في بداية الخمسينيات. وتلك الجلسات الأسبوعيّة التي كانت تجمعك في مقهى «برازيليا» مع كلّ من بدر شاكر السيّاب وعبد الوهّاب البياتي وبلند الحيدري. هل تلك الجلسات هي التي فتحت عيني شاعرنا الرومانسي الشاب على أفق جديد؟ 

أوّلاً، لم أجتمع في المقهى المذكور مع السيّاب وبلند، لأنّ السيّاب كان معتزلاً، أمّا بلند، فقد كان في هذه اللحظة في بداية شهرته. كنت في الحقيقة أجتمع مع البياتي وثلّة من الروائيين العراقيين أمثال فؤاد التكرلي. أما السيّاب فلم أره إلاّ يوم قرأ قصيدته «بور سعيد» في مدرّج مدرسة المعلّمين العاليّة. ولم يكن لهؤلاء أيّ تأثير على انتقال تجربتي من وجدانيّة إنسيّة متأثّرة بتيّار شعراء المهجر، بل كان التأثير المباشر عليها قد أخذ يتبلور في إقامتي السابقة بباريس سنةً ونصف السنة في وقت كانت ملامح الشعر تنحو نحو قطع العلاقات مع تجارب المربع الشعريّ: «رامبو»، «بودلير»، «فيرلين» و«لوتريامون»، في وقت انتشرت فيه تجارب الدعوة إلى إخراج هذا الشعر من طوق الأنا المفرد إلى مجال الأنا الجمعي. برز ذلك واضحاً فيما حدث في الفكر من تياسُر مع الأمميّة والوجوديّة السارتريّة وتيّار الزنجيّة على يد «إيمي سيزير» و«سنغور». في هذا الظرف حدث التخلّص من الجزء الوجداني الباكي من دون تنكّر لجانبه الإنسيّ. يضاف إلى ذلك اكتشاف الشعر اليساريّ الوارد على فرنسا من آفاق أمريكا اللاتينيّة وآسيّا وما أبدعته الحركات التحريريّة في أفريقيا. بعد الانتقال من باريس إلى بغداد، بدا لي أن ميل الشعراء إلى التجريب تسيّس بشكل جعلهم يسقطون في ترداد الوارد أكثر من ممارسة الإبداع انطلاقاً من المحلّي، خصوصاً وأن بغداد في هذه الفترة كانت محطّ غزو أجنبيّ معتمد على مساهمة وطنيّة محليّة وضعت كلّ إمكانيّاتها في خدمة القوى الخارجيّة ـ
 

ــ لكنك كنتَ رومانسياً قبل المرحلة البغدادية، أي في نهاية الأربعينيات، وكان عدد الشعراء المغاربة ممّن يعدُّون رومانسيين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في تلك الفترة: عبد الكريم بن ثابت، عبد المجيد بن جلّون وأنتم. من أين تسللت الرومانسية إلى قصائدكم الأولى؟ 

في تلك الفترة كانت الغلبة للشعر الوجداني الذي أخذ يجد له رواجاً في الساحة المغربية شيئاً فشيئاً، مما جعله يتساكن مع الشعر العموديّ الآخذ بأساليب نظيره في المشرق العربي. هنا ينبغي أن نشير إلى أن شعر هؤلاء الذين ذكرتهم اغترف من مفهوم وجداني انجليزي سار على خطى جماعة «أبولو»، بينما كان مفهوم الوجدانيّة عندنا في المغرب مستوحىً من تجارب شعراء المهجر الأميركي. هناك محمّد الصبّاغ، وهناك عبد الكريم الطبّال، وغيرهما كثير.لكن بعد «أبولو» كان هناك تأثير مجلة «شعر»ـ

والغريب أنه رغم إقامتك في بغداد من سنة 53 إلى سنة 59، ومتابعتك عن قرب لصعود قصيدة التفعيلة بالعراق، فإنّ مرجعيتك وحساسيتك كانت أقرب إلى جماعة «شعر» منها إلى التجربة العراقيّة، لماذا؟ 

ــ أبداً، لم تكن مرجعيّتي ما نشر في هذه المجلّة لسبب بسيط هو أنّ اتّجاهها لم يتبلور إلاّ بعد هذا الوقت. بعض اتّجاهها يساريّ، وبعضها الثاني وجوديّ وبعضها الثالث محاولة للابتعاد عن التسييس، الشيء الذي أخضع تجريبِيتَها إلى شيء من غياب التناسق، رغم توثيق ذلك ببيان صادر عن شعرائها ومنظّريها. كنتُ مدمناً قراءة الشعر العراقيّ التفعيليّ الذي هو نتاج هذه الفترة لا أميّز في قراءتي تلك بين من يكتبونه، ولم أكن لأنحو نحو أيّ واحد منهم، لأنّني لم أكن لأنفصل عن إنسيّة الإنسان. ما قرأته لهم كثيراً ما ألحّ على الفرديّة بشكل فوتوغرافيّ حيناً وآخر بشكل كاريكاتوريّ. يضاف إلى ذلك أنّني كنت على إلمام بمصادر «مجلّة شعر» ومصادر حركة شعر التفعيلة، الشيء الذي جعلني أرفض ما فيهما من التقليد الموارب وراء تعقيدات شكليّة ـ


 ــ بعد بغداد يمّمتَ شطر باريس. كلّنا يعرف عمق ثقافتك الفرنسية والإسبانية، إضافة إلى أنّك تقرأ بالإنجليزية، إلى أيّ حدّ تشعر بأنّ تعدّدك اللغويّ والثقافيّ وتردُّدَك في وقت مبكّر على باريس، حرّراك من النموذج الشعريّ المشرقيّ ؟ لأنّ من يقرأ شعرك يلاحظ هذا الإصرار على تجاوز المركزيّة المشرقيّة، فقد كنت ولا تزال تكتب شعرك بهاجس البحث عن خصوصيّة النصّ الشعريّ المغربي؟ 

أعتقد تمام الاعتقاد بأنّ التعدّد اللغويّ ضروريّ للشاعر الذي يريد أن يتجاوز المُمكنَ المتداول وصولاً إلى مُمكِن آخر جرت العادة باعتباره خياليّاً. يضع التعدّد اللغويّ أمام الشاعر مختلف التجارب الآتيّة من أصقاع أخرى، ويفتح عينيه على التقاط ما في المحلّي الذي يحيط به بدقّة تكاد تشبه في الحساسيّة عمل آلة استشعار. بالإضافة إلى أن هذا التعدد يسمح بمقارنة ما يبدو أنّه مستحيل القرابة، متعذّر على الإنسان الإمساك به. ذلك أن التربة التي ترعرعَتْ فيها اللغات والثقافات واحدة، تركيبها الكيمائيّ (صوتاً ونطقاً وتبليغاً) واحد وفعلها في الكائن الإنسانيّ (اتّصالاً وتبليغاً وتجاوباً) واحد. الشعر كلّ الشعر نتاج هذه التربة. يبقى أن البحث عن الخصوصيّة لا يمكن أن يستسلم للشاعر إلاّ حيث يعرف هذا ما وصل إليه الآخرون وما ارتادوه من السبل الصعبة غير المطروقة، وما حاولوا الوصول إليه بعرق جبينهم لا بالمحاكاة الصارخة. محاولة البحث عن السبق ومحاولة الجري وراء الصيت ومحاولة التفرّد والمركزة عمليّات تتمّ خارج العمليّة الشعريّة، فهي إذن مساومة غال برخيص ومقايضة نفيس بزهيد. إنّ الإلحاح على خصوصيّة القصيدة المغربيّة يدخل في نطاق العمل المبرَّر الذي يهدف إلى أن تكون هذه الخصوصيّة عصباً حيّاً في جسد كُلِّي. في جسد الإبداع العام للإنسان.وتهدف هذه الخصوصيّة إلى إسهام الخاص في مدِّ العام بلون يُكوِّن مع الألوان الأخرى تمام المنظومة الكونية للإبداع الشعري، منظومة تتشكّل من مجموعة من الأنساق بعدد ما في الكون من الحساسيات. ألا ترى معي أن المناخ هنا غيره هناك، وأنه هناك ذو تركيبة فيزيولوجية لا تتوفّر له هنا ؟ هذا المناخ الخاص هو الذي يجب القبض عليه من أجل دمجه في باقي المناخات الأخرى من أجل التوصل إلى خلق وحدة شاملة له تتحقّق معها كونية الإبداع دون اتِّكاء على نزعة سياسية أو إثنية ـ


 ــ تتميّز قصيدتك بعمقها الفكريّ والمعرفيّ، كما تتميّز بصعوبتها وغموضها، فأنت تكتب «القصيدة العالمة» التي تمتزج فيها المعارف والفنون، إضافة إلى توظيفها المكثّف للتراث العربيّ والإنسانيّ. ألا يضايقك أن تكون قصيدتك بسبب من ثراء عالمها الشعريّ- ممتنعة إلى حدٍّ ما على القارئ العام؟

 الشعر غير الأجناس الأدبيّة الأخرى. فقراءة الشعر بصرية وجوانية وانفعالية، بينما قراءة الأجناس الأخرى بصرية رافدها الترفيه في أغلب الأحيان. لذا فإن القارئ العام يستهدف المتعة العابرة والقارئ الخاص يستهدف إجلاء الغوامض، لذا يلزمه أن يتملك غريزة حب الشعر والركض معه إلى عمق أعماق المجاهيل التي يرتادها. ثم إنّ القضية تحتاج إلى أن نفرق بين غموض لذاته وآخر لصالح ما تودّ القصيدة إيصاله إلى قارئها. الغموض لذاته مجّاني، والغموض لصالح القصيدة يدخل في إطار أدواتها البنيوية اللازمة لها، إذ بغيرها لا تكون. ثم إنّ القضية نفسها محتاجة إلى التفريق بين نقل الهواجس الفردية للذات والهواجس العامة للذوات الأخرى. الهواجس الفرديّة انشغالٌ بالأنا عن البحث في النحن، وهو عمل إن يكشفْ عن شعر فلا يكشف إلا عن حالة «باثولوجيّة» مرَضية، أمّا الهواجس العامة فتذكيرٌ بأن الفعل الشعري ليس عبثاً يقصد به التسليّة، وإنما هو عمل يسهم في تحسيس الآخر بما حوله، هو عمل هادف. ولأنّه عمل هادف فلا مجال فيه لإقحام الذاتيّ وإبعاد الموضوعيّ عنه، من هنا فإن بلورة الفكريِّ في القصيدة أمر حتمي حتى ولو يكون هذا الفكريُّ منازلة عقليّة تتصارع فيها الأطروحات المختلفة. أيهما أحسن، أن تؤسّس مقولات على دعامة عقليّة، أو أن تؤسسها على دعامة تجريدية، رغم أن التجريد في أحسن أحواله بناء مجازيٌّ واستعاريٌّ وكنائيّ جميل. لو يستطيع الشاعر أن يصوغ من النموذجين قصيدته الخاصة، يمكن أن يحصل على مقروئيّة واسعة. وفي مجال هذه المقروئيّة، ينبغي أن نميز بين مقروئيّة سريعة وهي ما يميل إليه أغلب قرّاء الشعر، ومقروئيّة متأنيّة وهي التي يدّعي النقد ممارستها. الأولى هي المتحجّجة بجماهيريّة الشعر، وهذه انتهت بانتهاء سلطة الالتزام الأدبي والفنيّ الاشتراكيّ والوجوديّ، والثانيّة هي التي يمارسها النقد فلا يصل منها إلى أكثر من إعادة إنتاج النص موضع النقد بشكل سيّء. من هنا يكون لزاماً أن يُعاد النظر في صنفي هذه المقروئيّة، بالتنبيه إلى أن الشعر ليس أداة ترفيه بحيث يسلس قياده بسهولة إلى المتلقي، بل هو معاناة عيش وإثراءٌ معرفيّ. وكذلك بالتنبيه إلى محاولة إبعاد مصطلح النقد الذي لا يتورّع عن استعمال القلم الأحمر وهو ينتقد نصاً ما، وتعويضه بكلمة مقاربة ذلك أن هذه تتوخّى في النص الشعري البحث عما فيه من نسق خاصّ به، وفي النصوص الشعريّة لشاعر واحد تسلسل هذا النسق من البسيط إلى المُركّب، وإذا كان الأمر متعلّقاً بشعر حقبة كاملة أنجزه شعراء مختلفون بالبحث فيه عن نسق الأنساق، ممّا يبرئ هذا النقد من عدوانيّته الفرديّة والجماعيّة وييسّر به الوصول إلى كنه هذه النصوص بأقرب السبل وأقومها ـ 

ــ أنت تعتبر أكثر الشعراء المغاربة ارتباطاً بالتصوّف. لكنّك بالمقابل تنتقد بعض التجارب السطحيّة التي تدّعي الانتماء إلى الأفق الصوفيّ مكتفيّة بترديد بعض المصطلحات الصوفيّة في شعرها، حتّى إنّك شبّهت الصوفيّة في الشعر المغربيّ بقميص عثمان، كيف ذلك؟ 

سبق لي أن قلت مراراً أن صلتي بالتصوّف صلة ثراء من حيث ما يتيحه لشعري من إمكانيّات معرفيّة سأجملها فيما بعد، لذا فليست لي أيّة علاقة بالممارسة إطلاقاً، بل إنّني لأدين ما في هذه الممارسة من أشكال وثنيّة بعيدة كلّ البعد عن دقائق ما يعيشه الإنسان المعاصر، الإنسان الرقمي. أدين ما فيها من تراتبيّة كنسيّة وما فيها من تبعيّة مطلقة لشخص آخر.(أنا مريدٌ مشاغب) إذا شئت. لكن لنتفق على أن هناك فرقاً بين صوفيّة الشعر وتصويفه، بين تسويغ الاستفادة من إمكانيّاته وبين استنساخه الحرفيّ أو القريب من الحرفيّ. استفدتُ من التصوّف المزاوجة بين الحس والحدس مزاوجة تسمح لي بتخطّي «طابوهات» القواعد المقدّسة، استفدت منه التمرّد على الجاهز وتعويض الممكن بما و راء الممكن، بالمستحيل ومرونته التي تقرّبه من التحقّق، ممّا ساعدني على اكتشاف قواعد كثيراً ما يعتبرها الآخرون شذوذاً، ومهّد لي الطريق المفضيّ إلى جعل الخيال واسطةً بين المحسوس والمحدوس. وفي إطار الشكل أفهمني أن الإيقاع المنمّط صوريّ (أكان عموديّاً أم تفعيليّاً أم نثريّاً) وأن الإيقاع الحقيقي جزء حميميّ يولد مباشرة مصاحباً لميلاد الفعل الشعريّ يكتشفه الحدس ويعجز الحسّ عن التعبير عنه، وأنّه يعزّ عن الإحصاء لأنّه من الوفرة بعدد وفرة ما يكتب من الشعر. إنّ كلّ عمل شعريّ يخلق إيقاعه الخاصّ به، ولذا فهناك إيقاعات لا حصر لها. هذه الإيقاعات هي بالتأكيد ما فوق عروضيّة ومقطعيّة، بالتأكيد ما فوق حسّية. ولعلّ تقنين العروض والبلاغة هو ما ألصق الشعريّة باللغة لا غير، فسيّد الحسّ على التعبير لا غير، في حين أن الشعر كما يطول اللغة يطول ما هوّ غير لغوي من كلّ الممارسات الإنسانيّة. ما المانع في الحديث عن شعريّة مختلف الفنون، بل مختلف ما يقوم به الإنسان من حركات وسكنات ؟ الحقّّ أن هذه الحركات والسكنات إن أنجزت بشكل مباشر عادي، فهي غير شعرية، وإن أنجزت بشكل غير مباشر وغير مألوف فهي شعريّة، ولهذا فمن المحتّم إعادة النظر في هذه المسلّمات ومساءلتها قصد توسيع دلالتها وجعلها متناسقة مع اللحظة الرقميّة التي تعيشها البشرية الآن. ليس التصوّف وقفاً على ممارسة معيّنة، بل على ممارسات سابقة موغلة في القدم، نجد أثراً لها في البوذيّة والطاويّة والموسويّة والعيسويّة والإسلام، وهذا ما يشكّل ثروة معرفيّة تسمح للفعل الشعريّ بأن يرتاد مجاهلها ويتفيّأ ظلالها، وفي هذه الثروة ما يُمكِّن الإنسان من تجاوز قصور اللغات عن التعبير عن الهواجس الماورائيّة. وهنا يجب أن أذكّر بأنّ لقاء الشعر بالتصوّف قديم منذ الحلاّج وابن عربي ويوحنّا الصليبيّ والقدّيسة طيرسا الأبيليّة (لهما قصائد شعريّة في الحبّ الإلهيّ) وموسى بن عزرا الشاعر اليهوديّ الأندلسيّ الغرناطيّ (له صلوات شعريّة متهجّدة ترتّل الآن في البيع المختلفة) ورامبو (إقامته في شيبام اليمنيّة فعل صوفيّ هارب من فزع الماديّ) وبودلير (بعض خطراته ذات منحىً نسكيّ في قالب بوهيميّ) وجوته ( افتتانه بالشاعر سعدي صاحب البستان جعله يكتب ديوان: الشاعر الشرقيّ للمؤلّف الغربيّ) و«رينر ماريّا ريلكه» (في ديوانه «كتاب الفقر والموت تهجّدات ) وبوشكين (ورث شعره عن جدّه الإفريقيّ المسلم بعض خطرات باطنيّة ) و«إيليوت (قصيدته» أربعاء الرماد» تهجّد مولع بمريم العذراء)ـ


 ــ وأنت تستحضر الآن في معرض جوابك كل هذه الأسماء من رامبو وجوته حتى ريلكه وإليوت، كنت تبحث عن العمق الصوفي الذي يشغلك شعرياً في نصوص الآخر الغربي والحديث، بل وتزاوج ما بين الأصيل والحديث. وأنا أعرف، الأستاذ السرغيني، أن تفكيرك في الحداثة كانت له دائماً خصوصيته. فأنت ضدّ الحداثة المستوردة. وترى بأن حداثتنا يجب أن تكون على مقاسنا أولاً، ومنحدرة بالضرورة من تراثنا. كيف ذلك ؟

 

لسبب بسيط هوّ أنّنا لا ننتج الحداثة بل نستهلك حداثة الآخر الذي كان قبل هذا الوقت مستعمِراً، ولأنّنا نستهلكها فإنّنا نعيش بقاياه فينا. لا يعني هذا رفض هذه الحداثة، بل عيشها بوعي منّا وإلينا. (الاستفادة من «المتحوّل» والابتعاد عن «الثابت» ممّا يؤخذ على أنّه مسلّمات مطلقة) هي حداثة رائعة بدون شكّ لأنّها تكتشف بواطن ما سوف يتمخّض عنه المستقبل، المستقبل الذي سيكون الانتماء إليه من حقّ الإنسانيّة جمعاء، ولكن سيكون أيضاً لكل مجموعة من البشر طريقة خاصّة تتذوّق بها هذه الحداثة وتستفيد منها. إنّ أهمّ ما تشكو منه الحضارة المعاصرة هو الاستهلاك المدمّر للقيم. لذا فنحن «كثالثيّين» (من العالم الثالث) مطالبون بفتح الأعين على ما يحيط بنا من خصوصيّات وما أكثرها، وأهمّها التبعيّة اللامشروطة للأقوى. تقدّم مجتمعاتنا لنا من المشاكل ما لا يوجد في مجتمعات أخرى، مشاكل نحن أولى بحلّها من غيرنا لأننا على معرفة بها أكثر من غيرنا. إن التجاءنا إلى حلول بعيدة عن المناخ الذي نمت فيه هذه المشاكل، يجعلنا نصل إلى نقيض قصدنا إذا قاومنا الفقر فبإمكانياتنا وليس بالالتجاء إلى ربويّة صندوق النقد الدوليّ ـ
 

ــ من جهة أخرى، يلاحظ أنك منذ «وجدتك في هذا الأرخبيل» لم تعد تصدر دواوين شعريّة كما يفعل باقي الشعراء تجتمع لهم مجموعة من القصائد يصدرونها في ديوان. أنت تنتج في الواقع كتباً شعريّة لا دواوين. والكتابة عندك عمل شعري متماسك البناء. لماذا الكتاب الشعري بدل الديوان؟

المرحلة التي ابتدأت من سنة 1945 يمكن أن يؤطّر الشعر المكتوب فيها ما يطلق عليه اسم الديوان، وبعدها كان كلّ ما كتبته إلى الآن قصائد مفردة من حيث الشكل موحّدة من حيث المحتوى الذي يتنامى خطوة إثر خطوة من السابق إلى اللاحق. وهذا من جهة أولى اقتناع منّي بأن مفهوم الديوان يحيل على تقليد قديم سار عليه الشعراء، وهو من جهة أخرى يحيل على المفهوم الفارسيّ القديم. ولأنّني أكتب شعراً مفكِّراً فالكتاب أليق به، ولهذا تطول المدّة الفاصلة بين أسفار الكتاب الواحد. زيادةً على أنّني أرفض أيّ مقياس يسعى إلى تحديد معنىً قارٍّ للشعر بجعله وقفاً على المجهود اللغويّ الخالص. الشعر كلّ ما تجاوز التعبير المباشر والتجأ إلى اللاّمباشر في كل مايقوم به الإنسان في مجال التواصل مع الإنسان. ومن ذلك رفض التقسيم الثنائيّ الذي يميّز الشعر عن النثر، والذي يسجن الشعر في قمقم الإيقاع الشكلي، إذ في الإمكان «شعرنة» ما دأب الناس على تسميّته نثراً. الشعر مع الديوان خواطر قد تنسجم فيما بينها وقد تتنافر، وهو مع الكتاب عمل متلاحم مفكّر فيه ومبنيّ على أساس امتلاك الشاعر لمنظومة فكريّة عامّة من خلالها يرى العالم والناس المحيطين به، منظومة تبتدئ معه وتنتهي بموته، منظومة يتّسع لها الكتاب وتضيق عنها القصيدة ـ 

ــ كتابك الشعريّ «وصايا ماموث لم ينقرض»، هناك من تلقّاه على أنّه سيرة ذاتيّة لك، إلى أيّ حدّ هذا صحيح؟
 هو بالفعل سيرة ذاتيّة ويجب أن يؤخذ على أنّه سيرة ذاتيّة تؤرّخ للمسار المعرفيّ الذي تولّد عنه هذا الحب الجارف إلى الشعر. ماسبقه أيضاً من أعمالي كان جزءاً من بعض جوانب سيرتي، استفدت في بنائه من كلّ خصوصيّات الأجناس الأدبيّة انسجاماً مع رأيي الذي قدّمته وهو أن كلّ الأشياء قابلة «للشعرنة» إن تخطّت المباشر إلى اللامباشر. من أجل هذا أحبّ أن أقول بأنّ كتابة سيرتي الذاتيّة ليس مصدرها نرجسيّاً ولا استشهاديّاً ولا تبريراً لحماقات عشتها. النرجسيّة في سيرتي تتحدّث بالضمير المفرد نيابة عن الضمير الجمع، الاستشهاد الفردي جزء من الاستشهاد الجماعي، تبرير الحماقات المفردة إدانة للحماقات الجمعيّة التي ترتكب باسمي المفرد ويتحمّل اسمي الجمع تبعاتها ويداريها سكوت الآخرين عنها ـ

كسؤال أخير، ما رأيك، الأستاذ السرغيني، في من يعتبرك شاعراً تجريبيّاً بل وأكثر تجريبيّة من شعراء قصيدة النثر من الشباب؟

التجريب فسخٌ للعقدة مع التجربة الراهنة المهترئة من أجل اكتشاف تجربة وليدة تحمل بذرة التطوّر الخلاّق. التجريب هو النسغ الحيّ الذي يتغذّى منه الشعر، هو غذاؤه الأرضي الذي يضمن له النمو والتجذُّر في حياة الناس، وعكسه هو السير على النمط القارّ والتقيّد به. التجريب تجاوز الممكن من أجل خلق ممكن آخر له مواصفات باهرة عليها سوف يتأسّس مفهوم جديد وأبنيّة إبداعيّة صدامية هدفها عدم إبقاء ما كان على ما كان عليه. يبقى أن أشير إلى أنّ هناك فرقاً بين تجريب استنساخيّ وآخر واعٍ بما يقدّمه التجريب المعقلن الذاتيّ من روافد تمدّ العمل الشعريّ باللقاح المضادّ لكلّ محاكاة مجّانيّة ـ

08:39 |  Facebook

06.11.2010

سدوم الشاعر محمد بنطلحة

في ديوان محمد بنطلحة سدوم:

  تعالق النصوص وشعرنة الميتالغة 

رشيد يحياوي

bentalha.jpg 

نتوقف هنا عند ديوان "سدوم" لمحمد بنطلحة الصادر في طبعته الأولى سنة 1992 . ومدخل القراءة سينبني على المؤشرات الزمنية المصاحبة للقصائد، وكذا الصيغ التنظيمية التي اشتغلت بين نصوص الديوان ونقلته من مجرد جامع نصوص إلى خالق تفاعل نصي بينها. أي أن الديوان هنا بمثابة كتاب شعري مبني نصيا. وفي حالة البناء النصي فإن البناء الدلالي يكون مطلبا للتساؤل حول أشكال ومحتويات حضوره.

أ- مؤشرات الزمن المصاحب

من هذا المنطلق نلاحظ أن قصائد ديوان "سدوم" للشاعر  محمد    بنطلحة تنتمي  زمنيا  إلى الفترة ما بين 1988و1991. وقصائد الديوان ، حتى الأكثر قصرا ، تحرص على إعلان بطاقتها الزمنية في آخر كل نص. والإلحاح على تسجيل الزمان بهذه الصورة يتم في مقابله الإغفال الكامل لما يعين المكان . ولعل الشاعر بهذا المسلك، لا يولي أماكن الكتابة المتمظهرة في صيغة مصاحب نصي، نفس الأهمية التي يوليها لزمانها. وهذا المعطى يفيد إما أن خصوصية المكان  لم تكن حافزا مثيرا للكتابة في مقابل فضاء الزمان، وهو أمر مستبعد، أو أن الشاعر، بكل بساطة، له في مساقنا هذا مقاصد محددة من إثبات مؤشرات المصاحبات النصية الزمنية مقابل ترك نظيرتها المكانية.

ومقاصد الشعراء من تسجيل أزمنة كتابة القصائد كثيرة ، وقد يكون منها ، بالنسبة لبنطلحة في هذا الديوان، مقصد توثيقي، ومقصد يفيد بجدة  القصائد زمنيا . وإعلان كهذا بمثابة موجه قرائي يتوخى منه الشاعر خلق دائرة قرائية عند المتلقي. والشاعر طبعا قد لا ينجح في استدراج المتلقي إلى هذا الأفق المزعوم ما لم يقدم بالفعل تجربة كتابية جديدة في النص المقدم من طرفه بوصفه جديدا زمنيا. مما يعني أن المؤشرات الزمنية المصاحبة، فضلا عن غيرها من باقي المؤشرات المماثلة، تبقى ضعيفة الجدوى القرائية والإبداعية دون إبداعية في المتن ذاته.

ويقوم الإعلان عن أزمنة الكتابة بدور قد لا يكون الشاعر واعيا به، وهو تعرية هذه الأزمنة نفسها وإخراجها من السري إلى المعلن، فبواسطة التواريخ نعرف في أي شهر من شهور السنة يكتب الشاعر وفي أي أيام الشهر وربما في أي ساعات اليوم، ونعرف عدد القصائد في اليوم وفي الشهر وفي السنة . ومن هنا قد تولد أسئلة تطرح على الشاعر هذه المرة من حيث درجة انتظام الكتابة زمنيا، الاسترسال أو الانقطاع، الغزارة أوالقلة... إلخ.

وفي ديوان " سدوم " نلاحظ مثلا أن القصائد السبع المدرجة تحت عنوان " نشازات ليس إلا"  كتبت في أقل من شهر: منها خمس قصائد كتبت في خمسة أيام ، وضمن هذه الخمسة قصيدتان كتبتا في يوم واحد. وتحت عنوان " فخاخ للمعنى" نجد 13 نصا كتبت في ثلاثة أشهر متتابعة ، ومن هذه النصوص سبعة كتبت في شهر واحد . وضمن نفس هذا الشهر كتبت النصوص السبعة في النصف الأول منه.

بهذا تصبح مؤشرات التأريخ الكتابي مدخلا لما نقترح أن نسميه  "السيرة الذاتية للكتابة" ، وهذا الموضوع يحتاج إلى وقفة خاصة،لأن ما يهمنا هنا هو فاعلية الديوان في عرض هذه النصوص. بمعنى هل الصيغة الكرونولوجية هي المتبعة أم أن الديوان يعيد تنظيم النصوص وفقا لمقتضيات أخرى منها تقارُب الدلالة ومناخ التجربة.

 

ب- مؤشرات فهرس شعري

 

إننا نعتبر فهرس الديوان علامة مفصحة عن صيغة عرض وتنظيم المتن . فقد يقوم الفهرست بدور تقليدي يتمثل في تقديم قائمة بأسماء القصائد ترشد إليها أرقام الصفحات ، وقد يقوم بدور أكثر فاعلية حين يقترح بدوره قراءة بانية للمتن.

وفهرس ديوان " سدوم " لا يقدم قائمة بأسماء القصائد فقط، بل يقوم بعملية تدوين داخلي لها ، حيث إن هذه القصائد تعرض منتظمة في مجموعات عددها ستة ، هي على التوالي:

 

1 – حفلة من غبار.

2 – نشازات .. ليس إلا .

3 – حديقة كأنها الفوضى.

4 – الشيء ونقيضه.

5 – فخاخ للمعنى .

6 – ظهيرة في غير أوانها.

 

وتحت كل عنوان من هذه المجموعات انتظمت مجموعة من النصوص بنفس الترتيب الذي جاءت عليه في صفحات الديوان . لكن علاقة هذه المجموعات بتواريخ النصوص لها دلالتان هنا؛ إما أن تكون المجموعة الواحدة خاضعة لنصوص سنة واحدة، أو تدمجَ نصوصا منتمية لسنتين متواليتين وفقا لترتيب منظم كالتالي : ( الأرقام الأولى تشير إلى أسماء المجموعات المذكورة أعلاه).

 

1 -                قصائد 1988

2 -                قصائد 1989

3 –               قصائد 88/1989

4 -                قصائد 1989

5 -                قصائد 1990

6 -                قصائد 90/1991

 

وكل هذا يؤكد أن الديوان لم يقدم كرونولوجيا بسيطة بل قام بتنظيمها محدثا فيها بعض الانكسارات تبدو متعمدة وخاضعة لمقتضيات دلالية . ومن هذه الانكسارات أن النص الأول زمنيا يرد ثانيا في بداية الديوان، كما أن المجموعة الأخيرة ضمن الفهرس " ظهيرة في غير أوانها" وهي التي تقدم نصوص 90/91 أي النصوص الأخيرة زمنيا، تختتم بنص يحمل تاريخ 1990 وليس بنص 1991.

اثنان من عناوين هذه المجموعات مأخوذان من نصوص داخلية، أما باقي العناوين فهي عامة تبدو ممثلة لمشترك دلالي بين نصوص كل مجموعة على حدة. وأن كان يبدو لنا عدم وجود فوارق دلالية مهمة بين هذه المجموعات، وحتى في عناوينها نجدها تلتقي في دلالة عامة تفيد الفوضى واللاتنظيم والوقوع في مأزق ما ، هناك ورطة وأشياء ليست في محلها . وبتعبير عناوين المجموعات نفسها نجد أن هناك فوضى وغبارا ونشازا ونقيضا وفخاخا للمعنى وزمنا ليس في أوانه.

إن عناوين القصائد في صيغتها الواردة في الفهرس خاضعة إذن لتنظيم معين يفصح عن كون الديوان ليس مجرد تجميع للقصائد بل هو تنظيم لها كذلك، وإذا كان بإمكاننا أن نقارن بين كل عنوان وقصيدته على حدة، فإن الفهرس يمكن اعتباره بدوره فضاء نقرأ في ضوئه عناوين القصائد كاشفين عن بعض أوجه العلاقة بينها.

 

ج- مؤشرات المعجم وجسور الدلالة

 

ما يبدو لنا بارزا في هذا الفهرس أن عناوين القصائد الواردة فيه تبدو بمثابة قائمة لغوية من المصطلحات والعبارات المسكوكة الشائعة ، نمثل لها بما يلي: رؤوس أقلام، ضربة مقص ، سري جدا، مدخل نظري، رتوش، طبق الأصل، تصويب باختصار، قصص قصيرة ... الخ ، وهي عناوين قصيرة مكونة في غالبها من كلمات مفردة أو من مركب إضافي .

ونعتقد أن الفهرس بتقديمه هذه القائمة اللغوية يستدرج القارئ إلى قراءة خاصة للديوان ، حيث يصبح السؤال مطروحا حول مسلك القصائد في تعاملها مع عناوين تبدو شائعة في الكلام العادي أو في الصحفي أو في الاصطلاحي. والقصيدة في هذا المنحى تدعو لقراءتها من حيث هي لغة واصفة كذلك.

وباستسلامنا الفعلي لهذا الأفق الذي يوجهنا إليه فهرس الديوان، نجد أن انتظارنا لا يتم تكسيره بل تدعيمه . وهكذا يفضي بنا الفهرس إلى أن نحدد خاصية نعتبرها من أهم ما يميز تجربة بنطلحة في هذا الديوان ، نقصد تحول القصيدة لتشتغل شعريا انطلاقا من لغة واصفة تذوب في نسيجها مفاهيم ومصطلحات منتمية إلى فنون وعلوم متخلفة . وعناصر هذه اللغة كثيرة نكتفي بذكر بعضها لنؤكد كثافة حضورها في نصوص الديوان : الخطأ العروضي، الضرورة، ثاء الإيقاع، الحركات، قواعد الملهاة ، الشعر القديم، الديكور، التشويق ، الحدس، المنطق الصوري، الأيقون ، معجم ، قصائد الأعشى، الورق المقوى، عبيد الشعر، فصاحة ، رمز، طباق ، استعارة ، العبارة ، أفق انتظار، الراوي ، القارئ الضمني، المتن، الشراح، الوجود الفلسفي، السرد، المصطلح، رأس المال، الخيال الأبيسي، مؤتمرات صحافية، علم الطبيعة، لذة النص، الوعي الشقي، الشعارات الكثيرة، الإقواء ، الصولفيج، مجلس الشعب، نقط وفواصل ، النون، الكاف، بيت القصيد، فهرس، الأبجدية، سلامة التعبير..الخ.

ليست هذه سوى أمثلة لعدد كبير من المفردات والعبارات المماثلة ، وهي ليست خاصة ببعض القصائد، بل عابرة لأغلبها. وتمثل العناوين المثبتة في الفهرس خير مثال لشيوع هذا الاختيار التعبيري، وبهذا يكون بنطلحة قد سعى إلى إبعاد القصيدة من لغتها المألوفة إلى لغة الخطابات اللغوية ذاتها. وربما بدأت المعادلة الصعبة من هنا بالذات: أية شاعرية هذه التي تولد من كلمات لم نتعود استعمالها في الشعر، وليست لها تراكمات في ما توحي به، أوفي انفتاحها على تعدد التأويل المبني على البناء المجازي ؟  ثم كيف يصبح الخطاب الميتالغوي خطابا للشعر؟

ليس قصدنا هنا أن نجدد القول بمعجم شعري وآخر غير شعري. لكن الأكيد – في تقديرنا – أنه من بين هذه الآلاف من مفردات اللغة، توجد كلمات أكثر قدرة من غيرها على تمكين المبدع والمتلقي معا من محمولات رمزية أكثر كثافة تنشحن بها عند التركيب في السياقات والمقامات المناسبة. وهذا لا يعني بالطبع أن في اللغة كلمات قوية وأخرى ضعيفة بقدر ما هنالك كلمات أغنى التداول الشعري طاقتها الإيحائية أكثر من غيرها. واللغة بعامة تُخلق خلقا جديدا حين تدخل الشعر، ومرد هذا الخلق الجديد  لطبيعة العلاقات المجازية والبلاغية والنحوية والتداولية التي يضعها فيها الشاعر.

وإذا كانت اللغة الشعرية بعيدة عن لغة التواصل اليومي في تركيبها ومجازها، فالأحرى أن تكون بعيدة عن لغة الحجاج والمطارحات المنطقية والنقدية . وفي الشعر المغربي هناك تجربة أخرى سابقة تمتح بدورها من اللغة المفهومية، وهي تجربة الشاعر محمد السرغيني ، حيث تبدو الكتابة عنده خاضعة لسلطة المقروء بمفاهيمه ومصطلحاته .

وهذا الاختيار الشعري ليس جديدا في حد ذاته ، فالشعراء القدامى والنظامون وظفوا بدورهم في نصوصهم مصطلحات علوم متنوعة كالعروض والقافية والنحو والبلاغة والفقه ... الخ. كما ذكروا في قصائدهم دوال النقد الشعري مثل الشعر ، القريض، الرجز ... الخ.  ومثلما تحدث بنطلحة في ديوانه هذا عن القصيدة والكتابة ، تحدث القدماء بدورهم عن شعرهم، بل أثاروا أزمة الكتابة : "هل غادر الشعراء من متردم".

والفارق بين القديم والحديث يتمثل في نوع الأسئلة الجديدة التي يطرحها الشاعر عن نفسه. في شعر أدونيس على سبيل المثال نجد إشارات كثيرة للغة الشعرية . وهذا الإشارات في مجملها ترجمة لفكرة الحداثة التي نادى بها أدونيس ، حيث تشير نصوص هذا الشاعر إلى جدة لغتها واختلافها عن الساكن المألوف. يقول أدونيس:

 

" تستعير المجاز غطاء

والغطاء هو التيه -

هذي حياتك تجتاحها كلمات

لا تقر المعاجم أسرارها / كلمات

لا تجيب ، ولكنها تتساءل – تيه

والمجاز انتقال

بين نار ونار

بين موت وموت " . (المطابقات والأوائل ص 155 ) .

 

في بعض نصوص بنطلحة في ديوان "سدوم" لا نجد فقط فكرة الحديث عن الشعر بل يتم هذا الحديث بواسطة عتاد من الميتالغة. وهذا المعطى يدعو لقراءة الكتابة الشعرية من زاوية غير تقليدية، ذلك أننا لو توقفنا عند النظرة الجزئية لبعض الاستخدامات اللغوية الاصطلاحية لوجدنا أن بعض الأبيات بل بعض المقاطع لا تعدو أن تكون جملا نقدية لا علاقة لها بالشعر:

 

" أو تشخيص بعض مشاهد الإعدام

بالتدريج والبطء الضروريين للتطهير

من عقد الكتابة

والوجود الفلسفي ؟" ( الديوان ص 18) .

 

ففي أسطر كهذه لا يمكن أن نكتفي بالوقوف عند الصورة البلاغية وانزياح التركيب والإسناد اللغوي، حيث تبدو كلمات هذه الأسطر الشعرية خاضعة لسلطة التداول النقدي، محترمة لتقريرية النثر ومواضعات النحو والاستعمال . يجب أن ننظر إلى أمثال هذه الأسطر داخل النص ككل وفي إمكانيات التقابل التي تحدث بينها وبين أسطر ومقاطع أخرى.

في الديوان تطالعنا كلمات قد تحتاج من بعض القراء العودة للمعاجم لضبط معانيها الوضعية أولا، وكأن الشاعر بذلك يشعرن "المهمل" أو "الغريب" : ( ثؤباء ، الطرخون، وجاق، سمحاق، شمراخ، قوراء، دعجاء، عرجون، مزات، هندباء، زنبرك، برغي ..الخ). وفي الديوان كذلك حرص واضح على استدعاء مجموعة من أسماء الحيوانات والطيور والحشرات: ( خنزير ، نورس، ماعز ، خيول ، سنجاب ، ثيران ، حصان ، سوسنة ، ذئب ، ديك ، نمل ، رتيلاء ، نحل ... الخ)  ومن شأن هذا المعجم المقترن طبعا بالمعجم الاصطلاحي توليد دهشة لدى القارئ وإثارته بل استفزازه بجعله في مواجهة مفردات لم يألف توظيفها في الشعر . وكل هذا يسهم في توسيع مرجعيات اللغة الشعرية وآفاق دلالاتها خاصة أن الشاعر محمد بنطلحة يخلق بين ذلك جسورا متعددة من أهمها الخطاب الساخر الذي يوظف فيه الميتالغوي والمهمل والمعجم الحيواني .

إن نص بنطلحة في هذا الديوان مشغول بالحديث عن نفسه وعن لغته، وهو في هذا الحديث دائم البحث عن ذاته، وهو بمعنى آخر نص يعيش حالة قلق وجودي:

 

" رب قائل : ما هذه الصور،

والحواشي؟"  ( الديوان ص 44).

 

هكذا يسائل النص قارئه مضمنا بذلك وعيه بالاختلاف والمغايرة التي هي في آخر المطاف من حكم القارئ. ونص "هيهات" مثال دال على هذا المسلك الشعري، يقول في بدايته الشاعر:

 

" من أي نازلة

سيختلق الغبار الدائري

رواية أخرى

أمن أفق انتظار لم يكن في البال؟

أم من حنكة الراوي؟

أنا عندي اقتراح :

أن يدس القارئ الضمني نملا جائعا

في أنف خادم شهرزاد

وأن يقوم بمدح فجر كاذب" .( الديوان ص 16)

 

وهذا النص لا يطرح فقط مأزق الكتابة القديم الجديد ( هل غادر الشعراء...) ولا يعكس فقط حضور المقروء النقدي ( أفق انتظار ، القارئ الضمني ...) ، بل إنه ينطلق أيضا من الشعر ليتساءل عن كتابة تنتمي إلى الرواية والمسرح كذلك. هل هذا يعني أن الشعر سيتكلف بحمل أسئلة أنواع أخرى ؟ لعل هذا المقصد هو المفسر للسبب الذي جعل بنطلحة يختار لأحد نصوص الديوان عنوان : " قصة قصيرة" مع كون هذا النص لا يتعمد محاكاة نماذج القصة القصيرة ، إنه مجرد عنوان للمفارقة ومأزق الكتابة. وما يصدق على هذا العنوان يصدق على أخرى حيث تبدو العناوين وكأن لا علاقة لها بنصوصها . فهل هي محاولة لكسر الوظائف التقليدية للعناوين أم أنها " نشاز عفوي" على حد ما ورد في عنوان أحد النصوص؟

ومع أن هذا الديوان يسترجع علامات وفضاءات من قصائد سابقة لبنطلحة وبخاصة من ديوانه "نشيد البجع " الذي تهيأ لنا الاطلاع عليه دون الديوان الثاني " غيمة أو حجر"، فإنه  أكثر هوسا بقلق التجريب، أما الذي يؤرقه فهو البحث عن قصيدة أخرى لم يكتبها بعد.

إن صدور "سدوم" لم يعكس مرحلة في تجربة صاحبه فقط، بل أيضا مرحلة في مسار الشعرية المغربية. أقصد مرحلة البحث عن نموذج يكسر في الوقت نفسه كل نموذج لينكسر بدوره. ولعلي لست مبالغا إذا قلت إن هذا الديوان يمثل بيانا شعريا بلغة الإبداع للقصيدة المغربية في الثمانينيات والتسعينيات. بيان لا يهدف بحكم طبيعته اللغوية الشعرية لرسم خطوط تلك المرحلة وآفاق مستقبلها أو تقييمها ونسج أدبياتها الفلسفية، ولكن لجعلها تفصح عن مخاضها وانزياحها وقلقها بصوت مسموع أكثر.

22:07 |  Facebook

25.10.2010

عن الشِّعر المغربي المهجري


podcast

  عن الشِّعر المغربي المهجري

  شعريّات مهاجرة بين منفى الكتابة وأسئلة التجربة

 

عبداللّطيف الوراري

بالنظر إلى الموقع الجغرافي الاستثنائي للمغرب، فقد كانت الهجرة بالنسبة لأبنائه أفقاً للترحال والكتابة، والمغامرة أيضاً. ولم يعدم الأدب المغربي، من عصر إلى عصر، مهجريّيه من الشعراء والكتّاب والرحّالة. وكان هؤلاء يهاجرون، في بداية الأمر، إلى المشرق لأسبابٍ ترتبط بالعصر نفسه، منها الحجّ أو الرحلة والاستكشاف أو العمل المهني والسياسي ومتابعة الدراسة. ابتداءً من ابن بطّوطة المهاجر الأكبر، وصولاً إلى عبد الكريم بن ثابت وعبد الكريم غلاب ومحمد برادة ومحمد السرغيني وأحمد المجاطي ورشيد يحياوي ومحمد لفتح وسواهم ممّن عاشوا أجواء الحياة الثقافية في هذه البلاد لفترةٍ، وتأثّروا بها، وقد كتب معظمهم عنها في رواياتٍ وسير ومذكّرات وشهادات. ولم يعرف أدباء المغرب، في مهجرهم، «منفاهم الأدبي» إلّا في بحر السبعينيات من القرن المنصرم، ولاسيّما أولئك الذين هاجروا أو نفوا إلى فرنسا، بعد أن تعلّموا لغتها في المغرب زمن الحماية، فاحتضنهم الوسط الثقافي هناك. ولعلّ أشهر هؤلاء هم: إدريس الشرايبي، محمد خير الدين، الطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي. ومعظمهم كان يكتب في سياق ثِقْـل ثقافي وسوسيوتاريخي ضاغط كانت ترهنه، باستمرار، العلاقة الاستعمارية بين فرنسا والمغرب. وإذا كان هذا الرعيل الأول من كتّاب المهجر المغاربة يعاني من تلك العلاقة المتوترة مع لغة الآخر المُسْتعمِر، مُتحوِّطاً من أن تستدرجه إلى مواقعه الفكرية والسياسية، فإنّ هناك جيلاً جديداً هاجر إلى فرنسا أو نشأ في فضاءاتها أو ولد بها، بدا مختلفاً يكتب مُتحرّراً من عقدة المستعمر الأجنبي، وأصبحت الفرنسية بالنسبة لديه أداةً تعبيريّةَ للبوح وارتياد الحرّية. ولقد خلق هذا الجيل المتكوّن من حساسيّات ورؤى متعارضة بين الشعر والسرد، (محمد حمودان، محمد العمراوي، سهام بوهلال، عبد الله الطايع، سليم الجاي، رجاء بنشمسي، ماحي بنبين، إدريس الحداوي، سميرة العبشي، هدى روان، محمد رزان وسواهم) حراكاً حقيقيّاً ومتنامياً في أوساط المهاجرين والمشهد الثقافي الفرنسي على السواء. وفي فرنسا أيضاً، هناك من المهجريّين من جاء إليها بعدما درس في أرض الوطن وناضل داخله، وقلبه مشغوفٌ بالعربية يكتب بها ويبدع فيها (جمال بدومة، عبد الاله الصالحي، احساين بنزبير، محمد المزديوي، عبدالله كرمون، ميلود غرافي، المعطي قبال، حنان درقاوي وسواهم) ـ
ولقد تعدّدت اليوم المهاجر المغربية في أوروبا وخارجها، وبات هناك العشرات من الكتّاب والشعراء الذين يكتبون باللغة العربية أو بلغة الدول المضيفة أو بهما معاً: في بلجيكا (علال بورقية، طه عدنان، عبد المنعم الشنتوف، محمد الزلماطي، عيسى آيت بلعيز، غباري الهواري وسواهم)، وفي ألمانيا (محمد مسعاد، مصطفى الحجاج، عبد اللطيف بلفلاح، عبد اللطيف يوسفي، رشيد بوطيب، وردة صافو، نور الدين بلهواري، ريم نجمي وسواهم)، وفي هولندا (عبد القادر بنعلي، فؤاد العروي، مصطفى استيتو، حسن حجي، حفيظ بوعزة، سميرة العياشي وسواهم)، وفي إسبانيا (نجاة الهاشمي، رشيدة لمرابط، نبيل دريوش وسواهم)، وفي إيطاليا (أحمد لوغليمي، أسماء غريب وسواهما)، وفي إنجلترا (يونس بن ماجن، عبد الإله كرين وسواهما)، وفي جمهورية التشيك (عمر منير وسواه)، وفي النرويج (زكية خيرهم وسواها)، وفي الولايات المتحدة (فدوى مساط، خالد سليكي، نجوى المجاهد، ليلى العلمي وسواهم)، وفي كندا (هشام فهمي، عبدالرحمن بكار وسواهما) ـ 
إنّنا أمام ظاهرة حقّاً، ظاهرة المهجريّة. يبرز لنا التحوُّل الجذري اللّافت الذي طال مسألة الهجرة والوعي بها، وعلاقتها المتوتّرة بالكتابة، بالقياس إلى ما كان متداولاً قبل عقدين أو ثلاثة. وتسمح لنا هذه الوضعيّة المعقّدة من تارخ المهجريّة المغربية في الأدب والفنّ معاً، بإبداء هذه الملاحظات: ــ
أ- تكشف الوضعية حقيقة الانتماء الصعب والمركَّب إلى عالمين متناقضين، وثقافتين بينهما عناصر توتُّر. وإذا كان ذلك يشكّل مصدر ثراء واختلاف بالنسبة للأدباء الشباب من الجيلين الثاني والثالث، إلّا أنّها بالنتيجة تسم كتاباتهم بروح التساؤل والحيرة واللّايقين والقلق بإزاء موضوعات اللغة والذات والمكان ـ
ب- أغلب المهجريّين الجدد، يجهلون العربية، ويكتبون بلغات الدول التي ولدوا بها ونشأوا فيها، ولم يعرفوا المغرب بلدهم الأصلي إلّا عبر البطاقات البريدية، أو من خلال العطل و الزيارات العائلية، وأحياناً يتحدّثون عن المغرب ككُتّاب أجانب، وهو ما يقوّي الشعور الحادّ لديهم بالمنفى وانشطار الهويّة ـ
ج ــ ومن هؤلاء من لهم صيتٌ بأوروبا، واختيروا كأهمّ كُتّاب في بلدان المهجر التي يعيشون بها، وكتبهم بلغت مبيعاتها سهْماً مُحترماً، وحظوا بجوائز أدبيّة معروفة، لكن أعمالهم لم تترجم إلى العربية وليس لها صدى ببلدهم الأصلي المغرب الذي يُجْهلون به ـ
د-  بالمقابل، هناك قطاعٌ آخر من أدباء المهجر من غادروا البلاد في سياقات مختلفة، ووجدوا أنفسهم موزَّعين بين «المنافي» بأوروبا وأمريكا الشمالية حيث يعيشون حياة جديدة، لكنهم يحرصون على الكتابة بالعربية، وبالتالي يبدون أكثر من سابقيهم اندماجاً في الحراك الثقافي المغربي على مستوى النصوص والأعمال التي ينشرونها بالمغرب وتتداول بين النقّاد والقرّاء، أوالحضور الثقافي (ندوات، مشروعات ثقافية، مجلّات، مواقع إلكترونية، حوارات صحفية..) ـ
 وأيّاً كان، فإنّ الكتاب المغاربة المنتشرين في بقاع العالم يُشكّلون قيمة مضافة لأدبهم الوطني الأصلي، وهم يُدْخلون «رَعْشاتٍ» جديدة في أنساغه واساليب رؤيته وتعاطيه مع أسئلة العالم، منخرطين، بالتالي، في إعادة صوغ الهويّة الفردية والجماعية للمغاربة المتجدّدة في تعدُّدها وانفتاحها وتطوافها. وفي هذا السياق، يجب أن ندرك أنّ جزءاً مهمّاً من أدبنا يتشكّل في المهاجر بلغاته العربية والفرنسية والإسبانية والهولندية والألمانية والإنجليزية والإيطالية، بل حتى باللغات الإسكندنافية ـ

أنظر الدراسة كاملة في مجلة (نزوى) العمانية، العدد الرابع والستون، أكتوبر 2010م

http://www.nizwa.com/articles.php?id=3537

 

18:01 |  Facebook