!مرحباً بكم في ( أفق الشعر المغربي)، أوّل أنطلوجيا إلكترونية للشعر المغربي، هنا والآن

Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

26/05/2015

::

الشعر المغربي المعاصر:

 سؤال التقاطعات والإبدالات الإسمية المنتجة

 349.jpg

محمد بودويك  

   عرف الشعر المغربي المعاصر كباقي الشعر العربي، والشعر العالمي، تبدلات، وتغيرات وتحولات، طالت لغته وبناءه، وكيفيات صوغه، ورؤيته، وامتدت تلك الأحوال التي اقتضاها منطق التطور إلى رؤياه. ويمكن تحديد تلك الحقبة التي شهدت هذا التطور اللغوي والجمالي، في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، وفي ما تلاه من عقود بالقوة والفعل. وفيما كانت السبعينات تعرف حراكا غير مسبوق، على مستوى السياسة والاجتماع والثقافة والحقوق الإنسانية، تغلغل إلى المنظومة التعليمية والثقافية، وتسرب إلى الشعر، وأساليب التعبير والتشكيل الأخرى، ما أفرز منظورا جديدا للواقع السياسي، والاجتماعي والثقافي قوامه مصارعة التقليد، وخلخلة البنى المجتمعية المتكلسة، وزعزعة نظام سياسي أحادي لا ديمقراطي لاشعبي، فإن الثمانينات تلقفت منتوج وحصائل هذه الصراعات، وذلك التجديد الذي تحقق في العطش والدم واليأس والأمل والحلم.

أي أن العقد الثمانيني حل، والمهادات ناجزة تقريبا، والمعارك السياسية والثقافية، خافتة نسبيا، والعنفوان الأدبي متحصل ومتمكن من أجناس أدبية وفنية مختلفة وفي مقدمتها الشعر والتشكيل.

لقد تضافرت عوامل ذاتية وعوامل موضوعية من أجل عصرنة برانيات وجوانيات براديغمات مؤسساتية، وأنظمة فكرية، وثقافية، وأدبية، وفنية مختلفة، وانشبكت معطيات واقعية ورمزية لتحدث أثرها في بنيان وعقلية وذهنية المجتمع بعامة، وفي بنيان وعقلية وذهنية النخب الثقافية والنخب السياسية بخاصة.

فالشعر – وهو مجالنا وقيد يدنا – أوتي لغة تصويرية جديدة، وبناء لغويا جماليا مختلفا عما عرفه العقد الستيني تعيينا، إذ لا شعر قبل زمن الستينات عدا نزرا يسيرا جدا، وعدا ركاما من النظم، والتقليدية الفقهية – إذا استثنينا الرومانسيين المغاربة – الذين كانوا صدى "لأبولو" و"للرابطة القلمية"، ولم يخلفوا شعرا رومانسيا ذا طابع مغربي صرف عليه من وعثاء البحث والتنقيب، والتأصيل والبناء، ما لا تخطئه العين. ومع ذلك فإن شعر محمد الحلوي (المشاء تقليديا)، وعبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم بن ثابت، وعبد المالك البلغيثي، يشكل مُجْتمِعا، نقطة الضوء في مسير الشعر المغربي.

فالسبعينات هي الحقبة التي تحقق فيها جديد شعريٌّ، وتحديث لغوي، ومضاء ثقافي، وقوة مرجعية، وانصهار لآفاق شعرية مختلفة غذت التجربة الشعرية المغربية، ومنحتها العنفوان والميزان والقياس نظير شبيهاتها العربيات في العراق والشام ومصر. ولا يخفى مقدار العَنَت الذي عاناه شعراء الحقبة المذكورة، إذ الأمر يتعلق بـ : "المواجهة والتأسيس"، مواجهة "الفراغ"، وسقوط السند، والنظر بغضب إلى الخلف كما يعبر "جون أوزبورن"، وهو ما دفع إلى التأسيس، التأسيس من البدء، والتأسيس – من وجهة نظر متفائلة وواقعيةعلى جهد شعري مشع على قلته، وتفرقه، وواحديته، جهد ستيني كان على السبعينيين أن يُبْرُوه، ويفسحوا المجال لأصواتهم حتى ينصهر معهم، وينصهروا ضمنه أخذا بعين البصر والبصيرة، التحولات والإبدالات التي لا مناص منها للتحديث، والتجريب، وكتابة نص شعري مغربي.

واقتضى منطق التطور، وانقلاب المعايير والقيم الفنية، بروز كتابة جديدة ، هي كتابة الجيل الثمانيني، وهو الجيل الذي كثر حوله اللغط، لأنه أكثرَ من اللغط. إذ كانت له الشجاعة والجرأة في أن يكتب نصا شعريا مُبْدلا، ويوازيه بنص نقدي ونظري، حرك الساحة الثقافية، والرأي الشعري العام، وحرك، بالتلازم ، كتابة نصية متعددة انتصرت للذات والأنا، وانتصرت للكتابة الجمالية، أي للشعر، معتبرة أن السبعينية، وإن صنعت فجرا ناجزا للقصيدة المغربية، فإن الجمالي فيها طُمِس تحت أسمال "السياسي"، وزعيق المباشرة الكلامية، و"اليافطات" الشعاراتية. والحال أن رَمْي الشعرية السبعينية كاملة بـ "السياسي"، هو تَجَنٍّ وتعالم، أو خطأ في توصيف الثيمة المركوزة داخل النص الشعري السبعيني. فالأمرلاينبغي أن يطول السياسي بقدرما ينبغي أن يطول "الحزبي" الضيق أو "السياسوي". هو، إذن، خطأ مصطلحي، ونُبُوٌّ مفهومي، واصل حضوره في المدونة النقدية الثمانينية والتسعينية، وتلقفه بعض "النقاد" من دون قراءة هادئة ولا تمحيص.

لا نخفي حضور الحزبي والإيديولوجي الفج في نصوص بعض السبعينيين الشعرية بشكل معيب حوَّل القصائد إلى منشورات وبيانات وبلاغات سياسية، غير أن هذا "الشعر" مات، بموت "الإيديولوجيا" الضيقة التي تغنت بـ "المركزية الديمقراطية" ، وتهييج المدرجات الجامعية ، والساحات العمومية .

لكن السياسي المنصهر بالجمالي واللذين حققا النص الشعري السبعيني، وكتباه، لم يكن عيبا ولا مثلبة يرمى بها الشعر، أي شعر. فالسياسي، كعنصر بَانٍ، كمضغة كامنة في النص، ضرورة وحاجة ماسة، وتحصيل حاصل، لا يقوم الشعر الرفيع من دونه، إذ هو عمد وعامود، وصوت الذات وهي تواجه جحيم الواقع، وأنينها وهي تداس، وجوهرها وهو يشير ويرمز إلى الحلم الحاف، والرفيف الآتي. يقول سعدي يوسف : "فالسياسي صار أكثر اتصالا بالمعرفة منه بالسياسة كحركة يومية، وصار هذا المفهوم المعرفي يقود النص ولكن من الداخل، أي الباطن، ويمكن اعتباره نهرا خفيا يجري تحت النص".

هو ذا "السياسي" الذي عيب به الشعر السبعيني كاملا، بينما هو رافد وأُسٌّ، ونسغ داخلي يغذي النص الشعري بالرؤية التي لا محيد عنها في التموقف من قضية أو مسألة، مهما صغرت القضية، وضؤل حجمها وقيمتها. ودربة الشاعر، ومراسه، وحذقه، ونباهته الشعرية، هو ما يرفع من قيمة النص الفنية، ويضفي عليها العذوبة والجمالية، ويجعل معناها لا معنى.. غير مطواع للعابر المتعجل.. قريب المأتى على تأبيه من القاريء الذكي، غير مطواع للعابر المتعجل.. قريب المأتى على تأبيه من القاريء الذكي، والناقد الألمعي. ولعل "السياسي" هو ما أعلى تجربة محمود درويش، وأدونيس، وسعدي يوسف، وصلاح عبد الصبور، ومحمد عفيفي مطر، وأوكتافيوباث، و لوركا، وماتشادو، ونيرودا، وناظم حكمت، وبورخيس، وبودلير، وطاغور، ونوفاليس، وهلدرلين، وريلكه، وتراكل، وهوغو، وشار، وأراغون، وإيليار، وغيرهم كثير.

إنه السياسي النبيل، النهر الخفي العميق الذي يسري في أوصال النص فيوصله إلى القُنَّة، ويوفيه على الذروة، ويعليه. فالنبل السياسي هو توأم الحلم والطوباوية والفردوسية، وليس هناك أجمل من الحلم، والحلم جميل لأنه سياسي، لأنه حلم يقشر اللحاء ويكشط الحراشف، ويزيل الحجارة والبؤس من أمام، من الطريق، لتعبر أشعة الشمس، ويأتي الغد المشرق البهي مغردا في وجه الإنسان.

ولئن انتقل المعنى في الشعر الثمانيني إلى ما يتجاوز الدلالة، ويوقع في الحيرة والسؤال والإدهاش :ـ وهي العناصر الضرورية لكل شعر وفي كل شعر، نشدانا للجمالي، وصونا لصوت الذات المكلومة، ونداء الأنا المتحشرج المطموس، ما أضفى غموضا بديعا على هذا الشعر، وكساه جمالا ضمن كتابة أخرى، كتابة مختلفة ومغايرة ـ فإن ذلك لم يكن ليحصل وليتأتى – وهذه سنة الحياة والتطورلولا قدوم رياح حداثية إلى المغرب، هبت من الشام ومصر والعراق، تحمل في منقارها الأحمر واللازوردي، ماء تنعش به اليباس، وهواء لرئة الإبداع لتتنفس هنيئا مريئا. أما هذه الرياح اللواقح، فهي وفرة الشعر الجديد، التجريبي على أكثر من صعيد، ووفرة البيانات والكتابات التنظيرية في الحداثة الإبداعية، وعن الحداثة.

إذا، إلى جنب المهادات التي ساهم فيها الشعراء السبعينيون المغاربة والعرب، قامت البيانات التي دعت إلى التجديد في كل مناحي الحياة، بدورها في تفتيق الدهشة أكثر، وتفتيح العين على ما يلوح في الأفق القريب، والآفاق الإنسانية الكونية الأخرى، وشحذ اللغة شحذا صار معها الصوغ منحوتا، والشعر منعوتا، والجمالي منفوثا، والمعنى القريب الواضح، ملعونا وممقوتا، أي أن الثمانينيين الحاذقين – وليس كل الثمانينيين- سعوا إلى كتابة أخرى، كتابة "انقلابية" في بعض النماذج القليلة، بعثرت المعنى، وجنَّحت الدلالة، وأحدثت إبدالا ملموسا في لاَ وَعْي النص من حيث إبعاده أو استبعاده للنماذج العليا، واحتضانه للهموم الحياتية، والقضايا الصغرى، والمبتذل اليومي. ما يعني أن الوظيفة الشعرية، أصبحت هاجسا رئيسا لدى الشعراء، تقتضي تكثيف اللغة، وشكلنة الصفحة، والتهليل للبياض وللسواد، وأسطرة الذات المتكلمة، خلف ما به تنصهر الذات بالإيقاع الخفي العام، والإيقاع الشخصي كدال يتحكم في بناء النص وهندسته، والذهاب به إلى أقصى البوح والصمت في آن.

لم يكتب للشعراء الثمانينيين أن يحققوا هذا البعد في نصوصهم، ما خلا قلة، أما الباقي، فدخل دوامة خلافية تأسست على الثرثرة العقيمة، والشعرالسطحي الباهت، والعرضانية التخييلية الميتة، أو المشدودة إلى متخيل سبعيني أخفق هؤلاء في إخفائه ومواراته وطمسه.

إنها حساسية شعرية جديدة –كما هي الحال- فيما يتصل بالحساسية التسعينية والألفية، لكنها حساسية ناسَتْ بين الرسوخية، والتذبذب، وبين التجريبية الموعى بها، والواعية والمتاهية التي تخبط فيها. لا نقول هذا انتصارا للقصيدة السبعينية، وتفضيلا لها. فليس هناك من تفاضل إلا ما حققته أسماء بعينها شعريا، إنْ في السبعينات أو في الثمانينات أو ما بعدهما. ويمكن القول – استنادا إلى ذلك، بأن التجربة الشعرية المغربية بالتكثير، هي تجربة أسماء لا تجربة جيل غامض، جيل هلامي.

وهو ما يفيد أن الشعرية الثمانينية كما الشعرية السبعينية كما الشعرية التسعينية وهكذا.. هي تجارب اسمية، يتفاوت فيها الشعراء ،ويعلو فيها سهم على سهم. ولهذا السبب، نتحدث عادة عن سبعينيين بالإسم، وستينيين كذلك، وثمانينيين أيضا، أي عن تجارب شخصية، وأصوات خاصة، ونصوص مخصوصة. وهي التجارب الشعرية التي تتخطى التجييل والتحقيب، مستمرة بشعرها، نابضة بجمالها، مؤتلقة بمأتاها، متوهجة بدمها وتوقيعها الشخصي.

وإذا كان من فضل للثمانينية الشعرية مغربيا، ففضل تبني قصيدة النثر اختيارا جماليا، ولعله الإبدال الأكبروالأدل إبان الحقبة إياها، حتى لاأقول الإبدال الوحيد. والإنصاف يقتضي القول بأن قصيدة النثر كانت منبوذة سبعينيا أو لم يكن مرحبا بها كفاية في الوسط الثقافي المغربي، وآية ذلك أن "المومني" وهو شاعر سبعيني لم يدخل الأنطولوجيات الشعرية فترتئذ، كما أن الأطاريح الجامعية، لم توسع له مكانا بين شعراء التفيعلة السبعينيين ك: محمد بنيس، ومحمد بنطلحة، وعبد الله راجع، وحسن الأمراني ، ومحمد الأشعري وغيرهم .

وكذا فُعِلَ بتجربة المهدي أخريف الأولى النثرية، إذ لم تحظ بالاعتراف "الأكاديمي"، ولم تنل "شرف" دخول "الأكاديمية" الشعرية المغربية سبعينيا. فاستنادا إلى هذا المعطى، يمكن النظر إلى هذا الإبدال الثمانيني: (تبني قصيدة النثر) بوصفه تقدما، وفضلا وإضافة تحسب له. وبهذا المعنى، يكون الإيقاع الجديد، الإيقاع الداخلي، حاسما في هذا الإبدال، من حيث تحرير اللغة من قيود إضافية، وفك بنيانها من هندسة خارجية مُصْمَتة، وإطلاق العنان للمتخيل يبني أفقه بشكل حر ومسؤول، إذ أن قصيدة النثر – كما ينبغي التذكير- طرحت مسألة تفكيك النظم ..déversification كشرط، من ضمن شروط أخرى، لتحقيق الخروج من كتابة شعرية تتهددها التقليدية والنمطية، والارتطام بالجدار، ذلك الجدارالذي عَناهُ يوسف الخال، وتحدث عنه طويلا والذي أفضى به إلى "التنصل" من الشعر والزهد فيه، وإعلانه نهاية اللغة ، لغة الشعر طبعا .

وبناء عليه، فقد سعى الشعراء الأساسيون في هذه الفترة – وهم قلة على كل حال، إلى بناء نص مركب، مفارق ومغاير، والذهاب بالكتابة الشعرية إلى "فتنة الأقاصي"، إلى "النصنصة" بتعبير الدكتور محمد مفتاح. والقلة فقط هي التي حققت الوعد، ونقلت التجربة الشعرية المغربية إلى أفق جديد، لكن بمعية أسماء سبعينية واصلت الحفر والحضور، تنظيرا ودراسة، وممارسة نصية.

وفي هذا ما يعلمنا "لازمنية" الكتابة من حيث جوهرها المخترق، ونبضها المتعالي، وصوتها القادم من المستقبل. ويعلمنا –من جهة أخرى- أن التجربة الشعرية، تجربة أسماء بالخصوص، لا تجربة جماعية ولا قطيعية ولا يحزنون.

ومن ثمة، فواقع الحال الشعري – كما لا أمل من التكرار – يقول إن هناك تداخلا وتشابكا بين أزمنة شعرية داخل المرحلة إياها، وليس من صفاء ولا نقاء، ولاتجوهر واحدي ونهائي.

بل إن الشعر الثمانيني وما بعده تشَعْرنَ أكثر، واحتاز الجدارة الشعرية، واجترح الآفاق اللغوية والرمزية والرؤياوية المنشودة والمبتغاة، على يد ستينيين وسبعينيين، وثمانينيين طبعا. ولابد من أن تأخذنا الإشارة الموجزة هنا إلى السرغيني والطبال والميموني وبنيس وبنطلحة والأشعري والمهدي أخريف، وأحمد بلبداوي، ورشيد المومني، وعبد الله زريقة وآخرين.

لقد تخطى هؤلاء إلى جنب بعض الشعراء الثمانينيين، شعرية الثمانينيين أنفسهم، ورسخوا وعيا جماليا جديدا، وشعرية فادحة الجهد والبناء والتركيب لغة وإيقاعا (الإيقاع هنا كدال واسع وعريض إلى جانب دوال أخرى)، ورؤية ورؤيا.

ولست أرى ما يوجب التذكير بـ: "قتل الأب" و"اليتم الشعري المغربي" ومحو التجارب السابقة، ووصم التجربة الشعرية الستينية والسبعينية بخاصة، بوصفها تجربة شعاراتية، ومنشورا فنيا سياسيا ( بل قل حزبيا)، ونصوص مقاومة ومنازلة للرجعية والأمبريالية والأوليغارشية والكومبرادورية.

لست أرى ما يوجب النبش وإثارة هذه الطروحات المنفلتة التي عممت العمى والوصم، بينما تقول الحقبة السبعينية شعريا غير ما يقولون، غير ما رميت به. فالعقد إياه شهد جملة من نصوص شعرية مبنينة شعريا أي ينبض بناؤها جمالا واتساقا، وصوغا حِرَفيا، وصنعة لامعدى للشعرعنها. فلا أقل من أن نفتح كتاب المجاطي، والطبال، والسرغيني، والخمار الكنوني، وبنطلحة،وراجع، وبنيس، والأشعري لنبدل أدوات كتاباتنا النقدية، ونغير نظرتنا إلى هذه المدونة، أو في الأقل، إلى جانب أساس من هذه المدونة.

وكما أسلفنا فإن التجارب الشعرية المغربية هي تجارب إسمية في الأول والأخير، ما يجعلنا نقول ـ مطمئنين ـ إن التجارب إياها متفرقات ومضمومات ، لها صوتها المتفرد المتعدد، تجارب شعراء تنصهر في إبستيم المرحلة التاريخية، وتتعيش كنصوص وكتابات إبداعية، على مهيمنات فكرية وشعرية، وجمالية سادت الظرف، والفترة، والمرحلة المومأ إليها، لكنها تتفارق حين الصياغة، وحين البوح، وحين كيفية إبراز شروخ الذات وكلومها، وجراح الأنا الشعري أو معافاته .

وبهذا المعنى، فالشعر المغربي المعاصر يمكن أن يختزل ـ بقليل من المجازفة ـ في سؤال: التقاطعات والإبدالات الاسمية المنتجة.

 

22:12 |  Facebook | |

19/05/2015

::

شعراء ونقاد يتداولون «راهن الشعرالمغربي: من الجيل إلى الحساسية»

 10830821_10153249418244898_1139241945766688919_o.jpg11051962_10153251616789898_3862304549010322712_n.jpg

   مراكش ـ «القدس العربي»: نظم اتحاد كتاب المغرب في مراكش، بشراكة مع مركز عناية ومؤسسة آفاق للدرسات والنشر، لقاءً ثقافيّاً بمناسبة صدور كتاب «في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية» للشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري.
وفي مستهلّ اللقاء، الذي جرت فعاليته مساء الأربعاء 13 أيار/مايو 2015 واحتضنه فضاء مكتبة آفاق، قدم الشاعر والإعلامي مصطفى غلمان كلمة ذكّر فيها الحضور بدواعي اللقاء الذي يأتي للتداول في واقع الحركة الشعرية المغربية وقال إن «الكتاب يجسد لحظة فارقة من تاريخنا الأدبي، إذ يعبر عن موضوعه معرفيّاً ومفاهيميّاً، ويقع في عمق تحولات الكتابة النقدية المعاصرة». وفي ما يشبه الاحتفاء بصاحب الكتاب، أشار غلمان إلى أن «عبد اللطيف الوراري ابن مدرسة واعية بثقافتها، يقع في عمق تحولات الكتابة النقدية المعاصرة، ويستقي رؤيته من الشعرية نظرية وممارسة».
ومن جهته، أكد الناقد والباحث الأكاديمي محمد تنفو أنّ الباحث عمل في كتابه على «التحرر من لعنة الصاحب بن عباد (هذه بضاعتنا ردت إلينا)، وعقدة قتل الأب، والخروج من معطف الأب، مُتسلّحاً بعدة معرفية لغوية وبلاغية عربية وغربية». وزاد: «لقد جاء الكتاب مرافعة نقدية تنتصر للشعر المغربي، ولمفهومي الحساسية والراهن، تضرب صفحاً عن النقد الإقصائي، وتمزج بين الصرامة المنهجية والقراءة العاشقة المتبتلة في محراب التجربة الإبداعية التي يخوضها الباحث. الكتاب محاولة شامخة متماهية مع متن شعري مغربي تشكلت بداياته في التسعينيات من القرن الماضي، وامتدت لتصل إلى الألفية الثالثة، ومازالت إلى الآن في طور التشكل».

وركز الشاعر والباحث الأكاديمي عبد اللطيف السخيري مداخلته على (الاختيار المفهومي) للكتاب، وأشار في أثنائها إلى قيمة الكتاب، وهي ـ في نظره- قيمة مضاعفة لدواعٍ عدة. أولها: أنه دراسة نقدية صادرة عن شاعر ينتمي إلى الحساسية الجديدة في الشعر المغربي – وإن لم يصنف نفسه كذلك، ولم يجعل قصيدته موضوعاً للتحليل في متن الكتاب- وأهل الشعر أعلم بصناعته، وأعرف بمضايقه، وأجدر أن ينفذوا إلى معالمه البنائية والدلالية، ويرتادوا مجاهل تأويلاته. ناهيك عن الحكم بقيمته إبداعاً أو تهافُتاً..

وأما ثاني الدواعي فهو الشجاعة النقدية في مواجهة متن الشعر المغربي الراهن، وما يطرحه من إشكالات المعاصرة وحُجُبِها، وصعوبة تجميع المادة لاتساع منادحها، فضلاً عن قراءته والكشف عن خصيصاته المائزة. ومعلوم أن دراسة متْنٍ هذه سماتُهُ تتطلّبُ تصوُّراً نقديّاً، وعدة منهجية، تتوفر على كفاءة وملاءمة تخولان لها تأسيس معرفة بالمتن الشعري، في أفق تقويمه بمعنيي التقويم: بيان القيمة، وتقويم المنآد في أفق فتح آفاق رحيبة للكتابة.
وأضاف الباحث، بقوله: إن إشكال المتن الشعري الراهن يتجلى في أن نهره لا يتوقف على التدفق، ترفده روافد شعرية، وشجون من التجارب. وهذا يفرض اقتطاع لحظة منه، وتسييجها بسياج زماني (مفهوم الراهن وتبريراته)، ومكاني (المغربي). يقول الناقد في هذا السياق: «الراهن هو ما انتهى إليه زمن الكتابة في الشعر… وهو بهذا المعنى ما يفتأ يتغير ويتحول.. إن الراهن لم يعد جيلا نعيشه، وإنما تخلُقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصورها للفعل الكتابي وتدبر طرائق إنجازه…» (ص23). وقاده التسييج – بحثاً عن مزيد من الدقة والمردودية- إلى تحديد سمات الراهن الشعري في سمتين جوهريتين، هما:

* التعددية بدل الواحدية، من خلال التطور الكمي بالنشر والمساهمة الوازنة للشعر النسائي وظاهرة المهجرية… (ص25)

* الفردية عوض الأجيال، إذ ساهم شعراء من أجيال مختلفة في تشكيل فسيفساء الراهن الشعري، مع هيمنة واضحة للاختيارين التفعيلي والنثري.. (ص26).

وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب صدر عن دار التوحيدي بدعم من وزارة الثقافة، ويتيح للقارئ المغربي والمشرقي على حد سواء، فائدة استكشاف إسهامات أسماء شعرية كثيرة في تعهُّد راهن شعري مغربي تُميّزه دينامية هائلة يقطع بفضلها الشعر المغربي المعاصر مع عقود الكفاف والتحرُّج.

 

19:06 |  Facebook | |

18/04/2015

التصوف في الشعر المغربي

تيفلت المغربية تُكرّم رائدي القصيدة الحديثة عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي

FB_20150323_07_46_02_Saved_Picture.jpg

    بمناسبة اليوم العالمي للشعر، وتكريماً لرائدي القصيدة المغربية الحديثة عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي، انعقدت في مدينة تيفلت (وسط شمال المغرب) ندوة نقدية بحثت في "تقاطعات الحكمة والتصوُّف في شعر الطبال والرباوي"، وأدارها الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري الذي رأى، في مُستهلّها، أن بين الشعر والتصوف علاقة قديمة توجد تحقُّقاتها النصية في أشعار الحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية والشريف الرضي وابن عربي وسواهم، قبل أن تتّخذ في الشعر العربي الحديث طوراً آخر جديداً من الصوغ والبناء في الممارسة والنظرية كما لدى البياتي وصلاح عبد الصبور وأدونيس ومحمد عفيفي مطر. وفي الشعر المغربي ذكّر بشعراء من أمثال محمد السرغيني وعبد الكريم الطبال ومحمد بنعمارة وأمينة المريني ولطيفة المسكيني؛ وقال إنّه لا وجود لتعريف محدد للتصوُّف مستشهداً بقولة الإمام أبي حامد الغزالي: "أمر باطن لا يُطّلع عليه، ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته". لكنّه أشار إلى بعدين اثنين كلما تعلق الأمر بالتصوف في الشعر أو الشعر الصوفي، الأول باعتباره مكوّناً بنائيّاً يتجلى في العبارة الشعرية بإشاراته وومضاته، والثاني باعتباره تجربةً باطنية تتصل بجميع الرؤى والاتجاهات المنحازة إلى المطلق واكتشاف المجهول واللامرئي.

 وقد تدخّل في الندوة التي تنظمها جمعية ربيع تيفلت للإبداع والتنمية، أساتذة باحثون مثل الباحث الأكاديمي مصطفى الغرافي الذي كشف في مستهل مداخلته عن العلاقة الوطيدة التي تجمع الشعر بالتصوف، حيث أكد أن الخطاب الصوفي يمثل رافدا مهما انفتحت التجارب الشعرية المعاصرة ومنه الشعر المغربي نظرا  لما يتوفر عليه من إمكانات هائلة فيما يخص غنى البعد الروحي  والتوظيف الخاص للغة. ومن هنا حاول أن يبرز في بحثه علاقات التفاعل والتلاقح بين التصوف باعتباره تجربة روحية تعنى بترسيخ قيم المحبة من أجل السمو بأخلاق الإنسان عبر الارتقاء بذوقه ووجدانه وبين تجربة الشعر المعاصر بوصفها تمثيلا جماليا يتوخى تجسيد أشواق النفس إلى الترقي في مدارج الكمال الإنساني. وعمد إلى الاستدلال على هذه الفكرة من خلال متن شعري شيّده عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي اللذين رسخا في منجزهما الشعري التوجه الصوفي باعتباره تجربة إنسانية وجمالية تعمل على إغناء الخطاب الشعري بما يقود إلى تشكيل خصوصة تعبيرية فريدة ومتميزة. ومما قاله الغرافي في مداخلته: "يتميز الصوغ الجمالي في النصوص الشعرية التي تستثمر الإمكانات الإبداعية التي تتيحها الكتابة الصوفية بأنها تذهب بالأداء الشعري إلى أقصى مداه. ولذلك كان المدخل الملائم للكشف عن خصوصية التكوين الجمالي في هذا الصنف من النصوص  يتمثل في تجاوز ظاهرها اللفظي من أجل القبض على ما تزخر به من غنى إبداعي أساسه الإشارة وليس العبارة. إذ تتميز اللغة الصوفية التي هي في أصل منشئها لغة شعرية بأن كل شئ يبدو فيها رمزاً وإيحاء".

   وقارب الشاعر والباحث رشيد الخديري تجربتي الشاعرين عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي باعتبارهما تجربتين تأسستا في إوالياتهما على "فيوضاتٍ إشراقيّةٍ- صوفيّةٍ"، ووجد أن ثمة تقاطعات تبني عليهما هاتين التجربتين من منطلق الانشغال بسؤال التَّصوف والعزف على وترِ الذُّهول بِاللغة وفن "تطريز الكلام"، مع ما لذلك من غوص عميق في الذات الشاعرة بكل قلقها و جنونها: "فالطبال يتوسل في بناء نصوصه الشعرية على رافد أندلسي، خاصة في حوارياته مع عناصر الطبيعة، فتأتي فيوضاته الشعرية محملة بالرذاذ وكل أنواع الطيف، في حين تبدو تجربة محمد علي الرباوي منشغلة أكثر بتوليد المعنى من فتوحات شعرية تتكئ جوهريا على ما هو صوفي- إشراقي، نحو نسج حواريات مع النص الشعري، وكثيرة هي التيمات التي تتواتر في شعره كالأمكنة والشخوص والتداعي في قالب شعري تفعيلي خلاق". ورغم الاختلاف الظاهر بينهما من جهة اللغة والرؤى والأفكار، إلا أنه استخلص أنّ في شعرهما الكثير من التقاطعات، خاصة على مستوى استدعاء الرموز المكانية أو الشخصيات التراثية أو الأزمنة، والاعتماد على حالة من الامتلاء في بناء شعرية النص، ثم استيحاء مكون الطبيعة، من طبيعة  جافة صحراوية تتحول إلى ما يشبه سوناتةً في ليل خريفي عند الرباوي، إلى طبيعة مزهرة كحديقة من حدائق الأندلس تتمثل في مدينة شفشاون حيث الماء المنساب والخضرة التي تفتن العين كما عند الطبال. وأضاف: "بين عطش الرباوي ومائيات الطبال، ثمّة تقاطعات تنطرح وتتصادى وتشترك في المناخ العام الذي تنكتب فيه التجربتان، فالماء دليل الإخصاب يمنح للقصيدة فاعلية ورؤيا في تشكيل العوالم الشعرية، إلا أن شعرية الماء في تجربة الطبال تتخذ تلوينات متعددة، لغة وصورةً وتخييلا وبناءً شعريا".

   وأما الأستاذ الباحث العربي الرودالي، فقد بدأ مداخلته بالإشارة إلى أن الشعر المغربي الحديث يمكن تقسيمه إلى ثلاثة تيارات: التيار الوجودي التأملي الفلسفي وفي مقدمة من يمثله عبد الكريم الطبال، والتيار الواقعي الطلائعي الاشتراكي وأهم من يمثله أحمد المجاطي وعبد الله راجع، ثم تيار الشعر الهوياتي الإسلامي الذي يمثله حسن الأمراني وفريد الأنصاري ومحمد علي الرباوي وغيرهم. وانتقى الباحث قصيدتين تستثمران البعد الصوفي، هما: "العربة" لمحمد علي الرباوي و"سؤال" لعبد الكريم الطبال. واستخلص أن الشاعرين يلتقيان في ثقافة الذات والتربة وتضاريس الجغرافيا الشعرية، إلا أن الرباوي يذهب إلى التجربة وإلى القصيدة ويبثّ فيها الروح من الذات، والطبال فتطبق عليه القصيدة وتحتويه فتكتبه: الأول لغته جنونية عبر اللعب باللغة والإيقاع، والثاني شاعر اللغة الإيحائية سعياً نحو المطلق. وقال في آخر مداخلته بما يشبه استخلاصاً: "عند الطبال صوفية الوجود ليس من حيث هو موجود ولكن ليوجد فيها الإنسان، فيما ينطلق الرباوي من فكرة الانصهار الروحي مع كل التصوف على مستوى التجربة التعبدية كما في نصه (أوراق مكية)".

    وقد أثارت المداخلات التي وعدت (دار الوطن) بجمعها في كتاب، نقاشاً من قبل الحضور وفيهم أكاديميون وباحثون وشعراء، إلى حد أن تحوّل النقاش إلى سجال حقيقي يعكس حيويّة موضوع الندوة وراهنيته اليوم. وبموازاة مع ذلك، قدم بعض أصدقاء الشاعرين بمن فيهم الشاعر محمد شيكي الذي حيّاهما بمحبة في شريطين مُصوّرين للذكرى، والقاص أحمد بوزفور الذي ألقى كلمة في جدارة الصداقة لم تخْلُ من ماء الشعر، والشاعر أحمد بلحاج آية وارهام الذي قال في الطبال بأنّه "يفتح سماوات تعرج فيها الروح، فترى جذور العوالم متعلّقةً ببهاء الاسم، مشرئبّةً إلى فيوض الجلال، مخمورةً برحيق الجمال"؛ وعن الرباوي وبأنّ تجربته "جعلت وعيه الشعري مشدوداً بين الحلم الذي يريد أن يتحقق في الأرض، وبين ما هو مُشاهدٌ في الواقع (...) وجذبته إلى نزعة فلسفية عرفانية تتأمل الوجود بعين الشهود".

11:12 |  Facebook | |

19/02/2015

::

بمناسبة تسلُّمه جائزة الأركانة العالمية للشعر

الشاعر البرتغالي نونو جوديس: الجائزة تجسد لقاء ثقافتين ليس بوسع الاختلافات الطبيعية أن تفصل بينهما

argaana.jpg

عبد اللطيف الوراري (الدار البيضاء):

  قال نونو جوديس: "ولدتُ في جنوب البرتغال في بيت يُطلّ على البحر، وكانت الرؤية تسرح بي إلى أرض المغرب وهي غارقة في غموضها، مما كون لديّ انطباعاً أسطوريّاً عنه (...) ورغم الماضي الصدامي الذي ساد إبّان فترة الاستعمار، إلا أنّه تم تجاوزه بالشعر والتشكيل والمعمار الذي خلقه الحضور العربي الإسلامي وفتحت عيني عليه". وتابع عبر الكلمة التي ألقاها قُبيْل تسلّمه درع الجائزة الذي عبارة عن شكل شجرة أركان برونزية وقيمتها المالية، في حفل بهيج أحيته الفنانة سميرة القادري وحضره وزير الثقافة المغربي وسفيرة دولة البرتغال والشاعر العراقي سعدي يوسف والأمين العام للجائزة ورئيس لجنة تحكيمها وأعضاء من بيت الشعر في المغرب: "فضلاً عن اعتبارها قيمة أدبيّة تكرس الاعتراف العالمي بتجربتي الشعرية، فهي كذلك تمثل بالنسبة لي قيمة وجدانية لأنها تجسد اللقاء بين ثقافتيْن ليس بوسع البحر ولا تباين الثقافات والاختلافات الطبيعية أن تفصل بينهما".

  وعن ماهية الشعر، قال الشاعر البرتغالي بصوت جهوري لا يخفي نبرة الفرح بالجائزة وسط جهمور غصت به قاعة القدس ضمن فعاليات الدورة 21 للمعرض الدولي للنشر والكتاب الذي تحتضنه الدار البيضاء حتى 22 فبراير/شباط الجاري.: "إن الشعر ليس له تحديد؛ فالشعر ببساطة هو ما يصنعه الشاعر بالكلمات. القصيدة تتشكل من لغة، موسيقى وإيقاعات، وصور تشفّ عن جزء من جوهر الطبيعة (...) وأما وظيفة الشعر الأساسية فهي تتمثل في تحديد القيم الإنسانية الكبرى للحياة". ثم قرأ قصيدتين من شعره هما: "ميتافيزيقا" و"استعدادات السفر"، تعبّران في العمق عن طبيعة اشتغال عقل نونو شعريّاً لغة وإيقاعاً وتصويرا. وهو ما أوضحه، في كلمته التقديمية، الأمين العام الشاعر حسن نجمي إذ نعت الشاعر البرتغالي بأرفع الأصوات الشعرية الإنسانية في عالمنا اليوم، ورأى أنّه يجسد أكثر من قيمة، بحيث استطاع أن ينحت نصّاً خفيض النبرة ويواصل تكريس الشعر البرتغالي الحديث الذي ورثه عن شعراء مؤسِّسين، وفي مقدمتهم فرناندو بيسوا. وقال: "إنّه خُلِق ليكون شاعراً، وقصائده أفضل الشهود على نفَسِه الشعري العميق والغزير".

شاعر التبصر والعمق:

   وفي كلمة له، أشار رئيس بيت الشعر في المغرب الشاعر نجيب خداري إلى أن "الجائزة تذهب إلى رموز من جوارنا: الإسباني أنطونيو غامونيدا، والفرنسي إيف بونفوا، والبرتغالي نونو جوديس... وهو جوار يتقاطع فيه الإنساني والأنطولوجي والجغرافي والتاريخي والحضاري، مثلما يتداخل فيه الشعري كتابةً وتمثُّلاً". وعن المتوّج بجائزة الأركانة العالمية للشعر في نسختها التاسعة، قال إنه "يعرف كيف يلغي المقروء ويضعه في خزائن النسيان حتى لا يكون سوى ذاته وليبني فرادته من اللاشيء (...) كما يعرف كيف يلغي، في شعره، الحدود مع النثر دون أن يفقد الشعر طراوته، في التخييل، وفي العمق الموسيقي، وفي روح الحياة الماثلة داخله من خلال اليومي الذي يصير أبديّاً، وفي السردي الذي يتحول شعريّاً، وفي السخرية السوداء وهي تتحول إلى جد وحزم".

    من جانبه أشاد وزير الثقافة محمد الأمين الصبيحي بأهمية جائزة عبر "انفتاح المغرب على مختلف المدارس الشعرية في مختلف القارّات". ولم يفت الشاعر حسن مكوار رئيس لجنة التحكيم أن يؤكد على مكاننة نونو جوديس الشعرية داخل بلده البرتغال وخارجه، وقد تُرجمتْ أعماله إلى لغاتٍ عدّة، ويحفل سجلّه بعدد من الجوائز العالمية، كانَ أولها جائزة بابلو نيرودا للشعر سنة 1975.

   وكانت لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر قد اجتمعت في وقت سابق بالرباط، وارتأت بعد التداول في الأسماء المرشحة لنيل الجائزة أن تُتوّج، في دورتها التاسعة، الشاعر البرتغالي نونو جوديس الذي وصفته بأنّه " أحد الأسماء الشعرية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الشعري المعاصر في بلاده  وفي الشعرية الإنسانية، وذلك من خلال تجربته الشعرية الطليعية التي عرفت انطلاقتها مع بداية احتضار الديكتاتورية السالازارية وانبثاق لحظة جديدة في حياة البرتغال". وأضافت: "إن التبصر والعمق في تأمل الأشياء لدى الشاعر جعلاه يستقصي الجذور الخفية للقول الشعري في مسارات بحث لا ينقطع عن الجوهر اللغوي للإبداع الشعري. كما نلمس لديه اقتداراً قوياً على الحكي وتوظيف السرد الذي يساهم في رسم  استراتيجيات وظيفية جديدة للنص الشعري، مستحضراً الأبعاد الأوطوبيوغرافية التي تقرب الشعري من المكاشفة المفتوحة على الذات والأحاسيس والتجارب، بما فيها الحميمي والمنفلت  المستعصي على الوصف.كما تنفسح شعريته  لاستكشاف الأعماق الأكثر عتمة في الوجود، اعتماداً على الرؤى والأحلام."

   وقد ولد الشاعر البرتغالي نونو جوديس في بميشلويرا غراندي بإقليم ألغربي سنة 1949. درس الآداب الرومانية في جامعة لشبونة الكلاسيكية. عمل أستاذا بالجامعة الجديدة للشبونة التي نال فيها درجة الدكتوراه سنة 1989 بعد أن تقدم بأطروحة لنيل الدكتوراه ببحث في الآداب القروسطية. وأحرز عدة جوائز اعترافاً بجهوده في بلورة وتطوير شعرية تؤسس لمعرفة قلقة بأسرار الوجود من خلال القصيدة، وكان آخرها جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيرو أمريكي سنة 2013 عن مجموع أعماله. ويقول عنه أنخيل كريسبوأحد دارسيه:" لقد عرف كيف يدمج الصولات اللسانية للتيارات الطليعية لسنوات 1950 و 1960 في نصية تتجنب تشظي القصيدة وتتجه على العكس من ذلك نحو حكي ملحمي غنائي في التباس..."

  بالمناسبة، ستصدر منتخبات من شعر نونو جوديس يعكف على ترجمتها الشاعران حسن نجمي وخالد الريسوني، كما وعد الشاعر سعدي يوسف بدوره بالاعتكاف على ترجمة نحو خمسين نصّاً من ريبرتوار نونو ذي اللهجة الخفيضة واللمعة الميتافيزيقية.

الأركانة أو ضوء الذاكرة الإيكولوجية:

   تعدُّ جائزة الأركانة، البالغة قيمتها المالية 120 ألف درهم (نحو 15 ألف دولار) أهمّ جائزة شعرية  تُمنح في المغرب عنطريق جمعية بيت الشعر المغربي، بشراكة مع مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير، وتعاون مع وزارة الثقافة.وقد نالها منذ إحداثها عام 2002، شعراء حداثيون ورواد مؤسسون في الشعريّات التي يمثلونها تكريماً لعطاءاتهم واعترافاً بما قدموه في المجال الشعري عن مجمل أعمالهم، وهم: الصيني بي داو (2002)، المغربي محمد السرغيني (2004)، الفلسطيني محمود درويش (2008)، العراقي سعدي يوسف (2009)، المغربي الطاهر بنجلون (2010)، الأمريكية مارلرين هاكر (2011)، الإسباني أنطونيو غامونيدا (2012)، الفرنسي إيف بونفوا (2013). وتستوحي الجائزة اسمها من شجرة الأركانة المتميزة بزيتها وثمرتها التي لا تنبت في أي مكان آخر من المغرب سوى في المغرب، وتحديداً في إقليم سوس.

قصيدة "ميتافيزيقا":

أمام فنجان القهوة، يشعل

سيجارة، ليس راغِباً في معرفة شيء عن الإلهام،

عن أبيات شعرية تعسة، عن وجهات تائهة

تشبه وجهة الأنهار. لرُبّما

لن يُخيفه الزمن، أن يكون الموت

بالنسبة له مجرّد فكرة

لا تملك تحقُّقها المرئي، ألا تترك

العيون لشيء ما من الحياة المجردة

والمتطابقة مع الروح أن ينجلي.

أحياناً يفكر أن يجيب

على الأسئلة التي تُطرح عليه، لكنّه

يُؤجّل تلك اللحظة، يُفضّل أن يواصل

مُكابرة الحاضر الصامتة، كما لو كان الحاضر

سيستمرّ، وكما لو أنّ القهوة

لم تبرد في الفنجان.

**

22:23 |  Facebook | |

07/02/2015

::

نعت النّشاطية الشعرية المغربية بـ«الحساسية الشعرية الجديدة»

 

الناقد بنعيسى بوحمالة: القصيدة اليوم تحوّلت إلى ساحة حرب جماليّة

 

 06qpt867.jpg

 

أجرى الحوار: عبد اللطيف الوراري

 

  ناقد، أكاديمي، مترجم ومثقّف مغربي لم ينقطع عمله عن الإصغاء لأصوات العصر، وعن تأمل مشاريع الشعرية العربية الحديثة وتحليل آليات اشتغالها النصي والتخييلي، فأغنى المكتبة العربية ببحوث ودراسات أكاديمية رصينة تتخلّلها لغته المستقطرة ورؤيته النقدية النافذة، مثل: «النزعة الزنجية في الشعر السوداني المعاصر: محمد الفيتوري نموذجاً» (2004) و«أيتام سومر.. في شعرية حسب الشيخ جعفر»، في جزئين، (2009)، و«مضايق شعرية » (2013)، «شجرة الأكاسيا.. مؤانسات شعرية، في الشعر العربي المعاصر» (2014). كما ساهم في كتب جماعية حول الشعر المغربي والعربي والعالمي نشرت بالمغرب وخارجه، وأولى عناية خاصة بترجمة منتخبات من الشعر الأوربي.

 

  في هذا الحوار، يحدثنا الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة عن النّشاطية الشعرية المغربية التي انطلقت منذ بواكير تسعينيات القرن الماضي بالحساسيّة الشعرية الجديدة، ناعتاً إيّاها ب'الحساسيّة الشعرية الجديدة'. ويرى أن القصيدة المغربية المعاصرة تحولت إلى ساحة حرب جماليّة تذود في نصيّتها الذات الشاعرة عن غنائمها الضئيلة أو ترثي خساراتها الصغيرة، ويتصادى شعراؤها مع قصائد وأعمال شعراء قصيدة النثر العربية، السبعينيّين والثمانينيّين وبعض من تأثيرات الشعريّات الفرنسية والإسبانية والأمريكية و اليابانية (قصيدة الهايكو)، علاوة على مرجعيّات أخرى، سردية وتشكيلية وسينمائية وصوفية وفلسفية.

 

 - إلى أيّ مدى يصحّ – مصطلحيّاً و معرفيّاً – أن نتحدث عن تجربة أو حساسيّة شعرية جديدة بالمغرب ؟

 

* الظّاهر أنه لا مناص، بقوة الأشياء، من نعت النّشاطية الشعرية المغربية التي انطلقت منذ بواكير تسعينيات القرن الماضي بالحساسيّة الشعرية الجديدة، إذ لا ننسى أنّ الأمر يتصل، على نحو ما، بجيل رابع في سيرورة القصيدة المغربية المعاصرة، وذلك رغماً من الاحتراز، المهوّل نسبيّاً، من لدن بعض الدّارسين تجاه مصطلح الجيل الذي سيثبت جدواه و مردوديّته التّوصيفيّتين في السّوسيولوجيا، وفي حقل الإنسانيّات بعامّة. ولمّا نقول جيلاً فإنّما نحن نستثير، كنتيجة، عمراً بيولوجيّاً فتيّاً، خبرات تاريخية وثقافية مستجدّة، تمثّلات قيميّة مغايرة؛ و الأبرز، لربّما، في هذا السياق، هو الاعتماد شبه الكلّي من طرف المنتسبين إلى هذه الحساسيّة على الوسائط الجديدة في الكتابة و الانتشار و التّداول، والتي لا يخلو استعمالها، طبعاً، من بعض السّلبيات، القاتلة أحيانا، التي تشوب قسطاً وافراً من المتن الشعري الشّامل لشعراء هذه الحساسيّة، أقصد نزوع، فيما خلا أسماء و تجارب بعينها، الكثيرين منهم إلى الاستسهال، والتّنصل المتقاعس من الأعباء المعرفيّة والأداتيّة، وقبلها الروحيّة، التي تقتضيها أيّما كتابة شعرية صميمة والاستيهام، بالتالي، في بريق الانتشار الافتراضي المخادع. مع ذلك يبقى بمقدورنا أن نلتقط، من قلب هذه النّشاطية، نبضاً جديداً، تعاطياً مخصوصاً مع القصيدة، معجماً وتركيباً وموضوعا وتخييلاً..؛ يؤشّران على مسار آخر، على إبدال، إن شئنا، في خارطة القصيدة المغربية المعاصرة.

 

- لماذا يستعصي أن نجمع أفرادها داخل جيل أو أن نلمّ شتاتهم ضمن تصنيف عقدي كما كان جارياً من قبل ؟

 

* عن مسألة الجيل، وفضلاً عمّا تمّ التنويه إليه قبل حين، فإنّ ما قد يشوّش على الهوية الجيليّة، لكن لا يلغيها بالمرّة، هو أنّ من مشترطات أيّ جيل كان ليس فقطّ تقارب أعمار شعرائه  نهلهم من تجربة تاريخية متعيّنة وخضوعهم لتربيّة ثقافية متجانسة..؛ بل وتوافر بعض المواصفات الشكليّة، لكن الحاسمة، التي تلحم أكثر وحدة المجموعة وتعضّد انتماءها إلى مدار شعري مخصوص، وبهذا المعنى فما من شكّ في أنّ انتساب بعض شعراء جيل الستينيات إلى الحرم الجامعي كأساتذة – أحمد المجاطي، محمد السرغيني، محمد الخمار الكنوني – وانضواء معظمهم إلى اليسار السياسي، سيّان كفاعلين عضويّين أو كمجرّد متعاطفين – محمد علي الهواري، عبد الرفيع جواهري، أحمد صبري، محمد الميموني، بنسالم الدمناتي، عبد السلام الزيتوني – قد لعبا دورهما في بلورة هويّته الجيليّة المتماسكة.. وهو ما يصدق على جيل السبعينيات الذي لا ننسى أنّ أبرز نشطائه الشعريّين هم خرّيجو القلعة العتيدة، بله الخرافية، كليّة آداب ظهر المهراز بفاس، بحيث مرّوا بها كطلبة، وذلك في عزّ الحمأة الإيديولوجية والثقافية لمغرب، ومعه عالم، السبعينيات – محمد بنطلحة، محمد بنيس، رشيد المومني، أحمد بنميمون، محمد الشيخي، عبد الله راجع، أحمد بلبداوي، علال الحجام، محمد السبايلي – في حين، وبدءاً من الثمانينيات، مع التحوّلات التي عرفتها الكثير من مظاهر الحياة، وفي مقدّمتها انبخاس سهم السياسة وتضخّم الفرديّات، أخذت في الاضمحلال، إن لم نقل التبدّد، ممكنات الاشتغال الجمعي، ممكنات التّفكير/ الكلام بوجدان/ لسان الكلّ، وأمسينا، هكذا، حيال جزر متفرّقة.. كلّ واحد يتولّى شأنه الشعري الخاص وينطق باسمه الشخصي ولو أنّ هذا لا يؤشّر، في واقع الحال، على الارتهان بجيل شعري سابق.

 

- هل هذه التجربة/ الحساسيّة هي تراكم لتجارب متتالية في سياق القصيدة المغربية الحديثة أم هي، بالأحرى، تجاوز لها؟

 

* بطبيعة الحال.. ولأنّه لا وجود لقانون الطّفرة في الفعل الإبداعي، ما كان لشعراء هذه الحساسيّة أن يوجدوا بين ظهرانينا لو لم يكونوا مسبوقين بأسلاف و آباء شعريّين عملوا، على مدى عقود، كلّ وأسئلته وآفاقه، على استنبات القصيدة المغربية المعاصرة في فضاء ثقافي معاند، على إخضاعها للتجريب و الإنضاج، وفي الخلاصة على إعفاء الملتحقين المتأخّرين بالمشهد الشعري من أعباء انتزاع الشّرعية لهذا الوليد الكتابي من محافل التقليد والاتّباع الشعريّين في مغرب أواسط القرن العشرين إعفاءهم من مجازفات التجريب الجمالي على أكثر من صعيد مناولين إيّاهم، هكذا، منجزاً شعريّاً، حقّا ليس في قوّة و زخم نظيره المشرقي بيد أنّه سوف يشكّل أرضية ملائمة للأصوات الشعرية الجديدة، إبداعيّاً أو، بالأولى، تربويّاً، كيما تجترح سبلها الأدائية والتعبيرية.. ممّا يمثّل، بوجه عامّ، إضافة للمنجز الشعري المغربي المعاصر وتنويعاً على مادّته و جماليّاته.. أمّا التّجاوز أو، بالأدقّ، القطيعة فهي لا تتأتّى، مثلما يؤكّد الإبّيستمولوجي والناقد الموضوعاتي الفرنسي غاستون باشلار، في مجال العلوم الخالصة فأحرى في مجال العلوم الإنسانية أو الإبداع بما هو، أي هذا الأخير، فعل ملتبس، متداخل، ماكر، و حمّال أوجه.. تتعايش في نسيجه عناصر التّحديث إلى جوار مترسّبات القدامة، ولنأخذ العبرة من التراث الشعري لشارل بودلير، الأب الروحي للحداثة، أو، ولعلّه أقرب إلى المأخذ في وضعيّتنا الشعرية العربية، من السّيرة الكتابيّة للشاعر سعدي يوسف الذي بدأ تقليديّاً، فرومنتيكيّاً واقعيّاً، وفقاً للاصطلاح الذي ساد آنئذ، و عرف عنه أنه كان من أشدّ المناوئين لشعريّة الريّادة واقتراحاتها التجديديّة الجسورة ليصير، مع توالي السّنين، إلى رأس الحربة في قصيدة النثر العربية في وجهتها المعتنية باليومي والمنفصل والعابر.. هو نفسه لن يتحرّج، مثلاً، في أن يعنون أحد دواوينه المتأخّرة بـ"حفيد امرئ القيس" بما مفاده وثاقة الصّلة بالسّلالة الرمزية واستحالة بترحبل السّرة عن الآخر مع الأسلاف والآباء الشعريّين.

 

- هل يرهن شعراؤها ذواتهم لإيديولوجيا أم ينضوون تحت يافطة بارزة ؟

 

* ما ورد في إجابتنا على السؤال الفائت لربّما يمسُّ مدى انغماسهم في الإيديولوجيا من عدمه وذلك بالمقارنة مع الأجيال السالفة.. لنقل، في هذا الباب، إنهم بوصفهم أبناء شرعيّين لفترة تاريخية وثقافية مستجدّة، تحياها كافّة أركان المعمورة،  لممّا يعقّد مأموريّة الحديث عن انتماء إيديولوجي ما واضح القسمات لبعضهم أو لسائرهم إن لم يجعله ضرباً من المجانيّة أو الإسقاط ليس إلاّ. فلا يجب أن نسهو عن كون العالم قاطبة، أو يكاد، سينخرط مع إطلالة عقد التسعينيات في أحاديّة فكرية و قيميّة ضاربة كان أن مهّدت لها أطروحات حلقة "تيل كيل" النقدية الفرنسية، وأساسا فكرة موت المؤلّف، وتخريجات فوكو وليوتار وديريدا حول معتنق ما بعد الحداثة.. أضف إلى هذا سقوط جدار برلين و انهيار الاتحاد السوفياتي، فسيادة شريعة اقتصاد السّوق وابتكار الطّرق السيّارة لتدفّق المعلومات.. أي اندراج الكرة الأرضية إلى أفق ما أصبح ينعت بالعولمة ونهاية، بالتالي، التاريخ على نحو ما قال به الدّارس الأمريكي فرانسيس فوكوياما.. و إذن في كنف هذا الزلزال العاتي، المادّي و الرمزي، ستتقوّض الأساطير الجمعيّة لفائدة أسطورة الشاعر الشخصية وتتحوّل القصيدة، بالتبعيّة، إلى ساحة حرب جماليّة تذود في نصيّتها الذّات الشاعرة عن غنائمها الضئيلة أو ترثي خساراتها الصغيرة، لا فرق، ممّا يستقيم معه الحديث، والحالة هذه، عن ذوات شاعرة معزولة.. عن توضّعات ومصائر شخصية ضيّقة أكثر منها أوطاناً أو عوالم متراحبة.

 

- ما معنى أن ينزاحوا إلى التعبير بالرمز التجريدي أو بالرؤيا، التي تعنى باكتشاف العالم و مواجهته، عوضاً عن الموقف المباشر من السياسة و الأخلاق و القيم، وما هي أبرز السّمات الجماليّة التي كشفوا عنها في سياق تجربتهم الشعرية، شكلاً و مضموناً ؟

 

* دعني أقول، بداءة، بأنّنا قد نهضم، من حيث لا ندري، حقّ الأجيال الشعرية، لا المغربية و لا العربية، إن نحن خوّلنا شعراء الحساسيّة الجديدة هكذا امتيازات سخيّة من قبيل، وكما ورد في السؤال، التعبير بالرمز التجريدي أو بالرؤيا، ذلك أنّ عودة إجرائية، لكن متأنيّة، إلى المنجز الشعري، المغربي والعربي كليهما، لسوف تجعلنا نقف، وبالملموس، على تحقّقات هذا الأداء بأكثر من وجه ومن صيغة. فلا يجب أن نغفل أنّ مطمح أيّة كتابة شعرية أصيلة لهو التعبير رمزيّاً، ما دام الرمز يمثّل درجة أرقى من المجاز (ولعلّه الدّرس البليغ الذي تقدّمه التجارب الشعرية الفريدة لشعراء استثنائيّين كالفرنسي آرثور رامبو و البّيروفي سيزار فاييخو والرّوماني بول سيلان)، بل يلزم ألاّ نغفل أيضا أنّ اتّجاهاً بذاته في الشعريّة العربية المعاصرة سيعمّد بتسميّة قصيدة الرؤيا (سيكون الفضل في هذه التسميّة لجبرا إبراهيم جبرا ثم سيكرّسها من بعده الناقد السوري النّابه محمد جمال باروت)، وفي دائرته اشتغلت نصوص لا حصر لها لكلّ من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وأدونيس ويوسف الخال وخليل حاوي..؛)، وبالمناسبة فقد كانت الرؤيا بمثابة قناة لتمرير تموقف الشاعر من معضلات سياسية وأخلاقية، أي تعبيراً عن انضوائه اللاّمشروط إلى زمنه. وعليه دعني أقول، ثانية، إذا ما كانت النّسبة الطاغية من شعراء الحساسيّة الجديدة تكتب من خلال نموذج قصيدة النثر، على ما في هذا من إطلاقيّة، فإنّ منحى التعبير الشعري ليأخذ، من خلال هذا النموذج الرّائج منذ قرابة عشرين عاماً، منحى حلميّاً، حكائيّاً، سخرويّاً.. بعامّة.. منحى عشق وبوح وجسدنة لدى الشاعرات.. وبعبارة رديفة، منحى تأثيم الواقع و تقريف الآخرين.. الاستيهام في وضعيّة الضحيّة المضطهدة.. بعيداً عن أيّما رؤيا كانت، الشيء الذي له صلة، ما في ذلك شكّ، بالتّشخيص الذي بسطناه قبل قليل من حيث طبيعة المناخ التاريخي و القيمي الذي تشرّبه الوجدان العامّ لشعراء هذه الحساسيّة و أخذوا يصدرون عنه فيما يكتبون و يتخيّلون. خارج هذا إن جاز تعيين بعض القرائن الكتابيّة البارزة في نصوص ومتون هذه الفترة لربّما صحّ الإلماع إلى تنفّذ الأنا الشعرية واستئثارها بالتلفُّظ في الفضاء النّصي.. التوسُّل ببعض تقنيّات التشكيل والسينما.. استثمار مفردات الخطاب الصوفي وتوسّلاته وترميزاته.. وكذا انفتاح القصيدة على جملة من اللُّغات الذرائعيّة التي يتيحها الإعلام والإشهار والأغنية  والسياسة والتداول اليومي و المردّدات المسكوكة.

 

- ما وجهة نظرك في أنّ أغلب شعرائها لا علاقة لهم بالتراث الشعري و يتعاطون كتابة قصيدة النثر باستسهال و فجاجة؟

 

* الملاحظة إيّاها يا ما سبق لي أن أدليت بها، بهذه المناسبة أو تلك، وذلك انطلاقاً ممّا تستوجبه طبيعة الأشياء من تمكّن بالسالف وإحاطة، و لو دنيا، بمكاسبه وحدوده. فمن باب البداهة الإبداعية، بل وحتى الأخلاقية، أن تكون للشاعر في أيّ زمن كان دراية بالمنجز الشعري الذي لولاه لما تأتّى له أن يباشر كتابته.. إنها مسألة، بالحريّ، تربويّة أكثر منها إبداعية أو أخلاقية، ومن هنا حرص الأجيال الشعرية العربية، ومنها المغربية، على قراءة واستكناه ثمرات التراث الشعري المتحصّل ثم يكون، بعد ذلك، ما قد تفلح فيه، أفراداً أو جماعة، من تجاوز و إضافة. هذا، و إن نحن حصرنا الأمر، و هو ما عبّرت عنه خلال ملتقى قصيدة النثر ضمن دورته الأولى المنعقدة بمراكش منذ أكثر من عامين (مارس 2011)، في كون معظم الممارسين لقصيدة النثر دشّن علاقته بالكتابة الشعرية رأساً عبر الوسيط النثري فما من شكّ في أنّ الاستئناس، في هذه النّازلة الإبداعية، بكثير من التجارب الشعرية، العربية والعالمية، المعاصرة لكاف للتّدليل على أهميّة العبور الإبداعي، المتوخّى أن يكون صحّياً ومنتجاً، من مدار  قصيدة التفعيلة إلى مدار قصيدة النثر.. الشيء الذي نلمس إيجابيّته، أداءً و تخييلاً، في قصيدة النثر التي كتبها أو يكتبها من خبروا دواليب قصيدة التفعيلة وتحرّشوا بتقعيداتها وإكراهاتها، بمعنى أنّهم قدموا إلى المدار الثاني محصّنين بالمعرفة و الخبرة الكتابيّتين فكان أن استحصلت قصائدهم النثرية سلامة أكثر، حرفيّة أوثق، و مكاسب أخرى جمّة لا تخطئها القراءة.. ولنا، في هذه السبيل، عبرة في المرويّات العديدة المتّصلة، كمثال، بسيرة بدر شاكر السياب والتي تكاد تجمع على جزئيّة، قد تلوح لنا عرضيّة وغير ذات شأن لكنّها دالّة على نحو فائق، بحيث يروي شهود عيان أنّهم يا ما رأوه، وهو وقتها طالب بمدرسة المعلّمين العاليّة ببغداد.. القلعة الجامعية التي آوته إلى جانب نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي و التأم في رحابها، بفضل هذا الثالوث، الإبدال الشعري العربي الجديد، يحمل كتاب "الحماسة" لأبي تمام بيمناه بينما يحمل بيسراه ديوان الشاعرة الإنجليزية إديث سيثويل.. بما في إشاريّة هذه الجزئيّة من توكيد بليغ على ثنائيّة التراث والحداثة، على الاحتفاء بهما سواء بسواء، في أيّ تكوين شعري متوازن، رصين، وفاعل، علماً بأنه، أي السياب، كان أنجلوفونيّاً وكان في حوزته، بالتالي، من الأعذار ما يكفي للتنصّل الكسول من أيّما تراث كان.   

 

- ما هي أهمّ المصادر الشعرية و المعرفية (العربية و الكونية) التي يرجعون إليها في كتابة نصوصهم؟

 

* يصعب، فيما يبدو لي، استعراض تفاصيل مدقّقة وشافية حول المرجعيّات الشعرية والفكرية التي تعمل، سافرة أو مستضمرة، في فضاء قصيدتهم. من قبل كان المعطى المرجعي أكثر شفوفاً وتلامحاً بحيث كان من السّهل حصر أسماء ومرجعيّات بذاتها تفعل مفاعيلها، بهذا الوجه أو ذاك، في فضاء قصيدة الستينيات أو السبعينيات، بل وكان بمقدورنا وسم فترة شعرية ما بمسمّى يستثير أفقاً شعريّاً وفكريّاً بذاته فنقول، مثلاً، النزعة السيّابية في شعر الستينيات أو الأثر الإليوتي أو اللّوركوي أو السّارتري.. الأدونيسي أو الدّرويشي أو الغرامشي.. في شعر السبعينيات و هلمّ جرّا. من هنا، ومن خلال تتبّعي المحدود، على أيّة حال، لما ينشره شعراء هذه الحساسيّة تتراءى متّكآت مرجعيّة من هنا وهناك.. تصاديات مع قصائد وأعمال شعراء قصيدة النثر العربية، السبعينيّين والثمانينيّين.. بعض من تأثيرات الشعريّات الفرنسية والإسبانية والأمريكية و اليابانية (قصيدة الهايكو).. هذا علاوة على مرجعيّات أخرى، سردية وتشكيلية وسينمائية وصوفية وفلسفية..؛ على تفاوت، بطبيعة الحال، بين المحسوبين على هذه الحساسيّة فيما يخصّ أجرأة و تدبير مجمل الاستمدادات المذكورة في بنية القصيدة أو الديوان.

 

07:57 |  Facebook | |

03/02/2015

عن الشعر المغربي الجديد

الإمارات الثقافية تحتفي بالشعر المغربي الجديد

عبد الكريم الطبال: الحراك الشعري الجديد تتقدّمه أسماء مشعة لا يخفى ضوؤها حتى عن الأعشى

 غلاف المجلة.jpg

     صدر عن مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، العدد الثلاثون (30) من مجلة الإمارات الثقافية، فبراير 2015، وهي مجلة شهرية تعنى بشؤون الثقافة والفكر. وقد اشتمل العدد على صنوف من الإبداع الأدبي والفني والجمالي (شعر، سرد، تشكيل، سينما، مسرح، فن إسلامي، ترجمة، فكر، إلخ).

  كما احتفت المجلة في عددها الشهري بـ(الشعر المغربي الجديد) في ملفّ شامل ومتنوّع قدمه وأعدّه الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري تحت عنوان: "الشعر المغربي الجديد: حساسيّاتٌ صاعدة ورهانٌ على الاختلاف"، ومما جاء في تقديمه:  "لقد أبان عدد غير يسير من شعراء التجربة الموهوبين، من خلال اجتهاداتهم واقتراحاتهم النصية، عن وعيهم باشتراطات الحساسية الجديدة، فانحازوا إلى شعريّتها المختلفة التي تقوم على تنوّع الرؤى وتمايزها، بنسب محدّدة، عمّا سبقها، وتكشف عن تحوُّل في الحسّ الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة خاصة، وللكتابة عامّة. وهكذا، فإنّ الارتباط بعامل الزمن لا يعني لنا من قيمة إلّا بمدى قيمة الأشخاص المتحرّكين داخله، ودرجة حضورهم فيه."

    وضمّ الملف مقالات نقدية لكل من رشيد يحياوي وصلاح بوسريف ومحمد بودويك؛ فطرح الناقد والأكاديمي رشيد يحياوي ملاحظات لفهم التجربة الشعرية الجديدة، ورأى أن "مما يزيد في استشكال حصر خطوطها الكبرى منزعها التجريبي المتمثل في بحث شعرائها عن تجاوز ذواتهم شعريا بالتنويع المتتالي في أساليب وطرق الصياغة الشعرية وبناء النص". وركز الشاعر والناقد صلاح بوسريف على "خَــلَل" البِدايــاتمن التَّراكُم إلى الصَّيْرورة، قائلاً إن "هناك تجارب تشي بمستقبل شعري جمالي، قد يصير إضافَةً، إذا ما بقيت هذه التجارب واعية بـ «خَلَل» البدايات، وبالحاجة لتشغيل كل الدَّوال الشعرية واستنفاذها، أو العمل على تنويعها، وفتح الشِّعر على الكتابة". وقدم الشاعر والناقد محمد بودويك مدخـلاً إلى قراءة الشعر المغربي الجديد، ومن خلاله كشف عن محتوى المتن الشعري الجديد بالجمع والإفراد الذي يبين عن أوجاع الذات، وانسحاقها في رَحَى الخييات والخسارات، ثم عن مقوم الإدهاش، إذ الإدهاش سمة هذه التجربة الشعرية برمتها.

  وأما الشهادات فقد قدمها شعراء ونقاد وباحثون من مختلف الأجيال والحساسيات والرؤى، وهم: عبد الكريم الطبال، بنعيسى بوحمالة، إدريس الملياني، مبارك وساط، محمد بوجبيري، محمد ميلود غرافي، عمر العسري، محمد أحمد بنيس، محمد الديهاجي ومصطفى ملح. فتحت عنوان مجازي دالّ كتب الشاعر عبد الكريم الطبال عن "الطـريق المُضاء"، وفي تقديره "أنّ هذه الجمهرة من الشعراء الشباب في قلب الطائر المرفرف دائماً. وبينهم المهرة في الغناء، وبينهم الذين يتعلمون المبادئ الأولية، وبينهم من ليس من أولئك ولا من هؤلاء. والقضية فيما أرى ليست في اختلاف قصيدة النثر عن قصيدة التفعيلة أو عن القصيدة العمودية، فننسب الحداثة إلى هذه ونسحبها عن تلك، بل إن القضية أساساً في جوهر الشعر الذي هو كامنٌ في اللغة، ومن قبل ذلك كامنٌ في الرؤيا. هنا الاختلاف بين الشعر وسواه، بين الحداثة والقدامة." وحسب متابعاته المستمرة، أشار الطبال إلى "أنّ هذا الحراك الشعري الجديد تتقدّمه أسماء مشعة لا يخفى ضوؤها حتى عن الأعشى. وعلى هؤلاء الأمل في العزف الرحب الرخيم العميق الذي يعلو على كلّ نشاز".

ومن جهته الناقد والأكاديمي بنعيسى بوحمالة حرجاً من نعت النّشاطية الشعرية المغربية التي انطلقت منذ بواكير تسعينيات القرن الماضي بالحساسيّة الشعرية الجديدة، إذ أنّ الأمر يتصل، في نظره، بجيل رابع في سيرورة القصيدة المغربية المعاصرة". وأضاف: "ما كان لشعراء هذه الحساسيّة أن يوجدوا بين ظهرانينا لو لم يكونوا مسبوقين بأسلاف وآباء شعريّين عملوا، على مدى عقود، كلّ وأسئلته وآفاقه، على استنبات القصيدة المغربية المعاصرة في فضاء ثقافي معاند، على إخضاعها للتجريب والإنضاج، وفي الخلاصة على إعفاء الملتحقين المتأخّرين بالمشهد الشعري من أعباء انتزاع الشّرعية لهذا الوليد الكتابي من محافل التقليد والاتّباع الشعريّين في مغرب أواسط القرن العشرين إعفاءهم من مجازفات التجريب الجمالي على أكثر من صعيد مناولين إيّاهم، هكذا، منجزاً شعريّاً، حقّا ليس في قوّة و زخم نظيره المشرقي بيد أنّه سوف يشكّل أرضية ملائمة للأصوات الشعرية الجديدة، إبداعيّاً أو، بالأولى، تربويّاً، كيما تجترح سبلها الأدائية والتعبيرية.. ممّا يمثّل، بوجه عامّ، إضافة للمنجز الشعري المغربي المعاصر وتنويعاً على مادّته وجماليّاته."

  وبدا للشاعر محمد بوجبيري أن هناك ملامح خيال بدأ يتشكل من خلال صور بديعة تكسر المألوف البلاغي، ومن خلال لغة تنحو إلى المزيد من التكسير المبهج للعلاقة بين الدال والمدلول. وتابع بلغته الموحية: "دخلوا إلى حقل اللغة وعربدوا فيه بشكل جنوني، وجميل. ذهبوا إلى أقصى ينابيعهم الروحية، وقالوا بلغة نبيهة لا تخلو من مكر المعني ما ينبغي قوله بلا مواربة ، وبشعرية جذابة عارية ــ في كثير من الأحيان ــ من أي مكياج بلاغي. هكذا كما لو أنهم يريدون لسهامهم أن تنفذ ــ إلى مكمن الفهم ــ بسرعة فائقة."

 وباعتباره واحداً من أهم أصوات الشعر الجديد، أكد الشاعر مصطفى ملح أننا أمام اقتراحات جمالية فردية تكاد تكون معزولة عن ضمير الجماعة، وهي لتجربة شعرية جديدة في رؤاها وجماليات التشكيل اللغوي والبياني، قائلاً: "أنا واحد من أولئك الشعراء (الجدد)، لا أرى أن مركباً واحداً يلمّنا ونحن نعبر بحر الكتابة إلى الضفة الأخرى من الوعي. لا أرى ائتلافاً يطبع أجسادنا ولا توافقاً يصف ما تكتبه أصابعنا على يتم الورقة."

وقد ضمت النصوص الشعرية العناوين التالية: "ما يُشبه الاعتراف" لسكينة حبيب الله، و"عقـارب الـماء" لمحمد العناز، و"شذرات" لإيمان الخطابي، و"ملهاة" لرشيد الخديري، و"غيــم" لنسيمة الرَّاوي، و"الحُوذِيُّ" لجواد وحمو، و"موطن الفراشات السوداء" لليلى بارع، و"أثرٌ في أعالي الروح" لصباح الدبي.

22:01 |  Facebook | |

07/12/2014

Nuno Judice

جائزة الأركانة العالمية للشعر تذهب إلى الشاعر البرتغالي نونو جوديس

Nuno Júdice.jpg

 

اجتمعت لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر بالرباط، مؤخراً، للبت في شأن الجائزة في دورتها التاسعة، وهي الجائزة التي يمنحها بيت الشعر في المغرب كل سنة، بشراكة مع مؤسسة الرعاية  لصندوق الإيداع والتدبير وبتعاون مع وزارة الثقافة. وقد تكونت اللجنة، هذه السنة، من الشاعر العميد الأستاذ حسن مكوار (رئيساً)، والإخوة: الناقد عبد الرحمن طنكول، الشاعر حسن نجمي، الشاعر نجيب خداري،الشاعر رشيد المومني،والشاعر خالد الريسوني. وبعد التداول في الأسماء المرشحة لنيل الجائزة ارتأت لجنة  التحكيم أن تتوج، في هذه الدورة، الشاعر البرتغالي نونو جوديس، أحد الأسماء الشعرية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الشعري المعاصر في بلاده  وفي الشعرية الإنسانية، وذلك من خلال تجربته الشعرية الطليعية التي عرفت انطلاقتها مع بداية احتضار الديكتاتورية السالازارية وانبثاق لحظة جديدة في حياة البرتغال. شاعر متعدد الأساليب والتيمات دون أن يتنازل عن الاشتغال على مستوى أشكال وتقنيات الكتابة الشعرية، بأنساقها الإيقاعية الممتدة من الأغنية أو السوناتة، في تعايش مع السيلفات والكتل الشعرية أو قصيدة النثر التي تصل معها شعرية نونو جوديس إلى مستويات من القلق الإبداعي بالغة العمق والشفافية والإدهاش.

 

 إن التبصر والعمق في تأمل الأشياء لدى الشاعر جعلاه يستقصي الجذور الخفية للقول الشعري في مسارات بحث لا ينقطع عن الجوهر اللغوي للإبداع الشعري. كما نلمس لديه اقتداراً قوياً على الحكي وتوظيف السرد الذي يساهم في رسم  استراتيجيات وظيفية جديدة للنص الشعري، مستحضراً الأبعاد الأوطوبيوغرافية التي تقرب الشعري من المكاشفة المفتوحة على الذات والأحاسيس والتجارب، بما فيها الحميمي والمنفلت  المستعصي على الوصف.كما تنفسح شعريته  لاستكشاف الأعماق الأكثر عتمة في الوجود، اعتماداً على الرؤى والأحلام. وقد استطاع نونو جوديس أن يربط علاقات متينة مع عدد من الشعراء المغاربة خلال زياراته المتواترة للمغرب.  وأقام صداقة  شعرية وإنسانية مع بيت الشعر في المغرب منذ تأسيسه؛ فهو أحد أعضاء هيئة أصدقاء البيت، وأحد الشعراء الذين شاركوا في بعض أنشطة البيت ومنها الدورة الرابعة لمهرجان الدارالبيضاء العالمي للشعر.

   إن العالم الشعري لنونو جوديس (ميشلويرا غراندي، إقليم ألغربي، 1949) يتميز بحضور قوي للذات وهي تقيم في مناطق العزلة والنسيان، تنتشل خريفها الكئيب وهي تمضي باتجاه الدائرة: "أتقدم باتجاه الغناء الأخرس لتلك الطيور/ التي تخلفت إلى الوراء بلا سماء وبلا حواجز ملائمة/ وفي دائرة مسرنمة من الأجنحة تحوم". تبقى الحركة المسرنمة للأجنحة، بعد خراب السماء التي تحميها، مرهقةً ترسم محيطات تائهة. تلك هي حدود الذات والعالم، أي القصيدة التي تستلهم وتستوعب المحطة النهائية للشاعر نونو جوديس في رحلته الشعرية الكئيبة والساخرة، حيث انهيار العالم وتفككه خلال لحظة أفول وتلاشٍ بين ومضات متأججة لشمس متخفية في كتاب. هكذا نجد في قصيدة الشاعر البرتغالي تركيبة سحرية تحتفي بالأحاسيس والأفكار والأخيلة، ونجد أشكالاً رمزية ممكنة للتعبير عن عالمنا الراهن.

إن استعارة "الأفول" و"المساء" و"الغروب" و"الغسق" تحدّد لنا بشكل حاسم، المتخيل المكاني في شعر نونو جوديس، إذ يشيد ما بين الخراب والاكتمال عالماً داخلياً ينهض على تكثيف مفهوم الذات التي تنجلي بشكل موضوعي في القصيدة وفي مكان غير محدد يطفو فوقه الصمت المهيمن بأشكاله المختلفة: العدم، والفراغ، والغياب، والموت... وللحب والإيروتيكي، أساساً، حضور في شعر نونو جوديس عبر تجلّياتٍ متعددة تجد تعبيرها الأكثر بروزاً في أعمال الشاعر المتأخرة...

وقد نال الشاعر البرتغالي عدة جوائز اعترافاً بجهوده في بلورة وتطوير شعرية تؤسس لمعرفة قلقة بأسرار الوجود من خلال القصيدة، فنال جائزة بابلو نيرودا سنة 1975. ونال جائزة الشعر لنادي القلم عشر سنوات بعد ذلك عن ديوانه "قيثار الأشنة". وفي 1990 أحرز على جائزة د. دنيس لمؤسسة كازا دي ماثيوس عن عمله "قواعد المنظورات". وفي سنة 1995 نال ديوان شعري أساسي له "تأمل في الخرائب" جائزتين: جائزة الشعر للجمعية البرتغالية للكتاب وجائزة إيسى كايروس التي تمنحها بلدية لشبونة. كما نال عن مجموع أعماله جائزة النقد في سنة 2001 وهي الجائزة التي يمنحها المركز البرتغالي للجمعية الدولية لنقاد الأدب. وفي سنة 2003 تسلم جائزة سيزاريو بيردي وجائزة أنَّا هاثرلي عن كتابه:"أحوال الحقول". والجائزة الكبرى للآداب DST في 2005 عن ديوانه الشعري: "هندسة متغيرة". والجائزة الوطنية أنطونيو راموس روسا في 2006 عن ديوانه "الأشياء الأكثر بساطة". وجائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيرو أمريكي سنة 2013 عن مجموع أعماله.

 يقول أنخيل كريسبو عن نونو جوديس:" لقد عرف كيف يدمج الصولات اللسانية للتيارات الطليعية لسنوات 1950 و 1960 في نصية تتجنب تشظي القصيدة وتتجه على العكس من ذلك نحو حكي ملحمي غنائي في التباس..."

 

سيرةنونو جوديس

ولد الشاعر البرتغالي نونو جوديس في بميشلويرا غراندي بإقليم ألغربي سنة 1949. درس الآداب الرومانية في جامعة لشبونة الكلاسيكية. عمل أستاذا بالجامعة الجديدة للشبونة التي نال فيها درجة الدكتوراه سنة 1989 بعد أن تقدم بأطروحة لنيل الدكتوراه ببحث في الآداب القروسطية. وهو، حالياً، منسق دراسات الدكتوراه في اللغات والآداب والثقافات بالجامعة الجديدة للشبونة. سبق وأن عمل مستشارا ثقافيا بسفارة البرتغال في فرنسا ومديرا لمعهد كامويش بباريس. كما اشتغل في تحرير مجلة "الزمن والموضة" بين 1969 و 1974. وإلى حدود 1999 عمل مديرا لمجلة طاباكيريا التي يصدرها بيت فرناندو بيسوا. وخلال المعرض الدولي للكتاب بفرانكفورت في دورته 49، تم اختياره كمندوب للأدب عن بلاده "البرتغال باعتباره بلداً موضوعا".

 يعتبر أهم سفير للأدب البرتغالي في العالم في وقتنا الراهن، فقد قام بحملة واسعة سنة 1993 تحت شعار: "سفر في قرن من الأدب البرتغالي". وفي سنة 1994، وفي إطار لشبونة 94 عاصمة أوروبية للثقافة، نظم الأسبوع الأوروبي للشعر، وفي سنة 1996 تحمل مسؤولية إدارة مناظرة الآداب في مؤسسة غولبينكيان. عُيّن قيماً على الشؤون الثقافية في مؤسسة جوزيه ساراماغو التي تم تأسيسها سنة 2008. نشرت له دار غاليمار الفرنسية ديوانين أساسيين في سلسلتها الشهيرة الخاصة بالشعر هما: "غناء في كثافة الزمن" و"تأمل في الخرائب" في كتاب واحد مترجمين عن البرتغالية إلى الفرنسية. نشر العديد من الدراسات في نظرية الأدب وفي الآداب البرتغالية، والعديد من الأنطولوجيات مثل أنطولوجية الشعر البرتغالي المستقبلي، وطبعات محققة مثل سوناتات أنطيرو دو كينطال. وهو يساهم بشكل دائم بمتابعات نقدية للكتب في الصحف والمجلات.  نشر أول ديوان شعري له سنة 1972 بعنوان "مفهوم القصيدة". وفي السنة نفسها نشر ديوانه الشعري "الطاووس المصوت"، وأعقبتهما دواوين شعرية أخرى من بينها: "المياه اللامحدودة" 1974، "آلية التشظي الرومانسي" 1975، "بين ذراعي ضوء ضئيل" 1976، "توزيع الأساطير" 1982، "قيثارة الأشنة" 1985، "تعداد الظلال" 1989، "قواعد الأبعاد" 1990، "متوالية من أكتوبر" 1991، "غناء في كثافة الزمن" 1992، "تأمل في الخرائب" 1994، "حركة العالم" 1996، "قصيدة بصوت عالٍ" 1996، "نافورة الحياة" 1997، "نظرية عامة في الأحاسيس" 1999، "أشعار وحسابات" 2001، "خرائط الانفعالات" 2002، "حالة الحقول" 2003، "جغرافية متغيرة" 2005، "جغرافية الفوضى" 2005، "الأشياء الأشد بساطة" 2006، "مادة القصيدة" 2008، "الإحساس الوجيز بالأبدي" 2008، "دليل المفاهيم الأساسية" 2010، "إبحار صدفوي" 2013 وغيرها...

 ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات كالفرنسية والإسبانية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والعربية. كما نالت أعماله العديد من الجوائز الهامة في الشعر والرواية من بينها:

جائزة بابلو نيرودا للشعر (1975) عن ديوانه: "الآلية الرومانسية للتشظي".

جائزة نادي القلم (1985)عن ديوانه: "قيثارة الأشنة".

جائزة د. دينيس لمؤسسة ماثيوس (1990) عن ديوانه: "قواعد الأبعاد".

جائزة الجمعية البرتغالية للكتاب (1995) عن ديوانه: "تأملات في الخرائب".

جائزة عيسى كييروس للأدب (1994)التي تمنحها بلدية لشبونة عن ديوانه: "تأملات في الخرائب".

جائزة بوردالو لبيت الصحافة (1999).

جائزة المركز البرتغالي للجمعية الدولية لنقاد الأدب (2000) عن ديوانه: "أشعار وحسابات".

جائزة أنا هاثرلي لغرفة فونشال (2003) عن ديوانه: " حالة الحقول".

جائزة فيرناندو نامورا (2004)عن كتابه: "ملاك العاصفة".

جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيرو أمريكي في إسبانيا (2013)التي تمنحها جامعة شلمنقة ومؤسسة التراث الوطني بإسبانيا.

22:14 |  Facebook | |

25/10/2014

الكتابة والأجناس

الكتابة والأجناس. شعرية الانفتاح في الشعر العربي الحديث”… دراسة جديدة لحورية الخمليشي

10671432_10201948073543416_2899914084451297070_n.jpg 

   صدر كتاب جديد للباحثة المغربية د. حورية الخمليشي موسوم بعنوان “الكتابة والأجناس. شعرية الانفتاح في الشعر العربي الحديث” في طبعة أنيقة عن دار التنوير بيروت، ودار الأمان الرباط (296 صفحة، لوحة غلاف للشّاعرة والكاتبة والرّسّامة الكبيرة إيتيل عدنان). ويأتي هذا العمل حسب المؤلّفة تقديراً للشعر ورسالته الكونية. لذلك أهدَت عملها إلى كلّ مؤمن بقدرات القصيدة.

الكتاب هو أوّل دراسة نقدية فنّية في العالم العربي لمسألة “الكتابة والأجناس” في أفق استكشافي جديد، ترصد فيه المؤلّفة ملامح الكمال والجمال في الشعر الحديث والمعاصر المنفتح على شعريات العالم، والمنفتح على أنماط الفنون من تشكيل ومسرح وموسيقى وتعبير جسدي وسينما وغيرها.

ولعل الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق كما ترى الباحثة هي: ما علاقة الكتابة بالأجناس؟ وكيف تجلّت الكتابة عند شعراء الحداثة؟ وما هي تجليات الكتابة عند شعراء وضعوا أسُساً لتأسيس مفهوم الكتابة الجديدة؟ وما دور الشعر في زمن أصبحت الصّورة تأخذ فيه مكاناً كبيراً، بينما فقدت الكلمة من قوتها الإعلامية لمصلحة الشيء المرئي؟ وبالتالي كيف نقرأ الشعر العربي الحديث والمعاصر؟ هل تكفي مسألة الذوق لقراءة الشعر؟ أم يجب على قارئ القصيدة المعاصرة أن يكون مُلمّاً بالعديد من الحقول المعرفية والمعارف المتعددة بمفاهيمها وتصوراتها لتعيين نظرية القراءة؟ وإلى أي حدٍّ يستطيع المتلقّي العربي تقبّل الجماليات الجديدة وإدراك مفاهيمها في عصر المعلوميات وثقافة الصورة؟ وما الذي تضيفه الوسائل الرقمية إلى الشعر؟ وهل الشعر في حاجةٍ إلى التقنيات الرقمية؟ وما علاقة الشعر بالتشكيل والموسيقى والرسم، زمن تكنولوجيا المعلومات والبثّ والتبادل الرقمي؟ وماذا عن قراءة الشعر في فضاء اللّوحة لقصائد يشكّل فيها الخطّ العربي نسقاً فكرياً متميّزاً لغةً وإبداعاً وتراثاً، كما يشكّل فيها المسرح والسينما مكاناً هامّاً في الشعر المعاصر في بُعده الجمالي والفنّي والفكري؟

تجارب فردية لشعراء كبار

تجمع هذه الدراسة بين المكتسبات التّصورية النّظرية المعرفية والمنهاجية لما كان قد أنجزته الباحثة في مؤلَّفات سابقة أهمّها “الشعر المنثور والتحديث الشعري” و”ترجمة النص العربي القديم وتأويله عند ريجيس بلاشير”. وهو ما جعل هذه الدراسة تمتاز بتفتّح فكري على طرق البحث المنهجي في دراسة الشعر الحديث والمعاصر، بالاعتماد على آخر التّنظيرات والمعطيات المستجدّة في حقل الشعرية ومسألة الحداثة من خلال كتاب “مفاهيم موسعة لنظرية شعرية. اللغة–الحركة-الموسيقى” للدكتور محمد مفتاح، بتوظيف مبدأ “التّفان” الذي يفيد تداخل الفنون، لتوضيح مدى انفتاح الشعر الحديث على الفنون الأخرى المجاورة له كالرسم والتشكيل والسينما والموسيقى والمسرح وغيرها.بالإضافة إلى مصطلح “التّمزيج” الذي تنتفي فيه الحدود بين الأجناس، مع إعطاء الأولوية للحاسّة البصرية التي تهيمن على كل الحواس.

وتناولت الباحثة في عملها تجارب فردية لشعراء كبار قدّموا أعمالاً تحتلّ مرتبة الصدارة في هدم الحدود بين الأجناس الشعرية والأجناس الكتابية انطلاقاً من “كتاب البيانات” الذي يضمّ بيانات الكتابة لأدونيس ومحمد بنيس وقاسم حداد، بالإضافة إلى شعرية محمود درويش كأحد كبار شعراء الحداثة الشعرية. وترى المؤلِّفة أن أزمة الشعر الحديث والمعاصر هي أزمة التّلقّي لنصوص منفتحة قابلة لأكثر من قراءة وأكثر من تأويل. وقد اعتمدت في عملها على مصادر ومراجع دقيقة عربية وغير عربية وعلى أكثر من مائة موقع إلكتروني.

تحديث ثقافي

وقسّمت الباحثة عملها على المستوى النظري والمنهجي إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول عنونته “القصيدة العربية بين الأغراض والأجناس”، ويتكوّن من أربعة فصول تناولت فيها الأغراض الشعرية عند القدماء، ومسألة الأجناس الشعرية والتحديث الشعري، والرومانسية والأجناس الشعرية، والبيانات الشعرية والتأسيس لمشروعية الكتابة. أما القسم الثاني فجاء بعنوان “أجناس القصيدة العربية الحديثة”. ويتكوّن من ثلاثة فصول اهتمت فيها بالأجناس الشعرية ومسألة التحديث الشعري، والترجمة وبنية الانفتاح، والشعر والتلقي. ويأتي القسم الثالث بعنوان “الشعر الحديث والتحديث الثقافي”. ويتكوّن من ثلاثة فصول تتضمّن تجربة الكتب الفنية وإشكالية التّجنيس، وبين الألوان الشعرية والألوان الفنية، والشعر وثقافة الصورة.

ويضمّ الكتاب صوراً ورسوماً لنماذج من اللّوحات التشكيلية المستوحاة من الأعمال الشعرية الكبرى، ولنماذج من الكتب الفنّية التي تتضمّنها الدراسة. هذه اللّوحات التي توضّح مدى تفوّق الفنّ في نقل الجوّ الشّاعري من القصيدة إلى اللّوحة وإلى المسرح والسينما والموسيقى وغيرها.

 

23:03 |  Facebook | |

28/09/2014

::

في ديوان "حمَّالة الجسد"للشاعرة إيمان الخطابي: صوت الذات الجريحة

محمد بوجبيري

1911798_1386549174946849_729305983_n.jpg1904005_1386536811614752_810530337_n.jpg

  حمَّالة الجسد ديوان شعر للشاعرة إيمان الخطابي ، وقد صدرـ سنة 2014 ـ عن منشورات بيت الشعر في المغرب . صمم الديوان، وأخرجه الشاعر والتشكيلي عزيز أزغاي . لوحة الغلاف من توقيع الفنان المغربي أحمد بن إسماعيل .على ظهر الغلاف قصيدة "طفلة تشبهني"، وقد وردت في الصفحة 19 من الديوان .عدد الصفحات 87 صفحة من القطع المتوسط . نصوص المتن المقروء كتبت بين سنتي 2001 و 2013 ، وقد صنفتها الشاعرة إلى أقسام تحمل العناوين التالية : سيرة اللبلاب / رؤى شاحبة / حتى القمر/ حمَّالة الجسد / لحن يجرح الكمان / قليل من الحب / أرض للسقوط . تضمن كل قسم عدة عناوين لقصائد أغلبها مقاطع قصيرة ." بعد هذه الورقة التقنية ، كعتبة أولى ، يستوقفنا العنوان ، كعتبة ثانية ، يصعب المرور عليها مرور الكرام ، وقد ورد في الصفحة 47 كعنوان لقصيدة من سبعة عشر مقطعا ، وقراءة سريعة لهذه القصيدة تبين هوية هذا الجسد ، وعلاقته بصاحبته ، أو حمالته ، وهي علاقة توتر، كما نقرأ في العديد من المقاطع ، نختار منها للتمثيل المقاطع الثلاثة الأولى ، حيث تبوح الشاعرة بأنها رهينة هذا الجسد ، وسجينته:  حمالة جسد أنا ، / أرعاه وأحرسه / ولا أملك ناصية روحه ". وقولها : " حراس على روحي،/ وجسدي خارج الروح/ رهينة " ، ثم :"حراس على جسدي ،/ وروحي داخل الجسد / سجينة "، إلى أن تقول في المقطع الأخير: «أبعد من جسدي / تتطلع روحي ". ص50 .

  يتكون العنوان من مكونين اسميين . الأول ورد بصيغة المبالغة ، وهي ـ كما هو معروف ـ من المشتقات الدالة على كثرة الحدث ، وتكراره ، وقد دل ـ في العنوان ـ على كثرة وثقل الحَمْل على الذات المتكلمة "أثقلني جسد ،/ وضعته على جنب ../ واتكأت على جدع روح ". ص 49 . المكون الثاني هو الجسد ، وقد ورد معرفا ، وهو حمَّال أوجه ، لأنه يتجاوز البعد الفيزيقي الظاهر إلى أبعاد أخرى خفية تتحكم في سلوكه وردود أفعاله داخل سياق مجتمع مثقل بإرث الماضي ، وما يتعلق به من تقاليد وعادات وأعراف جعلت من هذا الجسد أسير ترتيبات قهرية حدَّت من حريته ، ورغبته في الانطلاق صوب غبطة الروح كما تود الشاعرة . "في قفص تربى جسدي / فلم تذهب بعيدا روحي ". ص50 ، وفي قصيدة " سجينة " تقول الشاعرة: "خلف نافذة عمياء / حائط أخرس ،/ وخلف الباب / كيس قمامة وحارس ./ يا امرأة تدخر الأماني / مثلما تدخر حليها ، / طرزي الكفن إذا / واخرجي لتراك شمس البارحة ". ص54.
يحتل الجسد في هذا الديوان حيزا مهما ، إنْ لم يكن هو المركز، وما تبقى من تيمات دوائر تدور في فلكه ، أو مرايا تعكس حالاته ومكابداته ، وهو يتأرجح بين السامي روحا ، والنازل غواية . هذه الثنائية بين الروح والجسد هي أول ما يطالعنا في الديوان ، بحيث وردت في الإهداء الذي جاء على هذا النحو : " إلى روحي وجسدي معا " . هذه الثنائية حاضرة في العديد من قصائد الديوان كما سيتضح . الجسد سلطان وجاذبية تلوذ بهما الذات المتكلمة تارة ، وتارة أخرى تتمرد عليهما . هذا الصراع لاشك يتعب الروح ، كما جاء على لسان الشاعرة: " تعبت روحي / فسقطت / جرة الجسد ." ص 48 ، أو في قولها : " خذ عني هذا الجسد قليلا / لأضمد روحي ". ص 49 ، وفي قصيدة " وفاء " ـ التي تقطر ألما ـ نقرأ " لا أمت لدمي / إلا بصلة الألم/ ومع هذا أواظب على مشقة الانتماء ". ص7.

الذات المتكلمة ـ في الديوان ـ جريحة ، وتتوسل " الحزن الكافر" ألا يفتك بها . ذات قلقة ومتوترة لأن ما تسمو إليه أكبر مما بين يديها ، ولأن الحلم أكبر من الواقع . تجرم الجسد حينا ، وتنتصر له حينا آخر، وذلك ـ طبعا ـ تبعا لأحوال النفس ، وطقس المزاج . تجرمه لأنه مملوك لسيد ، ولأنه ـ كما شاء الموروث ـ إثم وخطيئة ، وتنتصر له ، لأن لا غواية ، ولا قضم ل " تفاحة الحب " من دونه . هذه الذات اليقظة نباهة استطاعت تدبير هذا التنازع بين الروح والجسد ، ولجمهما ـ ولو إلى حين ـ كما يتضح في هذا المقطع " روحي تحت قدمي/ وجسدي حبله في يدي/ أروضه مثل غزال/ وأُقرئه ما حفظت من المحاذير:/ هذا مَرْعاك/ لا تشرد بالهوى/ في البعيد ." ص 48.

  الشاعرة في هذا الخضم تنأى بنفسها بعيدا عن هذا الصراع الأزلي في كل ذات ، خاصة الذوات الشفافة الرهيفة، وتعود إلى عالم الطفولة البريء ، حيث لا ضجر ، ولا صراع بين الجسد والروح ، لأن الوعي بهما لم يتم بعد . تستعيد وجه أمها ، وخطاباتها . " وأنا ما زلت أتهجى صور العالم الأولى ،/ كنت أسألها ، ونحن نطل من شرفة الليل ماذا خلف تلك الأضواء البعيدة يا أمي ؟/ تجيبني: شجر وعيون ماء ،/ صدقتها ، واسترسلت في رأسي/ أنهار حلم وضياء " ص 14 .

تستعيد أيضا لحظات صفاء مع الذات ، وهي تنعم بجمال الكائنات المحيطة بها في الكون البديع ، وتتفاعل معه في تواصل روحي عميق ، كما نلمس في هذه المحاورة الومضة ، وهي تعاتب القمر " تمر قريبا من سمائي/ ولا تطل أيها القمر." ص43 ، أو في قولها للجدول : " أيها الجدول الطليق ،/ المنسدل على ظهر الأرض/ جديلة حرية ،/ إلى أين تمضي بلا حقائب/ ولا شجن ؟ " إلى أن تقول: "آه يا ابن النهر المسافر/ لو أني أشبهك ." ص84.

هيمن في الديوان صوت الذات المتكلمة ، وقد اختارت للتعبير عن نفسها ضمير المتكلم بصيغة المفرد ، وهو الضمير الأنسب للإفصاح والبوح عن الوجدان وما يعتمل في دواخله من أحاسيس وانفعالات تبعا للتفاعل المستمر مع العالم ، وموجوداته.
لغة الشاعرة لغة جميلة شفافة ، تميل إلى الاقتصاد ، والتكثيف مع جعل الكلمات ، والتراكيب على مقاس المعنى من دون بهرجة وشطط زائدين ، وهذا ما يفسر غياب الحشو والكلام الزائد . هذا ـ أيضا ـ ما حدا بها إلى أن تصب تجربتها في مقاطع لا تتجاوز أحيانا سطرين ، أو ثلاثة ، وهي مقاطع أقرب إلى الومضة ، أو الشذرة ، التي يكفيها بعض من الكلمات لكي تومئ بكثير من الفهم .
هنيئا للأستاذة إيمان الخطابي الشاعرة الأنيقة ـ روحا وحبرا ـ بهذا الإصدار البديع.

 

 

17:44 |  Facebook | |

:::

في ديوان «قبل أن تستيقظ طنجة» للشاعرة نسيمة الراوي

أحمد هاشم الريسوني

24qpt870.jpgnassima.jpg
صوت شعري أنثوي سلسبيلي دفّاق يدندن بإيقاعاته الحلزونية الخافتة والخفيضة بجرأة العاشق، وطلاوة الجُلنار. كانت شاعرة قبل أن تستيقظ من حرفها المنسي: مثلما كانت تجوّد معابر القصيدة، وهي تنفسح برهافة اليد البليلة صوب عبّار المساء..لم تجروء أن توقظ القصيدة من غفوتها البحرية الواطئة، لم تجروء أن تسيج المرافئ الناعسة..لم تجروء أن تقول لكم إنها القصيدة التي تقرؤون..
بشغف مفعم بالغبطة والامتنان استقبلت ديوان شاعرتنا الجميلة «نسيمة الراوي» الذي يحمل عنوان»قبل أن تستيقظ طنجة» هذا الامتنان، وتلكم الغبطة نابعان من كون هذا الديوان يؤثث لفضاء حميمي وحالم هو فضاء طنجة، ثم كذلك يشكل استيقاظا شعريا متسامقا لهذه الشاعرة التي تخوض غمار القصيدة بنفس أوريفيوسي خالد..أو لنقل بنفس أنثوية لماحة كما علمنا بشلار. وهي ذات النظرة التي انطلق منها الراحل محمد الصباغ في بحر حديثه عن الشعر، حيث يقول»الشعر، هذا الجميل-و كدت أقول الجميلة..» وهو في مقام آخر يرفض أن يكون الشعر مذكرا، بل ينظر إليه بوصفه أنثى، وليس ذكرا كما علمنا التاريخ الطويل للفهم التقليدي المؤسس على عقدة الذكورية أو الفحولة..هذا الشعر منبعه الذات، ومن ثم نجد منفذا آخر للأنوثة يتسلل خفافا صوب رحيق القصيدة..ونحن حين نقرأ القصيدة الأنثى في المشهد الشعري المغربي نجدها مضمخة بالتعدد والتلون والتشاكل، في تعالقها بالذوات الشاعرة، كما نقف على إشراقات متوثبة لها الجرأة الكافية، والمغامرة المطلة على حافة الخطر، والسمو الإبداعي الخالص. وتلك لعمري ملمح شفيف، ومطمح عارف بسر الكتابة وأريج الحرف. هذه القصيدة الأنثى المتحولة في سيرورتها المخملية الناعمة، كما تمثلها الشاعرة مليكة العاصمي في جانب، وتحمل مشعلها وفاء العمراني في جانب ثان، ونراها قد أينعت في بساتين وداد بنموسى في موقع آخر، ثم عاجت على صهباء ثريا مجدولين تارة أخرى، وطوحت بمقام لطيفة المسكيني غبَّ ليلٍ كحيل، وهفهفتها تراتيل زهرة المنصوري، ذات روح، هي الآن تستيقظ بقامتها الهيفاء وقدها الأثير، وجلالها النازل دُرْجَ بحر نسيمة الراوي..والداخل لهذا البحر سيقف على مرسى القصيدة وهي تُجَمِّع شباك الصور الأليفة عندنا، فَتَفْتقُها خفيفا حانيّاً ثم تَغْزِل لها خيطا شفيفا تِلْوَ خَيْطٍ شفيف؛ وكأن القيامة تنظر من عيني إبرتها مفتونة بالأمالي. هكذا تتبرعم القصائد وتنمو في رحابة الهزيع الأخير من الثغر العليل قبل أن تستيقظ الحواشي الميساء من غدها النحيل. أول الدهشة. هذا الغلاف المدوّخ بالغبش البليل، الراوي للحكايا السفلية، ثم تلك اللوحة/ الأثر المسائي الحالم، نوتاتٌ مدلهمة لسمفونية القصيد، والواقع أن الشاعر الفنان الصديق عزيز أزغاي يشرب نخب القصيدة ثم يستقطر تقطيراً أفروديتيا فوق مسحة الغلاف. اللوحة قصيدة بظلال ظليلة. وحبذا تكون ضليلة فتآزر الملك الضليل في غفواته الديمومية..فالمرفأين: مرفأ أول بعنوان «قبل أن تستيقظ طنجة»، ثم مرفأ ثان يحمل عنوان «البحر أسطورة زرقاء»، وبمجرد ما نحزم حقائبنا ونشرع في المسير في المرفأين يتملكنا إحساس جارف أن الحدود تظل مقيمة في الوهم. وأن المساحة عبارة عن مرفأ واحد واسع وشاسع، تتولد من أعماقه الفسيحة مرافئ متوالية، وكأنها بيوتات عسلية مشرئبة الهوى، أقيمُ فيها هنيهة لأخرج مثقلا بالصدفات البلورية والحبيبات الرملية المذهبة..هكذا أشم رائحة الأسطر الشعرية الطازجة.
هناك ثيمتان محوريتان تتجاذبان وتيه البحر هما ثيمة الماء وثيمة الموت. والعجيب أن ثمة ميم المتصوفة تعقبهما عقفا طريا لينا دانيا حنيّاً..والبحر أول القصيدة، والبحر آخر النشيد. لقد استوقفني هذا البحر طويلاً في ديوان «قبل أن تستيقظ طنجة»، وقال لي خُذْ قليلا من غفلة الغافلين، واقرأ ما تيسر منه: أولا «البحر جسد موزع بين المراقص»..ثانيا «البحر روميو الشمس».. ثالثا «البحر أسطورة يسردها المد للبر».. رابعا «البحر تنورة زرقاء»، «النوارس أزرار الزبد أهداب»..»الأرض أنثى الغجر»، خامسا «البحر كورال الراحلين»، «الغرق رغبة في الغناء».. سادسا «البحر حنجرة المدينة»، «الهدير صوتها»، «المد صرخة..الجزر طلقة صمت».. سابعا «أفتق أنسجتي فما حاجتي لثوب يكسوني إذ ألبس البحر»..
هذه المزارات السبعة، أو قل هي مقامات سبعة، يمكن أن تظل بابا كبيرا لولوج عالم الشاعرة نسيمة الراوي، وهي مقامات متشابكة ومتقاطعة في الآن ذاته..كما لو أنها تولج الموت في الماء وتولج الماء في الموت، وبينهما برزخ الميم لا يبغي، كأنه معمدان للمدينة..تلك عين أخرى لرؤية المدينة وهي تميل على كعبها العريان رويدا رويدا. أستحضر هنا»ديوان طنجة» لسعدي يوسف الذي جعل من اللحظات العابرة مقاما لصور متوالية..هي عينه اللاقطة توقف اللحظة مثلما الأبد، في حين أقف مع نسيمة الراوي على هاوية قلب ناطق يتملّى في طلعة كينونة المدينة، وهي ترتجف قابضة على جمرة الحنين..هما رؤيتان مختلفتان حد الغسق، رؤية سعدي يوسف العابر في اللحظات.. ورؤية نسيمة الراوي المقيمة في الكينونة. في حين نجد أن الشاعرة بمقامها الروحي الغميس تقترب من عالم في زاوية من زواياها من عالم الشاعر أحمد الطريبق أحمد أحد الذين تغنوا روحا بـ «طنجة العالية» اقرأ نموذجا من قصيدة لها بعنوان» طنخرينا»:
«أَتَعَثَّرُ فِي أَهْدَابِ حُلْمِي،
أَزْحَفُ سَدِيمَةً،
طِيناً يَتَمَادَى فِي الاغْتِرَابْ،
أُشَارِكُ صَوْتِيَ الصُّعُودَ،
أُغَنِّي لِلْمَدِينَةِ..

أُهَدْهِدُ أَوْجَاعِيَ عَلَى سَرِيرِ الرُّوحِ
بِالْحُلْمِ، لاَ بِالنِّسْيَان؛
طَنْجَةُ لاَ تَنْسَى وَضْعَ ذَاكِرَتِي فِي سَلَّتِهَا،
كُلَّمَا نَزَلَتْ إِلَى الْبَحْرْ..».
كما أنها تقترب في زاوية أخرى من مآثر العزيز الفقيد منير بولعيش الذي استنفر في قصائده القوية والمتفردة جراحات طنجة الأزلية..أقرأ مثالا من القصيدة الأخيرة بالديوان، والتي تحمل عنوان «نكاية بالمدينة»:
«عُشْبٌ مِنْ أَقَاصِي الْقَلْبِ يَسْقُطُ،
وَأَنَا أُمَشِّطُ عَلَى طُولِ «الْبُولِڤَارْ»
هِپِّيّاً يَسْتَعِينُ بِقُبَّعَةٍ
كَيْ لاَ تُزْعِجَ أَصْوَاتُ الْمَطَارِقِ
قَصِيدَةً تَتَدَرَّبُ عَلَى الْغِنَاءِ بِالْبَالِ،
قَصِيدَةً مُصَابَةً بِفُوبْيَا الضَّوْءِ..
هِپِّيّاً يُخْفِي وَجْهَ شُكْرِي
دَاخِلَ حَقِيبَتِهِ؛
كَيْ لاَ تَتَّهِمَهُ الْمَدِينَةُ
بِالْخُبْزِ الْحَافِي،
أَوْ زَمَنِ الأَخْطَاءْ..
هِپِّيّاً يُشْبِهُنِي
فِي التَّمَاهِي مَعَ مُوسِيقَى پَاكُو دِي لُوسِيَا»
ذلك الأنين البولعيشي الصاعد من كينونة المدينة نتحرى زفراته الرابضة في هذا المقطع الآنف الذكر للشاعرة نسيمة الراوي، وكأنها تنسج دفقات الشاعر بغُلالة أنثوية مقيمة في الأعماق، أعماق القصيدة وأعماق المدينة مثلما هي أعماق الكينونة. لقد تغنت الشاعرة بمدينة طنجة، كما تغنى آخرون، لكنها عزفت على وتر منفرد متفرد يحمل بصمة روحها، وهي بذكائها الشعري الأنيق وضعت صورة شعرية للوركا، وكأنها تحيل على حالها تقول الشاعرة:
«فِي طَنْجَةَ لاَ نَرَى الصُّوَرَ مُتَعَدِّدَةَ الأَبْعَادِ فِي قَصَائِدِ لُورْكَا،
بَلْ نَشُمُّ مِلْحَهَا مَمْزُوجاً بِرَائِحَةِ الْبَحْرْ…»
وها نحن نشم ملح الشاعرة ممزوجا برائحة البحر في قصائدها، وهو في الآن نفسه ممزوج بملح المدينة؛ لأن البحر والمدينة صورتان لروح واحد: تقول في مقطع آخر:
«فِي طَنْجَةَ يَخْرُجُ الْبَحْرُ مِنْ قُبَّعَةِ سَاحِرٍ
تَخُونُهُ خِفَّةُ الْيَدِ..»
ولكي تكتمل صورة البحر والمدينة في تعالق دلالي آسر، نقرأ في مقطع آخر:
«كُلَّمَا أَوَجَعَتْنِي الْحَيَاة،
أَذَبْتُ قُرْصَ شَمْسٍ
فِي كُوبِ بَحْرْ..»
هنيئا لك يا بحر..هنيئا لك يا طنجة بهاته الشاعرة التي أفاقتنا قبل أن تستيقظي.
* نسيمة الراوي،قبل أن تستيقظ طنجة، ديوان شعر، دار النهضة العربية-بيت الشعر في المغرب، بيروت-لبنان، الطبعة 1، 2012.

 

17:11 |  Facebook | |

24/07/2014

نقد

تجليات العشق الإلهي في «مكاشفات» الشاعرة أمينة المريني

أمجد مجدوب رشيد

أمينة-المريني-252x300.jpg

لا تمنحك «مكاشفات» (1) الشاعرة المغربية أمينة المريني، بل وتجربتها الشعرية ككل، سوى منفذ واحد، أن تعشق فيه كل حرف من حروف قصيدتها. سنقارب تجليات العشق الإلهي في مكاشفات الشاعرة مقاربة تأويلية، و«تعتمد التأويلية مبدأ الملاءمة (وهو يعني في الحدود الدنيا غياب التناقض) باعتباره معيارا للحقيقة. ينبغي أن يفسر كل مظهر من مظاهر النص تبعا للملاءمة بين الكل..» (2)

تفتتح المكاشفات بقصيدة عنوانها مقام الجمال. وحسب العتبة المصاحبة لعنوان القصيدة، فالشاعرة كابدت حال الابتلاء لتعبر حال الجمال، وهو يهيء لمقام المكاشفة. وتحولات الذات الشاعرة وما تكابده في هذا المسار هو نسغ القصيدة وقوامها، فالمعشوق جمال سني في جماله انسَكبت الدوالي في كأس العاشق، لتشرب منه الشاعرة فتزداد عطشا، وما الكأس هنا سوى العشق. وتصور الشاعرة في القصيدة تجليات هذا العشق ومراقيه، ومعجم العشق يسير نحو الكشف المشتهى: (الهيام، الوله، الهوى، الذهول، الرضى، وامق، كاشف). إن قصيدة مقام الجمال ضفة ما قبل المكاشفة، وفيه كابدت الشاعرة (سورة البعد) وأسر التوله (ووقوف الأسير المولّه) يجلل الشاعرة ذهول في حضرة جمال الله، والمعشوق موغل في غيبه، والعاشق موغل في حبه، فهو (خلف الستار… ولقد غاب.. وتوارى…) متمنّع.

06qpt896.jpg

وأحوال العاشق ذهول وزلزال وقتل وإحياء: (فسريت على سبحات الجمال/ الذي أذهلك/ ثم من ذبذبات السنا/ زلزلك/ ثم أحياك إذ قتلك..) وهو في مجاهداته يهفو للحظة انكشاف حبيبه: (وانكشف للرؤى/ وخذ الكل لك). ( وارفع الحجب/ هل أعجلك؟).
وفي قصيدة «فرقد» تحرك شهقة الناي العشق الكامن، وتوقظ الحلم الغافي، ذاك الذي تفوق لذته لذة الشعر فلا يكون الشعر في حضرته سوى سراب: (تناستْ لديه/ سراب المجاز/ ووهم الكناية/ إذ عربدا). وحنين العاشق إلى المعشوق، وشوقه للوصل يجعلان لحظة الانكشاف تحولا نورانيا لذات العاشق من فيض أحدية المعشوق: (يكاشفني/ لا أرى وصفه/ ويطلعني من لهيب/ السنا فرقدا).

في قصيدة: «لها مواويل القاف» تتوج الشاعرة المقاطع السبعة بأفعال أمر كلها تنتهي بقاف: (احترق، اخترق، امتشق، اعتنق، اغتبق، استبق، انطلق) وكل صيغ الأمر موجهة للذات، للسمو بها نحو النور الكلي (في عرشك/ الفجر والنجم/ والضوء والمنتهى) وللفناء والشهود بعد اغتباق أكؤس العشق التي لا حواشي لها، عشق لا يحد، فيجود العاشق بدمه في سبيل عناق المعشوق، ويرى وجهه اللانهائي. وفي القصيدة مستويات من التلوين البديعي، كالجناس غير التام: (انطلق/ نجمة/ نسمة/ نغمة..) والطباق (الليل/ الفجر) كما يشكل التكرار والتجانس الصوتي إثراء لموسيقى القصيدة ولتفعيلة المتدارك، فتتكرر لفظة النجمة واغتبق واستبق وانطلق، واحتضن، والضمير أنت، وتتكرر التراكيب مثل: النفي، لا ابتهال القوافي/ لا حواشي لها/ لا حدود لها. ويشكل التجانس الصوتي وقوافي القصيدة ملامح فنية، إذ تجد في المقطع الواحد هسيس حروف متناغمة متقاربة، ويتحقق هذا في كثير من قصائد الديوان وانظر قصيدة رقصة. وهذه القصائد تمثل البنيات والرؤى الأسلوبية والجمالية للديوان.

كأس لا تشبه هذي الكأس

سبق لنا تناول الكأس كرمز شعري في فروسية المجاطي (3)، وكشفنا الأبعاد الرمزية لهذا المكون الجمالي، والذي وجدناه يلح علينا ونحن نقرأ مكاشفات الشاعرة، فقد ورد وتكرر مفردا وجمعا وبمرادفات وقرائن شتى أكثر من ثلاثين مرة، مما استوجب دراسته دراسة سياقية و تأويلية. وتجدر الإشارة إلى ورود الكأس وما يحف به من معجم خمري في ديوان سآتيك فردا 2001 وديوان المكابدات2005 «ولما كانت الخمر في شعر الصوفية مجرد تلويح إلى معان خاصة تدور على المحبة الإلهية والعرفان الصوفي، ووصف أحوال الوجد الروحي، فإنها لا تعدو أن تكون رمزا…» (4). ومن سلاطين العشق الصوفي الذين رمزوا بالخمر للحب الإلهي وللمعارف العلوية والأشواق والمكابدات والأذواق، وذكروا الكأس لفظا بعينه: ابن أبي مدين التلمساني والجيلي وجلال الدين الرومي…والحلاج .. وابن الفارض الذي يقول: (شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامة ً/ سَكِرْنا بها، من قبلِ أن يُخلق الكَرمُ/ لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ يديرها/ هِلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجَتْ نَجمُ.) ويعلق شارح الديوان في هامش الصفحة179. (والكأس كناية عن مظهر التجلي). (5)

يوحد العشق الصوفي ومكابدة الشوق لتحقق المكاشفة، رمز الكأس، ولكن في تلك الوحدة مستويات من اللون الذي يكسب كل كأس خصوصيته ويكون عبقا وعطر زهرة ما وسط بستان الدلالات، تقول الشاعرة: (ولا كأس تشبه هذي الكأس) فهي رمز، بل كأس تفوق كل خمر، وتسمو سموا علويا، وتناغي البهاء الأكمل. فلذا فالكأس يتجلى في وجوه منها: (كؤوس الجوى. وكأس الجنون. والجنون كناية عن غلبة الحب، وكؤوس أسيل على ضفتيها. وأكؤسا لا حواشي لها. وكأس الوصل. وكؤوس ضاحكات. وكاسات معطرة. ضاءها /وهج الكؤوس/ والكؤوس شهود. بكأس لا تشبه تلك الكأس).  وينقل عاطف جودة نصر عن النابلسي وهو واحد من شراح ديوان ابن الفارض قوله: «فإنهم ــ أي الصوفية ـــ يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها، ويريدون ما أدار الله على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق». تقول الشاعرة في موقف السلوى: (صُبَّ في نفسك نفسي/ وأنرْ كأسك كأسي) وأنر روحك روحي، وتقول في مكاشفات:(أنا شارب الكأس/كأس الجنون). وكم جن الأصفياء وتاهوا بالعشق.

سدرة المنتهى واشتهاء الانكشاف

يتلظى فؤاد الشاعرة شوقا للمعشوق، ففي قصيدة مقام الجمال يصدح: (وانكشف للرؤى/وخذ الكل لك). ( وارفع الحجب/ هل أعجلك؟). وفي قصيدة شهود يوجعه بعد المشتهى: (الباب عندك موصد/نحو ذاك المنتهى/والمشتهى دوما/بعيد؟؟َ!!). وفي قصيدة مقام الذهول يؤكد ذلك الاشتهاء الممض: (بأي مجاز يناغي حبيب/ ليكشف عن ذاته ألقه/ فيأفل ليل/ ويسمق فجر/ على موعد فاتن/ أوثقه؟!). ولافت للانتباه تردد أسلوب الاستفهام، وهو على صورة الرجاء.

ويقودنا هذا الاشتهاء إلى رمز مصاحب له ملازم يكاد يكون صنوا له، وهو رمز الباب، المكنى به عن سدرة المنتهى، وقد أفرد الدكتور محمد بنعمارة رحمه الله صفحات لها ــ سدرة المنتهى ــــ وذكر تعريف كمال الدين عبد الرزاق القاشاني صاحب كتاب «اصطلاحات الصوفية» لهذا المصطلح: هي (البرزخية الكبرى التي ينتهي إليها سير الكل وأعمالهم وعلومهم، وهي نهاية المراتب الأسمائية التي لا تعلوها رتبة.). (6) ويتكرر ذكر لفظة الباب والألفاظ الحافة به من مثل: الأعتاب، والحجب، والستر.. سواء وردت على صيغة الإفراد أو الجمع، تعضدها دلالات الوقوف والانتظار. ليتجلى الاشتهاء وتكتمل صورته. ففي قصيدة رقصة، تحلم الشاعرة بتجلي حبيبها: (وحين ألوح ببابك خيطا/ أرقصه العشق الشوق/ …سينثرني وجه/ ضاءت فيه عباءته) وفي قصيدة غزلية يصور كيف تمنع الحجب الانكشاف، ويكون سفح الدمع ذهولا وهياما واشتهاء لتجلي المعشوق على مرآة القلب، سكبته الشاعرة مجازا يترقرق: (ودمعك خلف رقيق الستور/ على ورق عاشق/ رقرقه؟) قصيدة مقام الذهول.وأول لذات التلقي لهذه الصورة الشعرية، مستوى التشكيل الصوتي، وهذا الجرس والسقسقة الناتجة عن وجود القاف ست مرات. والشاعرة تتخيل حبيبها يدعوها للولوج إلى حضرته: (اخترق حجبنا/ قطرة من ندى/ غادرت في اللظى/ طينها التعسا). لكنه موغل في تمنُّعه والشاعرة مجنونة بولهه: (هل أدرك البصر المحجوب/ أوله/ أو زاغ حين بدا المحبوب/ متشحا في الستر/ ثم اختفى دلّاً/ وأسدله؟).

مكاشفات

وتصور الشاعرة لحظات تحقق المكاشفات: (يكاشفني/ لا أرى وصفه../ ويطلعني من لهيب/ السنا فرقدا..). (إن من رش في نرجسي/ عشقه انكشفا/ دكني دكة/ فارتوى خزفي/ وهوى شغفا).(فأدخل في حضرة /من شموس لقائك).والشاعرة تحلق في علياء العشق وتفنى في النور ــ فرقد، شموس ــ والبهاء. وهذا الطواف في المكاشفات ما نحسب أننا أوفيناه حقه أو أننا أحطنا بكل دلالاته وألقه، ويكفي أننا تضمخنا بعشقه.

*
هوامش:
1 ـ مكاشفات، الديوان الخامس للشاعرة أمينة المريني، ط1 ـــ 2008، نشر حلقة الفكر المغربي.
2 ـ فيرناند هالين وفرانك شويرفيجن/من التأويلية إلى التفكيكية ــ ترجمة محمد خير البقاعي، ضمن كتاب: بحوث في القراءة والتأويل ـ ط1 /1988 حلب. ص 16.
3 ـ قرارة الكأس: انكشاف الرؤيا في فروسية المجاطي/العلم الثقافي 29 مايو2014.
4 ـ عاطف جودة نصر /الرمز الشعري عند الصوفيةـ ط1/1978 بيروت. ص378.
5 ـ ديوان ابن الفارض، شرحه وقدم له مهدي محمد ناصر الدين، ط1 عام 1990 بيروت.
6 ـ محمد بنعمارة: الصوفية في الشعر المغربي المعاصر/ ط1 ـــ 2000 المغرب. ص77

10:54 |  Facebook | |

28/06/2014

الشاعر محمد السرغيني

                  تجربة القصيدة ورؤيا الشعر

DSC02529.JPG 

 حسن مخافي

I

تعرفت على الشاعر محمد السرغيني ذات يوم من خريف ثمانية وسبعين. كنت أتلمس طريقي لدراسة الأدب العربي، وكان هو أحد أعمدة شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بفاس. قبل ذلك بسنوات قرأت بعض ما أتيح لي من قصائده، ولم أفهم منها شيئا. وتحولت تلك القراءة إلى نقطة استفهام كبيرة حملتها معي إلى الكلية ضمن ما حملت.
ولما جلست إلى الأستاذ السرغيني انتابني شعور بأنه لا يشبه شعره. وتصورت أن بين الرجل وما يكتب مفارقات، وجهها البارز أن شخصية محمد السرغيني كتاب مفتوح ما إن تقترب منه حتى يصير بينك وبينه ألفة. أما شعره فقد مثل لنا نحن طلبة الأدب العربي آنذاك تحديا أوصلنا إلى حافة اليأس، وكلما حاولنا الخوض في غماره، قنعنا من الغنيمة بالإياب. وبما أن الاقتراب من محمد السرغيني الشاعر كان صعب المنال فقد فضلنا عليه محمدا السرغيني الأستاذ.

ولأستاذيته صورتان: صورة الإنسان الذي كان يكن لنا نحن الطلبة القادمين من الأقاصي عطفا خاصا، جعلنا نستنجد به كلما ضاقت بنا السبل، فيلجأ أحيانا إلى تبرير أخطاءنا إمعانا في الانتصار للطالب ظالما أو مظلوما.

أدركنا في وقت من الأوقات وقد كانت الساحة الجامعية تخضع للتصنيف والتخندق أن أستاذا من هذا الطراز لا يمكن أن يكون إلا شيوعيا أو اشتراكيا على أقل تقدير. مرة تجرأ أحدنا وسأله عن لونه السياسي، فأجاب: أنا ديمقراطي.

عندما جلسنا إلى الأستاذ السرغيني وهو يحاضر أدركنا أن الديمقراطية عنده هي الحرية والتسامح والإيمان بالاختلاف والتعدد. كان هذا هو الدرس الأول الذي تعلمناه منه. ثم توالت الدروس لتصب في مستقر واحد يكمن في أن السبيل الأوحد للنهوض الحضاري هو التشبث بروح الحداثة.

من هنا كان الأستاذ دقيقا في اختيار ما يدرسه. لم يكن السرغيني الأستاذ يستعمل مفهوم الحداثة في محاضراته ولكنه كان يمرره عمليا من خلال برامجه الدراسية وآراءه في الأدب والأدباء.
لقد شكلت محاضرات السرغيني مدخلا للتصالح مع شعره، دون أن يكون بينهما رابط مباشر. ومن هناك أعدنا اكتشاف السرغيني الشاعر بفضل السرغيني الأستاذ.

II

عندما نقف اليوم على التجربة الشعرية لمحمد السرغيني فإننا نستحضر تجربة طويلة وغنية استغرقت حوالي ستين عاما توجت بإصدار مجلدين ضخمين عن وزارة الثقافة في أكثر من ألف ومائتي صفحة، وسما بالأعمال الكاملة. وعلى الرغم من للشاعر نصوصا لم تظهر في هذه المجموعة، فإنها تسمح ببناء تصور عن المسار الطويل الذي قطعه محمد السرغيني منذ سنة ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف، حين نشر قصيدة "نشيد الأمواج" على صفحات مجلة "الأنيس" إلى اليوم.
تتضمن هذه المجموعة غير الكاملة من أعمال الشاعر قصائد سبق أن نشرت في منابر مغربية وعربية، يعز على الباحث الوصول إليها الآن، وقد قسمها السرغيني إلى قسمين "ما قبل الأشعار الأولى" و"الأشعار الأولى". وهو تقسيم ينم عن إحساس بتطور التجربة الشعرية لديه. فإذا كانت قصائد "ما قبل الأشعار الأولى" تفصح عن نفس رومانسي طافح يحيل على بعض شعراء المهجر موضوعا وقالبا، مما يوحي بأن السرغيني لم يبدأ بالقصيدة العمودية على غرار الشعراء المغاربة في الأربعينيات والخمسينيات، فإن "الأشعار الأولى" تنم عن بداية تشكل الرؤيا الشعرية لديه. لقد كتب أغلب القصائد المنضوية تحت هذا العنوان ما بين أربعة وخمسين وسبعة وستين. وقد عرفت هذه الفترة في تاريخ الشعر العربي بالتأسيس للحداثة الشعرية التي عبرت عن نفسها من خلال مجلة "الآداب" ومجلة "شعر" البيروتيتين، على الرغم من أن كل واحدة من المجلتين كانت تدافع عن اتجاه شعري. لقد مد الصراع بين المنبرين القصيدة العربية برصيد نظري ثر، ما زالت القصيدة العربية إلى الآن تستفيد منه.

وفي أوج ذلك الصراع بين القصيدة الرؤية والقصيدة الرؤيا، كان محمد السرغيني يقيم ببغداد، يستكمل دراسته الجامعية، وفي عاصمة الرشيد وجد نفسه محاطا بأقطاب الحداثة الشعرية العربية الكبار، من أمثال السياب والبياتي ونازك الملائكة وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم. وفضلا عن الاحتكاك بهؤلاء الرواد الذي منح تجربة السرغيني الشاب أبعادا جديدة، فإن الشاعر تشبع بثقافة تشكيلية كانت مدرسة بغداد من أنشط مدارسها في العالم العربي. إن هذا هو ما سيسم مسيرته الشعرية بما يمكن أن أسميه شعرية المكان، حيث تتحول الأمكنة في شعر السرغيني إلى مشاهد صوًَرية أعيد تشكيلها.

وعلى الرغم من محمد السرغيني لم يكن متحمسا للقومية الوجودية التي كانت مجلة "الآداب" تروج لها، وكان بذلك أقرب إلى مجلة "شعر" التي كانت تنزه الشعر عن الالتزام الذي يجعل القصيدة مشدودة بسلطة الواقع، إلا أن هزيمة 1967 شكلت نقطة فارقة في شعره أسوة بباقي شعراء الحداثة العربية.

هناك أمر يثير الانتباه في علاقة السرغيني بالنشر، فقد ظهرت له قصائد في المجلات والصحف منذ الأربعينيات، ولكن أول ديوان له لم يظهر إلا بعد ذلك بأكثر من أربعين عاما، عندما أصدر ديوانه الأول: "ويكون إحراق أسماءه الآتية" عام 1987. وبعد هذا التاريخ أصدر مجموعة من الدواوين تباعا: بحار جبل قاف 1991، الكائن السبإي و"وجدتك في هذا الأرخبيل 1992، من فعل هذا بجماجمكم 1994، احتياطي العاج و من أعلى قمم الاحتيال. فاس 2000.

تعبر هذه الأعمال عن انحياز إلى اختيار شعري ما فتئ محمد السرغيني ينميه ويطوره. هذا لا يعني أن ما سبق هذه الأعمال مجرد تجريب بقدر ما يشير إلى أن محمدا السرغيني وجد طريقة خاصة به في كتابة الشعر، تبلور خصوصية القصيدة المغربية الحديثة المنفتحة على على أفقيها العربي والإنساني. من هنا نجد القصيدة تؤثث بفضاءات الأمكنة المغربية وبفضاء مدينة فاس على وجه الخصوص، وتوظف مدونة التراث المغربي الأندلسي بشكل لا يلغي التراث العربي بالمشرق ولا يغض الطرف عن التراث الإنساني. القصيدة في شعر السرغيني حبلى بمرجعيات يطبعها التعدد، ولكنها تنصهر في بوثقة النظم الشعري بما يشبه الواحد المتعدد.

إن هذا يعكس في الواقع ثقافة الشاعر الموسوعية، وهي ثقافة تلتقي فيها عدة روافد، يطبعها التكامل ولا يفرق بينها بعد المسافة. فالسرغيني الذي يكتب بالعربية والفرنسية والإسبانية ويقرأ بالإنجليزية يسهل عليه الجمع بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية، وبين صعلكة الشعراء العرب وعبثية الشعراء الغربيين بانسياب شعري يقل نظيره.
ابتداء بكتاب "وجدتك في هذا الأرخبيل" اقتحم محمد السرغيني تجربة جديدة في مساره الشعري، وذلك باعتماد شكل "الكتاب" بدل الديوان. ويختلف الديوان عن الكتاب في أن الأول يضم بين دفتيه مجموعة من القصائد التي قد ترتبط مع بعضها بطريقة لا تفقد القصيدة كيانها كوحدة تتمتع بالانفصال عن غيرها. أما الكتاب فهو عمل شعري متكامل يخضع لبناء متماسك من القصائد التي يجمعها رابط عضوي. وحسب علمي فإن أدونيس في "الكتاب" ومحمد السرغيني في "وجدتك في هذا الأرخبيل" و"دفاتر بلقيس" هما من نهجا هذا السمت في كتابة الشعر.
وبهذا يكون هذا الشاعر قد سلك في مساره الشعري الطويل كل الطرق الصعبة التي بصمت كتاباته بالتجاوز والتخطي.

III

القصيدة عند السرغيني "فكرة مبيتة" وهذا التعريف الذي استعيره منه، ينطوي على صنعة شعرية بتعبير القدماء. ولعل تأثر الشاعر منذ وقت مبكر بحداثة الرؤيا في الشعر العربي كان وراء سعيه الدؤوب من أجل قصيدة تنسج علاقة مع الوجود في وضعياته المختلفة لكي تقبض عليه. وينسجم هذا المنحى في الكتابة الشعرية مع توصيف للشعر كان ابن خلدون قد صاغه في المقدمة حين عرف الشعر بأنه علم لا موضوع له. هذا يعني أن الشعر لدى محمد السرغيني معرفة من نوع خاص، تقوم على الحدس والرؤيا وتلامس الواقع عن طريق رجع الذات. بهذا تصبح القصيدة عند السرغيني تجربة وجودية بالمعنى الأنطلوجي للكلمة. وهي تجربة لا يمكن أن تكون إلا فردية. وهذا ما يفسر تمايز شعره في أكثر الأزمنة تعميما. ففي السبعينيات على سبيل المثال كان الشعر المغربي يشكل تيارا جارفا ليقبض على الواقع بآلامه وآماله، بينما كان السرغيني منشغلا بصياغة رؤاه بعيدا عن زحم الشعارات، وربما كان هذا سببا في عزوفه عن نشر أشعاره في تلك المرحلة.
إن إصرار الشاعر على إخراج قصيدته من دائرة اليومي والواقعي، وربطها بالتجربة والرؤيا، هو بمعنى من المعاني خوض في التصوف. ومن هنا كان صاحب "الكائن السبإي" من الشعراء الأوائل الذين أدركوا هذه العلاقة المحكومة بالغموض واللذة بين التصوف والشعر. وهذا هو الملمح الأول الذي يتلمسه قارئ السرغيني.

والخطاب الصوفي هو اشتغال على اللغة قبل كل شيء، لأنه يقارب "واقعا" يستعصي على صيغ التعبير المعتادة ولذلك فإن ما يعرف به شعر محمد السرغيني من غموض دلالي يعود إلى استحالة التطابق بين واقع التجربة بالمفهوم الذي تمت الإشارة إليه وبين واقع اللغة. إن هذا قد خلق نوعا من التعامل مع اللغة يقوم على اختراق نسقها على مستوى المفردة والجملة والنص.

ومن هذه الزاوية فإن السرغيني قد أغنى الرصيد المعجمي للغة العربية، سالكا في ذلك النحت اللغوي تارة والتوليد الدلالي تارة أخرى. ولكن اختراق الشاعر لنسق اللغة يقع بالأساس على عاتق الجملة الشعرية القائمة على التكثيف والانزياحات. وهو ما يشكل عنصرا آخر من أسباب الغموض الدلالي في شعره، إضافة إلى الإكثار من ذكر أسماء الأمكنة والأعلام التي تتخذ بعدا عموديا يجعلها من صميم شعرية القصيدة، وذلك بصهرها في النسيج الصوري بشكل يعضد البناء العضوي للقصيدة.

إن محمد السرغيني يمارس كتابة ما يمكن أن أسميه "القصيدة العالمة" حيث يتحول العمل الشعري لديه إلى مزيج من المعارف والفنون، لذلك لا يمكن للقارئ فك شفرات شعره إلا إذا كان على معرفة بالفضاءات التي مر بها، وبالأسماء التي يوظفها. ولكن صعوبة شعره تنبع كما ألمحت قبل قليل إلى التوظيف المكثف للتراث العربي والإنساني، وإلى الاشتغال على اللغة.

لكل هذا فإننا عندما نتحدث عن شعر محمد السرغيني فإننا نتكلم عن مدرسة شعرية ما زالت بحاجة إلى من يكتشفها. خاصة وأن النقد لم ينصف شعر السرغيني لأن قصائده تتمنع عن المقولات والمفاهيم المسبقة. فالدراسات التي أنجزت حول شعره قليلة، وهي على قلتها لا تلامس جوهر الشعر عنده. ولعل مثل هذا اللقاء مناسبة للتحريض على قراءة شعر محمد السرغيني الذي يشكل قارة شعرية لوحده. فشكرا لمن أتاح لنا هذه الفرصة....

1 ـ أصدرت وزارة الثقافة منذ أشهر "الأعمال الكاملة" لمحمد السرغيني في مجلدين. وفضلا عن الاضطراب الذي لحق تلك الأعمال في التصفيف والاخراج، فإنها بقيت لحد الآن غير كاملة بالنظر إلى خلوها من قسم هام من أشعار السرغيني، ومن ذلك "وجدتك في هذا الأرخبيل" و "كتاب الصنائع".  

08:22 |  Facebook | |

03/06/2014

الشعر في ضيافة الفايسبوك

الشعراء «الفايسبوكيون».. شعراء الإفراط في كل شيء

fac.jpg

سعيد منتسب

ليس من الصعب أن تدرك أن هؤلاء الشعراء (الذين نحتفي بهم في هذا الملف) الهادرين كأمواج تركب بعضها دون اتفاق مسبق، قد أبرموا بحرية عالية عقدا مفصلا مع «الخسارات»، ليس لأنهم بلا قامات شعرية، بل لأنهم، حين اختاروا أن يضيئوا على «الفايسبوك»، كانوا يعرفون جيدا أنهم يعزفون قصائدهم تحت غطاء ضجيج مفتوح.
إنها تجربة تتحقق بثبات ورباطة جأش، وبنوع من الحماس «الميتافيزيقي»، على هامش «الديوان الشعري» الورقي، حيث فجّروا جماليّاتٍ كتابيّة جديدة، تعكس فهمهم الخاص للكيان الشعري، بعيدا عن لغة الآباء «المحليين» المفترضين، أبعد كثيرا عن «صناع الشعر» وما يسطرون أو يسقفون، وأبعد فأبعد عن النظريات الشعرية «البروكستية» التي تعبث بمفاصل النص وتستدرجها إلى مقاسات تنطلي بسرعة فائقة على «الطلاب المجتهدين»، وليس على الشعراء «الإيكاروسيين» الذين يرتدون أجنحة من شمع ليبارزوا الشمس في عقر دارها.
يقول الشاعر محمد بنميلود، وهو من أشرس هؤلاء الشعراء و»أخطرهم» على الإطلاق: «إن أردت أن تصير كاتبا، ابتعد عن الأفكار التي يجمع عليها أكثر من مائة شخص، لا تكن أنت الرقم مائة وواحد، أو مائة واثنين. إبحث لك عن أفكار معاكسة، في الاتجاه الآخر، عبر الطريق الجانبية الغامضة وسط أشجار وحشائش وهواء صاف. ابتعد عن أفكارهم حتى وإن كانت صحيحة، فمهمة الكاتب ليست الذهاب في طريق كبيرة مؤدية وصحيحة، بل خلق طرق جديدة في الطرق المسدودة، احفر نافذة في الجدار على مقاسك واهرب منها، طر منها بحرية مع العصافير. 
ليس مهما أن يكون معك الحق فيما تكتب، المهم هو أن تملك القدرة السحرية على جعل ما تقول حقا، وذلك لا يتأتى إلا بالنفخ على الكلمات كساحر، وحبها بجنون، واحتضانها كبيوض لتفقس، وإخراج كلمة حمامة من كلمة قبعة. 
لا تتركهم يخدعونك بعددهم وعتادهم وقدرتهم الجماعية المؤثرة على قول الحقيقة لشخص واحد أعزل. العدد وهم مضاعف، والحقيقة الوحيدة التي عليك الإيمان بها ككاتب هي الشك والريبة والهرب المستمر. إنهم لا يقولون لك الحقيقة، إنهم يخرجون لك ديناصورا من قبعة، بيد جماعة في شخص واحد، بيد تحجر التاريخ بمستحثاته في طبقات العقل الجيولوجية، فيخيفونك. لا أحد يستطيع كتابة الحقيقة، ولا الصواب، إذن قف صلبا كالحداد، واصنع حقيقتك من لاشيء، من حديدة متلاشيات ملقاة على جنبات الطريق، إصهرها واطرقها جيدا حتى تلمع، واقذفها في السماء لتصير نجما».
ونستطيع القول إن المراجع التي يلوذ بها «الشعراء الفايسبوكيون» (الذين نعنيهم بهذا الملف)، على مستوى التجربة، ليست أسماء للاقتفاء والاقتداء، بل هي نصوص لا أرض واحدة لها. نصوص تشبههم، تشتعل طاقة ونورا وألوانا وشجرا وغيمات، كما تطفح بالتأمل الفلسفي اللذيذ (نصوص الشاعرة الواعدة جدا سكينة حبيب الله)، وبالمجازات التي لا تأتي جزافا، وبالكلمات التي تختمر معانيها في مكان ما من العقل، وبموسيقي الجاز والبلوز والريكي والروك وكناوة والعيوط والغرناطي والأندلسي وفيفالدي وفيردي وأرموند وزانفير وباخ وبيتهوفن وتشايكوفسكي وشوبان وموتزارت ورخمانينوف.. ألخ. نصوص تأخذ بيد لغتهم الشعرية لتعبر بها نحو قارات تخييلية جديدة، حيث تتحول الذات (والذات فقط) إلى «مزمار سحري» يقود جميع الأشياء نحو نهايتها (نحو الأقصى). «هناك الذّات فقط. الذّات المتشظّية، لكن المنفعلة والمركّبة التي تشي بهشاشتها، وتطفح بغيارات صوتها الحميم، وتنزع نحو المجهول، وقد ولّت ظهرها للمعضلات الكبرى، وعكفت بدل ذلك على ما يعجّ به اليومي والعابر والهامشيّ والخاصّ من تباريح ونقائض وتفاصيل وإيحاءات، مرتفعةً بانفعالاتها واستيهاماتها وعلاقاتها وحيواتها إلى مستوى أسطرتها، وبالتالي شخصنة متخيّلها الشعري. ونتيجةً لذلك، برزت رؤى شعرية جديدة في نصوص هذا الجيل والجيل الذي سبقه، تعكس في مجملها إمّا وضع الاغتراب واليأس والحزن التي تتملّك الذات، أو استقالة الذات من الواقع ونفض اليد عن إلزاماته وحاجياته، أو الرغبة الطافحة بالحب والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود، أو التوق لتحقيق التوحُّد مع المطلق» (عبد اللطيف الوراري أثناء الحديث عن التجربة الشعرية لـ «جيل بين قرنين»). وليس هذا المطلق سوى الشعر الذي يتحول إلى معنى خالص. يقول عبد الرحيم الصايل:
«بالنسبة لي، راينر ماريا ريلكه، شاعر كبير وهائل الكرم. لقد كنت أعيش أياما صعبة كنت خلالها أبحث عن حل لفمي الذي كان يتدفق بالشعر ويمنع الفرصة عن يدي. آمنت بالشعر من أول نظرة، ومنذ تلك اللحظة التي آمنت به فيها، صار لقلبي وجود، والْتأمت طفولتي. ريلكه شاعر كريم أنقذتني روحه الشاسعة، وفي رسائله إلى شاعر ناشئ، اعتبرت نفسي الشاعر الناشئ الذي كان ريلكه يراسله. لقد مرت علي أيام، كادت فيها يدي أن تتصلب وكاد فيها فمي أن يضرب عن الكلام، لكن حدث أن التقيتُ ريلكه وتم تخطي المحنة. شكرا لك راينر ماريا ريلكه» .
وإذا كان الصايل يدين بكل شيء للنمساوي (وليس العربي أو المغربي) ريلكه ويتمنى أن يقبل أقدام الشعر الذي رفعه برقة فوق الجرح: (أيها الشعر/ لو كانت لك قدمان/ لقبلتهما صباح مساء/ فأنا مدين لك بكل شيء)، فإن سكينة حبيب الله تكتب (ليس على عجل) كي لا «تتسمم»:
«كيف بدأت الكتابة؟ لماذا أكتب؟ 
لأني لم أفكر في تهشيم الكلمات تحت قدمي والتخلص منها. 
لأن كل شيءٍ بدأ بسبب الخوف والأصوات والهروب. 
لأني في السادسة من عمري اختبأت تحت طاولة الطعام حين داهمت العاصفة البيت لأول مرة، وحين وضعت يدي في جيب مريولي- في محاولة للتكوم - وجدت قطعة طباشير، بدأت أكتب على سقف الطاولة الخشبي أشياء وأشكال، ثم تعبت، كان لدي كلام يجب أن أكتبه، لكني تعبت. نظرت لقطعة الطباشير المتبقية في يدي والتهمتها بدافع من ذلك اليقين الذي لا يقبل الالتباس أن أي شخص ستسقط في يديه من بعدي ستكتب له في ما يشبه الوشاية كل الكلام الذي أتعبني ولم أكتبه. الاحتفاظ بها، كان يشبه إخفاء قلعة في جيب، مفضوحاً ومستحيلاً. أصبتُ بتسمم بعدها، الطبيب أكدَّ أني أكلتُ شيئاً مؤذياً ، منتهي الصلاحية أو غير صالح للأكل (هو يقصدُ قطعة الطباشير) لكني وحدي كنت أدرك أن السبب كان الكلام الذي لم أكتبه/ وهكذا ومنذ ذلك الوقت/ كان علي أن أكتب/ وإلا تسممت».
شعر هؤلاء يتمتع بحيوية كبيرة، إذ تجد فيه كل أشكال التجريب التي يمكن الاغتسال بأضوائها. إنه شعر مثير ورائع. شعر أطفال مشاغبين، وليس شعر أساتذة يعرفون من أين تؤكل الأوزان (رغم أن فيهم من يكتب شعرا عروضيا جميلا مثل الشاعرين محمد عريج وأحمو الحسن الأحمدي) ومن أين تُسرق المعاني وكيف تُخفى وتُطْمسُ وتتحول في النهاية إلى حلوى صالحة للاستهلاك ترتاح في جوارير محكمة الإغلاق. شعراء يضعون الشعر فوق كل شيء، ويتمتعون بحماسة كبيرة للغة الخالية من التغضن. لغة لا تستحوذ عليها «حوافر البعير»، ولا «قفا نبك».
لنقرأ لمحمد بنميلود:
«الّذين يملؤون البئر بماء البحر/ هم أصدقائي/ الّذين يحبّون الأحذية تصل حتّى الرُّكب، كخيّالة الحدود/ والبنادق محشوّة برصاص سبق استعماله/ يسدّدون طلقاتهم في اتّجاه الشّفق الآجوريّ/ ويظلّون حزانى في نهاية الحياة/ كموظّفيّ الإعدامات/ بمعاش لا يكفي لأيّ شيء/ يقول لك الصّديق منهم: إنّ الشّفق يصير أحمر كلّما ماتت الشّمس في الغروب، يقول كلامًا غامضًا، ويصمت أيَّامًا طويلة جدًّا بطول السّكك الّتي بلا قطارات/ يمشي وحيدًا في الثّلج/ ولخطواته آثار تذوب قبل أن يصل/ يكون في بلاد الغربة حارس كاتدرائيّة، وفي بلاده يكون حفّار قبور في المحيط/ هكذا هُم أصدقائي».
ولعبد الرحيم الصايل نقرأ:
«كان علي/ أن أزأر/ وأرمي موزة لي/ وأحك رأسي/ وأصدر نهيما/ وأمد عنقي/ بين الأشجار العالية كزرافة/ وآكل العشب/ ناظرا بعيني غزالة حذرة/ إلى ظلي الذي لذئب/ لقد كان علي/ أن أكون حيوانات كثيرة/ في حديقة جئت إليها/فوجدت أن الحيوان الوحيد/ الذي يعيش فيها طليقا هو الكذب».
ونقرأ لسكينة حبيب الله:
«جرَّبتُ أن أسقِط اسمي مراتٍ عديدة/ لكن كثيرين ظلوا يركضون خلفي/ كي يعيدُوه إليّ / أما من التقطَه أوّل مرة/ فقد كان أبي/ بإصبعين حملهُ كفأرٍ ميت/ ورماهُ في وجهي /وأنا من باب اللباقة/ كان عليّ أن أشكرَه».
ولمحمد عريج:
«كأنَّ يديْكِ تشتهيَانِ قتْلِي/ لتقتسما معاً ميراثَ ظِلّي/ كأنَّكِ والخُطَى أمستْ بلاداً/ ترينَ ولا ترينَ..حُدودَ وصْلي/ لقدْ سَيَّجْتُ أشجاري عميقاً/ لكي لا تدخلي في الليل حقلي/ وقد أوصدتُ خلفي الليلَ كي لا/ أرى عينيكِ في قمرٍ مطلِّ/ خُذيكِ إلى الغيابِ..خذيكِ مني/ خذي شفتيكِ منْ أسراب نحلي/ خذي رُطبي التي سقطت..ولكنْ/ دعيني كي أواسيَ جذع نخلي».
لم يعد الشعر بالنسبة لهؤلاء وسيلة لعرض المعارف الفلسفية أو الأسطورية، أو التبجح بأنهم موسوعات متنقلة، أو أنهم على إلمام بالتجارب الشعرية في أمريكا واليابان وروسيا واليونان وألمانيا والموزمبيق وساحل العاج والبرازيل والكيبيك والتوتسي والهوتو وجبال الهملايا. إنهم يسعون في الغالب إلى تبليغ مشاعرهم بالانزلاق الحر على ظهر التخييل. ليسوا شغوفين بالنظريات الأدبية، ولم يتربوا على بناء جملهم الشعرية على مقياس الجدران النقدية.
يقول الشاعر منير الإدريسي:
«يعجز نقّادنا عن الاقتراب من الأعمال الشّعرية التي تراهنُ على الاختلاف. الأعمال التي تحلّق بعيدا عن السّرب، والتي تحمل اقتراحات جماليّة جديرة بالتأمّل. عوض ذلك يسبحون في البرك التي يعرفون تضاريسها جيّدا».
لنقرأ لسناء عادل:
«ثقبُ الباب/ ليس أميناً في كلِّ ما ينقله/ عن الخارج/ وشعاعُ الحظِّ/ الذي يتسرّب من تحتِ الباب/ سريعاً يخبو/ مهرولةً تمرُّ الأيّامُ/ ووحدَه المجهولُ يعلَمُ كم تهرِّب/ في طيّاتها من جميل/ دورةٌ.. دورتان للمفتاح/ وشيءٌ من العزيمة/ تكفي كي ينفتح البابُ على مصراعيه/ أيها الواقفُ/ -كابنِ امرأةٍ عقيم-/ خلفَ بوابةِ الحيـاة».
ولحبيبة سميك نقرأ:
«طرقاتي غابات لا تنتهي/ وطني ظل شجرة متعبة/ أحرس الليل من قسوة الكون/ وفي كفي قنديل صغير/ أطرد به كوابيس الطيور النائمة/ وأشق به ظلمة الطريق كمحاربة مجنونة! / في كفي شمس صغيرة/ وعطر وردة ميتةفي كفي سر كبير».
ونقرأ أيضا لليلى بارع:
« وأنتِ تُطلين من نافذتك السوداء/على صباحاتي/تذكري/ أنني رسمتها بأصابعي المجروحة/ لم يحملها لي أي فجر/ أو طائر أزرق صغير/ وأنت تطلين مباهية بفستانك المشتعل غواية/ تذكري/ أنني اشتريت هذا الصباح/ بأقساط باهظة/ من متجر الأيام/ ذاك الذي يقع على درب/ الزمن الحزين/ وأنت تطلين/ لا تنسي/ إزالة تلك الضحكة/تلك التي لا تليق بصباح خجول/ تلفع برداء/ فرح بعيد».
ولأمينة الصيباري، التي تكتب شذرات شعرية ملتمعة وعميقة، نقرأ:
«سامحيني أيتها الفراشات المرتعشة في القصائد إن سكبت فوقك طبقة فورمول سميكة..أريدك أن تتجمدي وأنت في حالة رقص».
إنهم شاعرات وشعراء يحبون الإفراط في كل شيء، ويسعون إلى الهدم بشهية عمياء لا تلوي على شبع. يقترحون خيالا حرا، ويتنافسون في البحث عن الصور الطرية، والنادرة، وغير المطروقة. وهم يعون جيدا أن ليس بإمكان ذلك «الانزياح العذب والمتدفق والطائر» أن يتحقق إلا باللوذ بالأطفال الذين يضحكون في الداخل. إن استدعاء الطفل في قصائدهم هو استدعاء للرؤية الداهشة والمندهشة. الرؤية العارية من الأثاث الخارجي. الرؤية غير المستنزفة بتأويلات الآخرين، ولا بالحُفَر التي تركتها فاغرةً معاولُ الشعراء السابقين. رؤية عذراء كغابة في كوكب غير مأهول. إنها «كتابة ببياض ناصع لا تشوبه شائبة، كصفاء قلب زهرة الغاردينيا التي تصبو إلى النور كي تتفتح مثل صبية ناضجة في موسمها الشهي، وفي معانقتها للصباح وحوارها مع المساء، هي كتابة بقلم مصنوع من خشب جذوع أشجار الجوز، واثقة من قدرنها على التجول بين الكواكب بالخطوة نفسها التي تتجول بها بين السواقي والحقول. إنها تلك اليد المضيئة التي تجرنا برفق نحو ضفافنا البعيدة، حيث كل شيء يبدو ملاكا (كما قالت الشاعرة الإسبانية أليخاندرا بيثارنيك).
شعراء أطفال يسبحون في بحيرات لا يراها سواهم. يعتبرون الطفولة ماء مطلقا، ولذلك يصرون على أن يظلوا مبللين. ومع ذلك، فإن أغلبهم على اطلاع واسع بتاريخ الشعر، قديمه وحديثه، وعلى دراية بـ «عمود الشعر العربي»، وبفحول الشعراء ونبلائهم وصعاليكم وفرسانهم. لكنهم استطاعوا أن يحققوا «اللا التفات» اللازم لكل تجربة في الإبداع، فنجوا من «لعنة أورفي»، ليسقطوا في لعنة أخرى، هي البحث عن «الصوت المتفرد». ومن هؤلاء الشاعر الجميل أحمو الحسن الأحمدي الذي يقول في إحدى شذراته الشعرية:
«مَرَّتْ بِنَافِذَةِ الْبَهَاءِ رَوَاحِلِي فَحَطَطْتُ رَحْلَا..
قُدِّي قَمِيصَ الْهَجْرِ مِنْ قُبُلٍ ..فَثَوْبُ الْوَصْلِ أَحْلَى..
إِنِّي لَمَحْتُكِ كَالنَّدَى وَرَأَيْتُ مَبْهُوراً عَلَى عَيْنَيْكِ كُحْلَا..».
بل إن أغلب هؤلاء الشعراء على إلمام طيب بما تفشيه أشكال التعبير الأخرى من مجاورات مع الشعر، فتتحقق في أشعارهم الموسيقى والقصة والرواية والمسرح والسينما والنحت والصباغة والفيديو، وفنون الطبخ والتجميل والتبرج والبيولوجيا والصيدلة والتشريح.. إلخ. شعراء جميلون يعيدون للعالم طراوته الأولى، لا يكتبون شعرا يأكل بعضه، ولا يتعاملون مع اللغة كمنفى، ولا مع «الريبرتوار» الشعري المغربي كأب ينبغي قتله. هم شعراء بدون آباء وكفى، أو يعلنون صراحة أنهم أبناء الأرض الذين هرَّبوا فرحهم الشعري من عبوس الكواكب الأخرى.. ولا يتعاملون مع «الخارج» ككارثة قيامية كالحة. ثائرون ومتمردون دون مخططات حربية (لا تهمهم- أو هكذا يبدو- المعضلات الكبرى). ينتقدون كل شيء، البيت والمدرسة والأحزاب والدولة والحكام. متحيزون للهامشي والهش، وأحيانا للسوداوية واليأس، بل إن منهم من يكتب عن الموت كما لو كان صديقا يشاركه الملح كل يوم.
هؤلاء الشعراء يعيشون الشعر، يقرؤونه ويحسونه ويعرفون جيدا ما يقع حولهم من حروب وترتيبات وألاعيب القوى العظمى والصغرى، لكنهم لا يكترثون بشكل مباشر للصراعات الجيوستراتيجية. لن تجد فيهم خليل حاوي، ولا أمل دنقل، ولا عبد الله راجع، ولا المجاطي، ولا عبد الله زريقة، ولا عبد اللطيف اللعبي، ولا مظفر النواب، ولا عبد الوهاب البياتي، ولا أدونيس. هم كل أولئك، ولا أحد من أولئك أيضا. لا يعتبرون «الصحراء» أو «مدونة الأحوال الشخصية» أو اختصاصات رئيس الحكومة قضية شعرية. ذلك أن الشعر يحقق مصيره خارج الإجماع الوطني، ويسير في اتجاه واحد لا علاقة له بالأمم المتحدة أو منظمات حقوق الإنسان الدولية.
شعراء مأخوذون بأشيائهم الصغيرة، يشرق فيهم الشعر كما لو كان شمسا تطل على حديقة. صيادون ماهرون للصور الرائعة، وليست لديهم أية نية للتقدم في العمر (الهدوء والنضج والترقب). كل ما يهمهم ورقة شجرة أو مقبض باب أو جناح طائر صغير أو ظهر دعسوقة أو عش مقلوب على شجرة منحنية. الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه لها الكثيرون. التي تشبه إغفاءة غير متوقعة، والتي تطلق أحاسيسهم الأولى من محابسها، والتي تتمرد على «الأسلوب المحكم».
إن كل واحد من هؤلاء الشعراء يحمل وحشا نائما في مكان ما من قلبه. وهذا الوحش هو الذي يوزع «المزاج الشعري» على كل قصيدة، حيث يطغى اليأس والخوف والعزلة والموت، وأيضا مساحة كبيرة من الفرح الشعري خارج ما تحققه «اللايكات»، لأن الشعر لدى هؤلاء،كما نزعم، ليس «رقصة سربتيز» بل ظلا لمعنى يقودهم إلى موت بعيد. إنه كل شيء. حزن ضاحك وذهاب مزهو بنفسه نحو الشمس.
بقي أن نعترف، ونحن نصافح هذه التجارب التي تسنى لنا الاطلاع عليها (لم نطلع على كل التجارب)، أن «الشعراء الفايسبوكيين» كثيرون، ويكاد عددهم يزداد كل يوم. بل إن العديد من الشعراء المعروفين، الذين يتوفرون على دواوين مطبوعة، التحقوا، منذ سنوات، بهذا الفضاء الأزرق، وصارت إطلالتهم الشعرية الفايسبوكية تكاد تكون يومية. لذلك، فإننا نعني ب«الشعراء الفايسبوكيين» تلك الأسماء التي ارتبط «وجودها الشعري» بالفايسبوك، كما أبانت عن قدرة هائلة على القول الشعري، وعن إتقان لغوي كبير، وعن كفاءة تخييلية تكاد لا تضاهى.

18:12 |  Facebook | |

31/05/2014

صداقة شعرية

في قراءات شعرية وطّدت صداقته بشعراء مغاربة

الشاعر الأمريكي مايكل روتنبرغ: يجدر بنا أن نتخذ المبادرة ونكفّ عن الوعظ

    mii.jpg

الرباط:

في بادرة لا تعدم معاني الأخوة الشعرية، حلّ الشاعر الأمريكي ومؤسس حركة "مئة ألف شاعر من أجل التغيير" مايكل روتنبرغ بالمغرب، وجمعته مع شعرائه قراءات شعرية احتضنتها مدن أكادير والرباط والجديدة. ففي فضاء صغير ومبهج بمقرّ جمعية دار سي حماد للتنمية والتربية والثقافة، أشرفت عليه مسؤول العلاقات الخارجية والتواصل الجمعوي الأمريكية الفلسطينية ريندا نزال، انطلقت فعاليات الاحتفاء بمقدم الشاعر، وكانت اللحظة جميلة وحميمة حقّاً مساء يوم الأحد 4 ماي 2014، تلك التي جمعت شعراء مدينة أكادير بمايكل روتنبرغ الذي بدا، بمعية شريكة دربه الشاعرة الكوبية الأمريكية تيريزا كاريون والمصوّر ستيف رايس، منشرحاً بجوّ التلقائية الذي خيّم على الفضاء وأشاع فيه روح الصداقة. في البداية، تحدث مايكل إلى الحضور عن الحركة التي تأسست عبر مبادرات فردية، وهي لا تمولها أي جمعية أو مؤسسة رسمية، وعن السياق الذي جاءت فيه ردّاً على خفوت صوت الشعر وتهميشه، ولإحياء دور الشاعر الذي كانه في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وضرب المثال بالشاعرين آلن غينسبرغ ومحمود محمود درويش. وأشار إلى أنّ هذه الحركة الشعرية أخذت تتسع منذ انطلاقها في عام 2009، فقد بات تنظم باسم الحركة خلال شهر سبتمبر من كل سنة ما يقرب من ألف تظاهرة شعرية في أكثر من مئة دولة حول العالم، بمشاركة شعراء يجتمعون لإلقاء أشعارهم ويستمعون لبعضهم البعض. ثم قرأ الشاعر الأمريكي بعضاً من نصوص ديوانه "حبس لأجل غير مسمى: قصة كلب"، كما قرئت ترجماتها إلى العربية التي أعدّها الشاعر الحبيب الواعي، أو إلى الفرنسية كما اقترحها الشاعر عبد الهادي السعيد. كذلك قرأ شعراء من أكادير وضيوفهم قصائد بالعربية والفرنسية والإنجليزية: عبد اللطيف الوراري، نور الدين بازين، تيري كاريون، آسيا الحياني، الحبيب الواعي، عبد الهادي السعيد، خديجة المسعودي، زين العابدين الكنتاوي، شروق العوفير وسواهم من الطلبة المبدعين الذي تقاسموا عبر (مايكروفون مفتوح) أشعارهم مع الحضور. فيما عزف الكنديان أليكس فويي وفلورنس بلانجي على آلتي ماندولين وهرمونيكا أغنيةً للشاعر والمغني الكندي ذي الأصول الكيبيكية ريشارد ديجردن معنونة بـ"لا أعرف شيئا".

  وفي مدينة الرباط احتضنت قاعة محمد حجي الفسيحة بكلية الآداب-جامعة محمد الخامس يوم الأربعاء 7 ماي، بتنسيق مع نائب رئيس جمعية الباحثين في الآداب المغاربية الأستاذ خالد زرق، القراءات الشعرية الثانية التي أدار أطوارها الشاعر عبد الهادي السعيد، وافتتحها كل من الشاعر حسن نجمي رئيس اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر في المغرب الأسبق بكلمة ركز فيها على علاقة الشعر بالسياسة والتغيير، والشاعر والباحث الأمازيغي أحمد عصيد بكلمة أشار فيها إلى أهمية التلاقح الثقافي المميز لحركة "مائة ألف شاعر من أجل التغيير" لكونها تشجع على تضافر الجهود بين جميع مكونات المجتمع بغض النظر عن انتمائها اللغوي. وشهدت التظاهرة قراءات شعرية ألقاها كل من مايكل روتنبرغ وتيريزا كاريون وحسن نجمي وأحمد عصيد ونور الدين بازين وعبد الهادي السعيد ويوسف وهبون والحبيب الواعي ونجيب مبارك وآن والدمان، وتم ّالتوصية بجمع القصائد الملقاة في كتاب يعد للنشر.

  وفي يوم الجمعة 10 ماي، شدت القافلة الرحال إلى جامعة شعيب الدكالي، وفي رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية استضاف الشاعر والمترجم نور الدين زويتني هذه التظاهرة بتنسيق مع طلبة الجامعة ورئيس شعبة اللغة العربية بها الأستاذ عز العرب إدريسي الأزمي. وفي جو بهيج جرت التظاهرة الشعرية التي نشّطها كل من محمد كابي والطالبتين ريم الأزمي وبسمة فكعان، وشارك فيها كل من مؤسس معهد الموسيقى الموصلية بالجديدة الأستاذ رضاي محمد وطلبته والشاعرة الزجالة فاطمة متيح، إلى جانب الشعراء الأمريكيين مايكل روثنبرغ و تيريزا كاريون وستيف رايس، والشعراء المغاربة من مدن أخرى مثل نورالدين بازين(الرباط) والحبيب الواعي(أكادير) والطاهر لكنيزي(سيدي بنور) ونورالدين زويتني وعبد الدين حمروش وعز العرب أزمي (الجديدة).

   وفي ختام زيارته التي قضاها بين يومي 4 و11 ماي 2014م، كتب مايكل على جداره بما يشبه تنفيساً عن سعادة غامرة: "الآن هو الوقت المناسب لجميع الشعراء في جميع أنحاء العالم لفتح الحوار، للتعرف على بعضهم البعض، والتعلم من بعضهم البعض ومساعدة بعضهم البعض، ويبدو أن الجميع متعطش للمعرفة والصداقة، فقط يحسن بنا أن نتخذ المبادرة وأن نكفّ عن الوعظ. إنّي أشعر بنوع خاص من العاطفية هنا في المغرب."

  وتجدر الإشارة إلى أن المغرب من الدول السباقة إلى احتضان تظاهرة "مئة ألف شاعر من أجل التغيير"، حيث أحيت مدينتا أكادير والرباط قراءات شعرية للمرة الثالثة منذ عام 2011م، بمشاركة شعراء من مختلف الأجيال والحساسيات، وطلبة الجامعة الموهوبين. هذا وقد أعدّ الشاعر والمترجم الحبيب الواعي ترجمةً إلى العربية لآخر دواوين مايكل روتنبرغ، والموسوم بـ"حبس لأجل غير مسمى: قصة كلب"،  راجعه وقدّم له الشاعر عبد اللطيف الوراري، يتوقع أن يصدر عن دار الكتب خان بالقاهرة في نهاية العام الجاري.

 

12:25 |  Facebook | |

26/05/2014

الشعر والذاكرة

 

بيت الشعر في المغرب يسائل " الشعر والذاكرة " في ندوة نقدية

dakeera.jpg

ينظم بيت الشعر في المغرب بدعم من الجماعة الحضرية لمدينة فاس وبتعاون مع مؤسسة نادي الكتاب بالمغرب، ندوة نقدية في محور " الشعر و الذاكرة " بمشاركة نقاد وباحثين مغاربة يومي 30 و 31 ماي 2014 بالمركب الثقافي الحرية بمدينة فاس. وجاء في الورقة التقديمية:

لا ينفكّ الشعرُ المغربيّ يُنادي، عبْر الشِّعاب التي خطَّها متنُهُ، على قراءاتٍ مُتجدِّدة، بما يُهيِّئُ الإنصاتَ لسيرورةِ ما تحققَ في هذا الشعر وما فتحَهُ أيضاً من احتمالٍ كتابيّ. الاستجابة لِهذا النداء هي الخليقة بتخصيبِ المسافة بيْن التأويل والمُنجَز النصّيّ. ولعلّ ذلك ما تحكّمَ في اختيار مفهوم الذاكرةِ، من بيْن مفهومات أخرى واعدة قرائيّاً، مكاناً للإنصات للشعر المغربي المُعاصر.
يقتضي هذا الاختيارُ تسييجاً نظريّاً ومُراجَعَة في آن. وهُما معاً يقودان، في البدء، إلى تحرير مفهوم الذاكرة من التقابُل الذي يجعلهُ مُعارضاً لمفهوم النسيان، إذ لا يستقيمُ تصوّر المفهوميْن مُنفصليْن بصورةٍ تامّة. طغيانُ أحدهما على الآخر والنعتُ الذي يتولّدُ من هذا الطغيان هو الذي يخلقُ التقابُل. قد تحضرُ الذاكرةُ في المُنجَز الشعريّ انطلاقاً من هيْمنة الماضي، أي قد تحضرُ بوصفها ذاكرةً ميِّتة لا ترقى حتى إلى قيمةِ ما تتذكّرُه، فيضيقُ النسيانُ وَفقَ ذلك إلى أقصى الحدود. وقد تكون، خِلافاً لذلك، ذاكرةً مُضادّة، أي ذاكرةً للنسيان. تُقوّضُ ما تتذكّرُه، جاعلة مِنَ النسيان الفعّال انفصالاً مُنتجاً.

في الحالة الأولى، تتماهَى الذاكرةُ بالامتلاء وبهيْمنة الماضي والصوت الجماعي، فيما هي، في الحالة الثانية، ذاكرةٌ للنسيان؛ سواء في تركيب اللغة وبناء المعنى، أو في ترسيخ رُؤيةٍ تنبني على الانفصال. في هذا المنحى الثاني، تحتفي الذاكرةُ بالنسيان والفراغ والاحتمال والنقص، أي أنّها تكونُ ذاكرةَ مُستقبَل لا ذاكرةَ ماضٍ.

ذاكرةُ الامتلاء تجعلُ الإنجازَ النّصيّ امتداداً لصوْتٍ جمعيّ، الذي بهِ يَضيقُ الاحتمالُ اللانهائيّ لتركيبِ اللغةِ وإيقاعِها ومُتخيَّلها. ذلك أنّ حيويّة الكتابة تُقاسُ بما تنساه وبتحقق ذلك في بنائها. يتبدّى هذا النسيان من درجَة المحو الذي يضطلعُ به النّصّ الشعري، ومن الدّمغة المستقبليّة المتملّصة من ضوابط الماضي. وهكذا فإنّ بناءَ ذاكرةٍ للنصّ الشعريّ عبر الانفصال هو أسُّ كلِّ نسيان مُتطلّع إلى المستقبل. لابدّ في كلِّ نسيان من ذاكرةٍ فسيحة، هي ما يُهيّئُ له أن يتمّ عبر التقويض والهدم والانفصال.
وهكذا فإنّ حيويّة مفهوم الذاكرة، بما هو مكان قرائيّ، تبدأ، كما هي الحال مع كلِّ المفهومات، مِنْ تجديدِ النظر إليه، على نحو يستتبعُ تجديدَ المُقارَبة. وبذلك فإنّ الحمولة النظريّة المُستنبَتة في المفهوم هي ما يتحكّمُ في وجْهَتِهِ التأويليّة. ولعلّ ذلك ما يُتيحه مفهوم الذاكرة في الشعر، انطلاقاً من التشابك المُعقّد الذي يصلهُ بالنسيان ويفصله عنه في آن.

ومع أنّ قضايا الذاكرة في الشعر المغربيّ المعاصر تستجيبُ إلى مداخلَ بلا حدّ هي ما كان وراء اختيار محور هذه الندوة، فإنّ مِنَ المُمْكن تسييج بعض هذه القضايا في الأسئلة التالية: كيف تشتغلُ الذاكرة في الشعر؟ ما المسافة التي تنفتِحُ في الكتابة بين الذاكرة والنسيان؟ ما أثر الذوات الكاتبة في بناء هذه المسافة وصوْن اختلافها؟ ما المُتحكّم في اختلاف هذه المسافة في الكتابة الشعريّة المغربيّة المُعاصِرة؟ ما هو التصور الذي تبنيه الكتابة الشعريّة المغربيّة المُعاصرة للزّمن، في ضوء الذاكرة والنسيان؟ ما تجليات الذاكرة والنسيان في العناصر البنائية لهذه الكتابة؟ وكيف يحضرُ الجسدُ، من هذا الموقع القرائيّ ذاتِه، في الشعر المغربيّ المُعاصر؟ أهوَ جسدٌ يابسٌ مُكبَّلٌ بصوتٍ جمعيّ قادم من ذاكرة مُغلقة، أم جسدٌ حيٌّ يُنصتُ لحواسِّه ناسياً ما امتلأت به الذاكرةُ الجمعيّة؟ 

وهذه فقرات البرنامج التالي:
الجمعة 30 ماي 2014 ، الساعة السادسة مساء
الجلسة الأولى:
الذاكرة في الشعر: قضايا نظريّة
المتدخلون: عبد الرحمان طنكول، محمد أيت لعميم، رشيد المومني، عبد العزيز بومسهولي، إدريس كثير.
تسيير: حسن نجمي.
السبت 31 ماي 2014 ، الساعة العاشرة صباحا
الجلسة الثانية :
المنجز الشعريّ المغربي المعاصر بين الذاكرة والنسيان
المتدخلون: محمد بودويك، عبد السلام الموساوي، يوسف ناوري، نبيل منصر، علي آيت أوشان.
تسيير: خالد بلقاسم.
الساعة الخامسة مساء
الجلسة الثالثة :
الذاكرة وبناء المعنى في الشعر المغربي المعاصر
المتدخلون : بشير قمري، حسن المودن، يحيى بن الوليد، إبراهيم أولحيان، محمد رمصيص،
تسيير : عبد المالك أشهبون.

08:26 |  Facebook | |

09/05/2014

::

المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث التاسع والعشرون بشفشاون يحتفي باليوبيل الذهبي

 جمال أزراغيد
10171880_10203283452584072_6672080144082997860_n.jpg
أسدل الستار على فعاليات المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث في دورته التاسعة والعشرين بشفشاون المنظم من طرف جمعية أصدقاء المعتمد بدعم من وزارة الثقافة على مدى يومي: 18 و19 أبريل 2014 بمجمع محمد السادس للثقافة والفنون. احتفى المهرجان، هذه السنة،باليوبيل الذهبي (50 سنة من الإبداع). تميز المهرجان الذي انطلقت فعالياته مساء يوم الجمعة :18 أبريل بحضور السيد عامل الإقليم والوفد المرافق له، وبكلمة الكاتب العام للجمعية المنظمة الشاعر عبد الحق بن رحمون. كلمة جاءت مضمخة بآداب الترحيب والشكر لكل الذين لبوا دعوة المهرجان من شاعرات وشعراء ونقاد وإعلاميين. وحجوا من مختلف المدن المغربية اعترافا ووفاء منهم بقيمة هذه المعلمة الثقافية التي كانت ولا تزال حصنا لتجاربهم الإبداعية. جاؤوا ليحتفوا "باليوبيل الذهبي، خمسين سنة من الإبداع والإصرار على ترسيخ ثقافة الحداثة والانفتاح لتحقيق حلم المبدعين في طرح أسئلتهم الحارقة حول القصيدة وآفاقها". كما أكد أن المهرجان شكل "قيمة مضافة للمشهد الثقافي ببلادنا مما سيلقي على عاتق الجمعية المسؤولية من أجل انتظام المهرجان والحفاظ على الفكرة التي أبدعها روادها في ستينيات القرن الماضي، وبالأخص الشاعرين الكبيرين: عبد الكريم الطبال ومحمد الميموني ، وكذا لضمان استمراريته لأداء رسالته النبيلة نصرة لقيم الإبداع وقول الجمال" . وهكذا صار للمهرجان رمزية كبيرة .
وبعدئذ أقيمت الجلسة الشعرية الأولى التي افتتحها الشاعر الكبير عبد الكريم الطبال بنصوص شعرية معبرة. وعلى المنصة نفسها تناوب شعراء وشاعرات في قراءات حلقت بالجمهور في فضاء الخيال الجامح: ثريا ماجدولين، محمد أنوار محمد،.. ثم أعقبتها حفلة شاي على شرف المدعوين والتي كانت مناسبة للتعارف والحوار وبناء الصداقات الإنسانية والإبداعية... عاد الجمهور مجددا ليتابع قراءات الجلسة الشعرية الثانية التي أتحف بها الجمهور كل من الشاعرات المقتدرات أمينة المريني،وداد بنموسى وإيمان الخطابي وكذا الشاعرين:الزبير الخياط ومحمد أحمد بنيس. وكلا الجلستين أدارهما الشاعر مخلص الصغير بشاعرية بليغة.
وفي صباح اليوم الموالي انعقدت ندوة نقدية حول الأعمال الشعرية المغربية الصادرة حديثا بمشاركة الناقدين نجيب العوفي وبنعيسى بوحمالة وبتنسيق الشاعر الزبير الخياط. عبر الناقد نجيب العوفي ، هرم النقد المغربي الشامخ، عن غبطته لحضوره إلى هذه الدورة التي تصادف اليوبيل الذهبي للمهرجان الذي سار يشكل قطعة من جسمنا ، وسجلا ذهبيا حافلا للقصيدة المغربية منذ ستينيات الألفية الماضية ، وسجلا ذهبيا حافلا للنقد المغربي المواكب للقصيدة المغربية. ولهذا قدم تحية تقدير وعرفان وامتنان لرواد ومؤسسي هذا المهرجان وبالأخص عبد الكريم الطبال، ومحمد الميموني وحملة المشعل بعدهما الجيل الجديد من شباب المدينة.  وفي سياق اليوبيل الذهبي لمهرجان الشعر وسياق هذه الطبيعة الشعرية والنقدية المخصصة لقراءة الإصدارات الشعرية الحديثة اقترح في مداخلته المعنونة بـ :" حمالة الجسد ، حمالة الشعر " قراءة صوت شعري نسوي من الألفية الثالثة ، صوت الشاعرة إيمان الخطابي صاحبة الديوان الجديد" حمالة الجسد" (2014) منبها أن عند قراءة ديوانها الأول " البحر في بداية الجزر" (2001) قال: إن إيمان الخطابي شاعرة طليعية مسكونة برعود ووعود، نصوصها ملغومة بالشعر، تقول الكثير في كلمة قصيرة حيث تقترب من "شعر المتصوفة أو شعر الهايكو" وإن تجربتها تراهن على "البياض والهمس والطلقة" كبرق شعري لرعد آت. بيد أنها توقفت لمدة عقد من الزمن كأن الشاعرة وفية لعنوان ديوانها الأول، إذ ظلت خلال هذه المدة : "تنفث لواعجها ولوامعها في صمت" . وهذا ما سيتأكد في ديوانها الثاني ( حمالة الجسد) الذي جاءت نصوصه موزعة زمنيا ما بين 01 و2013 . وأبرز الناقد أن الشاعرة في ديوانها الثاني كتبت القصيدة الشذرة أو القصيدة القصيرة جدا التي تجمعها صلات نسبية مع القصة القصيرة جدا لهيمنة السردي عليها أوتوازيه مع البعد الغنائي.. ثم انتقل إلى مقاربة عتبات الديوان ، فأشار إلى أن ما يميزه هو إخراجه في حلة قشيبة تبهج الناظرين. والديوان صادر عن بيت الشعر في المغرب يتضمن58 نصا قصيرا موزعا على عدة محاور. صممه وأخرجه الشاعر التشكيلي عزيز أزغاي، تتصدره لوحة رمادية على غلافه من إنجاز الفنان أحمد بنسماعيل. وواصل حديثه على العتبات بإبراز دلالة الإهداء( إلى روحي وجسدي معا) ، والتأكيد على أن عنوان الديوان هو عنوان أطول نص شعري فيه. لغة نصوص الديوان مقطرة شاعرية ناعمة وشفافة تقارب شؤونها وشجونها وهي"لغة أنثوية دافئة ولاسعة أحيانا" لا تخلو من معاناة كما أنها تنأى عن "النبر والجهر ورفع الصوت" وتقترب من الشعر المهموس ومن النثرية وإيقاعي المتقارب والمتدارك اللذين يأتيان صفوا. ولم يفته الوقوف عند نبرة الحزن التي تغطي الديوان ليخلص أن الشاعرة "حمالة الحب بامتياز" حيث تمارس شعريا نقد الحب وروتينيته. هذا الحب الذي ملأ الدنيا وقلب الناس مستشهدا بنصوص من الديوان، مثل:
ألم أقل لك في البداية
لا تنفق هذا الحب كله
دفعة واحدة!
ها نحن الآن مفلسين
في عرض الحياة. (ص73)
وبذلك يكون الديوان "حمالة الجسد حمالة الشعر بامتياز" .
أما الناقد بنعيسى بوحمالة المشهود له وطنيا وعربيا وعالميا فقد اعتبر في بداية مداخلته الموسومة بـ"تراقص اللغة الشعرية" أن هذا المهرجان بمثابة  بورصة للشعر المغربي على مدى خمسين عاما ، وقدم تحيته للرعيل المؤسس والراعي لهذه الفعالية الثقافية الجميلة. وبعده توقف عند أربعة دواوين شعرية مغربية حديثة، وهي تجارب ذكورية ما يجعلها متكاملة مع مداخلة الناقد نجيب العوفي ، وهي كالتالي:  فؤاد الشردودي (ماسكا ذيل كوكب)، وعبد الجواد الخنيفي (زهرة الثلج)، ونزار كربوط (سقف من فراشات)، ونجيب مبارك ( على مرأى من العميان). رأى أنها تتضمن " مسؤولية ومعرفة وقلقا وشغلا" وتنخرط في قصيدة النثر التي أصبح العالم كله يكتبها. وأكد أن الشعر المغربي ما زال بخير لأنه يوجد في أيادٍ أمينة. ثم أبرز أن الشاعر الخنيفي، ابن شفشاون، تأثر بأجوائها الهادئة فجاءت لغته راقصة رقصة (فالس)، فيما تأثر الشعراء الثلاثة الآخرون بحركية مدينة الرباط وتعقدها فجاءت رقصة لغتهم شبيهة برقصة( روك أندرول). وبين أن هذه التجارب تشترك في مجموعة من المنطلقات،أهمها:
استعمال الجمل الشعرية القريبة من الشذرة والفلاش ؛
توظيف اللغة الشعرية المتقشفة التي ميزت الشعر المغربي منذ التسعينيات؛
الانتقال من المكان الشامل (الكون) كما كان الشأن في الستينيات والسبعينيات إلى المكان المصغر الميكروسكوبي مستشهدا بحضور أزقة شفشاون في تجربة الخنيفي، وحضور الدروب والمقاهي لدى الشعراء الآخرين والسبب هو الاشتغال الذكي للعين، وهذا يمثل ربحا للشعر المغربي؛
شخصنة الأنا الشعرية من خلال تناول ما هو شخصي وحميمي لأن الشعر الباقي هو الذي يرتبط بقارة الإنسان ومجاهلها وأغوارها؛
الاحتفاء باللون الأزرق"لون المتاه واللامحدود واللانهائي واللامعنى" ؛
القدرة التناصية مع مرجعيات مهمة جدا، انطلاقا من مظان وقراءات مختلطة (الطبال ومحمود درويش بالنسبة للخنيفي/ أسماء فلسفية بالنسبة للشردودي ونزار كربوط)؛
محاولة تعريف الشعر ؛
حضور "السخرية الموخزة" التي لا تصل إلى حد الإعلان عن قطيعة مع التراث المغربي والعربي.
ومساء ذلك اليوم؛ كان للجمهور موعد مع الجلستين الشعريتين الثالثة والرابعة. جاءت الأولى ، التي سيرتها الشاعرة إيمان الخطابي ، طافحة بأسماء شعرية معهودة في الحقل الشعري المغربي :مخلص الصغير ،عبد الحق بن رحمون،فتيحة أعرور، نسيمة الراوي، جمال أزراغيد، علية الإدريسي البوزيدي ومحمد بن يعقوب. ثم أعقبتها استراحة شاي . وعلى الساعة السابعة مساء استؤنفت القراءات الشعرية فشارك في الجلسة الموالية ، التي سيرها الشاعر الزبير الخياط ، الشعراء: محسن أخريف، محمد العناز ، المعتمد الخراز، وعبد الجواد الخنيفي بالإضافة إلى الزجالة أسماء بنكيران.
وللإشارة فقد صاحبت القراءات الشعرية على طول الجلسات الأربعة معزوفات موسيقية على آلة القانون إضافة إلى فقرات قصائد غنائية للفنان عبد العزيز البركاني رئيس جمعية ابن العريف للموسيقى والسماع بطنجة.
وفي ختام فعاليات المهرجان ألقى الشاعر عبد الحق بن رحمون الكاتب العام لجمعية أصدقاء المعتمد التي يعود لها الفضل منذ خمسين سنة في تنظيم هذا المهرجان الشعري الوطني الرائع كلمة ختامية شكر فيها الشاعرات والشعراء والنقاد والإعلاميين الذين شاركوا في إنجاح المهرجان ، وكذا كل الداعمين للمهرجان ماديا ومعنويا قصد الاحتفاء بالقصيدة المغربية بكل أجيالها وحساسياتها ضاربا موعدا للمهرجان السنة القادمة
.

21:10 |  Facebook | |

29/03/2014

::

المضيق تحتفي بالشاعر إدريس الملياني في ملتقاها الشعري الأول

الناقد نجيب العوفي دعا إلى سنّ قانون ضد التحرش بالشعر

 WP_20140322_11_14_17_Pro.jpg

 

أفق (خاص):

         نظم اتحاد كتاب المغرب (المكتب التنفيذي وفرع الاتحاد بتطوان) وجمعية العمل الثقافي بالمضيق الملتقى الشعري الأول للمضيق، وذلك يومي 21 و22 مارس، وقد اختار المنظمون في هذه الدورة تكريم الشاعر إدريس الملياني، نظراً لتميّز تجربته الشعرية. وقرأ على منبر الملتقى في أمسيتين شعريتين أدارهما على التوالي الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس والشاعر المعتمد الخراز، شعراء وازنون من مختلف الأجيال والحساسيات والرؤى، وهم: عبد الكريم الطبال، محمد الشيخي، إدريس الملياني، أحمد بنميمون، وفاء العمراني، أحمد لمسيح، محسن أخريف، عبد الجواد الخنيفي، أمل الأخضر، نجيب مبارك،  جمال أزراغيد، محمد عابد، نسيمة الراوي

  بموازاة ذلك، انعقدت ندوة نقدية قدمت قراءات وشهادات حول التجربة الشعرية للشاعر إدريس الملياني شارك فيها النقاد:  بنعيسى بوحمالة، نجيب العوفي، عبد اللطيف الوراري، محمد الميعادي وأحمد الدمناتي. وقد استهلّها الناقد نجيب العوفي بشهادة عنونها بـ"إدريس الملياني المليان شعرا"، ووقف فيها على "اللحن المانيفست التي تشدو به قيثارة إدريس الملياني"، الذي دافع دفاعاً باسلاً ضد كل أشكال الموت والرداءة والابتذال وكان يحلم بالمساواة بين الناس في "شبه صوفية شيوعية"، بحيث اعتبر الشعر بمثابة "بوصلة ومنارة هادية في الواقع وعالم الناس". ورأى العوفي أنّ الشاعر بثقافته العالية هو ناثر جيّد إلى جانب كونه شاعراً جيّداً، يزاوج بين التراث والحداثة في تصوُّره للكتابة وتشييدها شعرا ونثرا؛ وهو منذ سنة 1966 خطّ بداية شعرية مؤسسة وأصيلة وملتزمة أيام كان الفكر الاشتراكي الأممي يغمر المشهد السياسي والثقافي ويشكل عامل جذب للشعراء، بقدرما كانت تستفيد من منجز القصيدة العربية وتزيد عليه معرفة وكشفا، مشيراً إلى أن قصيدته قويمة العود بائنة عن "قصيدة النثر" التي عدّ كثيراً من كتابها يتحرّشون بالشعر، فدعا في نبرة ساخرة إلى "سنّ قانون ضد التحرش بالشعر على غرار قانون التحرش بالمرأة".

WP_20140321_18_27_23_Pro.jpgوفي الوقت الذي عدّ العوفي الشاعر إدريس الملياني من جيل السبعينيات، رأى الناقد بنعيسى بوحمالة أن الأخير من الصعوبة القول إنه ينتمي إلى ذلك الجيل، طارحاً مشكل تصنيف الشعراء إلى أجيال. واجترح بوحمالة للخروج من مأزق التجييل مصطلح "اللصوق الشعري"، معتبراً الملياني من"الشعراء الملاصقين"، بمعنى أنّه ينتمي إلى جيلي الستينيات والسبعينيات معا. وبخصوص المدخل الإيديولوجي والانتماء السياسي للشاعر، أشار الناقد إلى أن الشاعر كانت تربيته يسارية دون أن تعيقه ذلك عن التطور أو تسقطه في المباشرة والتبسيط، وبالتالي "ربح قصيدته كخيار جمالي وفكري في آن". أما عن منجزه الشعري، فقد كان شعر إدريس الملياني ذخيرة تراثية بقدرما كان منفتحاً على الحداثة ومنجزاتها الغربية، وكانت جملته تمزج بين العتاقة والحداثة. كما أنّه أتاح للشعرية المغربية أن تمدّ قنوات مع الشعرية الروسية، وهو ما أتاح لها أن تطلّ على مرجع غنيّ قلّما تم الانتباه إليه قياساً إلى المرجعين الفرنسي والإسباني.

   وأما الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري فقد انشغل في مداخلته بـ"التناصّ وبناء المعنى" في شعر إدريس الملياني، وبالذّات في ديوانه "نشيد السمندل". وقال إنّالشاعر إدريس الملياني "يتّخذ من طائر السمندل رمزاً اِستعاريّاً في بنية العمل، ويرتفع به إلى مستوى أسطرته بسبب ما تعانيه الذات وتُكابده بحكمة الخسارات. وهو ما يضعنا في مواجهة بينة كتابيّة ممتدّة في الزمن، تخترقها ملفوظاتٌ، وحوارات، واستشهاداتٌ، وصور وتمثيلاتٌ، وأقنعةٌ، وأمكنة، ووقائع من التاريخ القديم والحديث، وأنماط من صراع الوعي والرؤية في جدل الذات والآخر. ورأى الوراري أن تقنيات التناص الموظّفة قد أثّرت على غنائية الشاعر فبدت "غنائية مركّبة" سواء على مستوى الرؤية أو البنية الشعرية، حيث الاستخدام المكثف للرمز والقناع والمونتاج والحوار الدرامي والسرد والسوناتا والمشهدية، واستدعاء التراث الأسطوري والديني والتاريخي المتصل بتيمات الموت والحياة والوطن والإنسان والحرية، جنباً إلى جنب مع متطلّبات ذات الشاعر على المستوى الوجودي والإنساني في بحثها عن خلاصها، مرتفعاً بها إلى مستوى أسطورتها الشخصية، وبالتزامها الإنساني إلى مقامٍ مُستحقّ".

وبعنوان "شعرية الأمكنة وفتنة الطفولة في شعر إدريس الملياني"، بحث الشاعر والناقد أحمد الدمناتي عن العلاقة الحميمة التي طفولة الشاعر كذاكرة استرجاعية ترصد، بلغة استعارية شفافة، التفاصيل الحياتية العابرة وتلتقطها بعين الطفل الذي كانه الشاعر. كما بحث التمازج العجيب الذي نعثر عليه بين سيرة المكان والذات الشاعرة بصورة تمنح المكان داخل قصيدة إدريس الملياني بعداً استعاريّاً/ استعاديّاً قادراً على إعادة إنتاج معاني الذات وصورها التي تتأرجح بين العادي والمنسي، اليومي والهامشي، الواقعي والميثولوجي؛ وبالتالي استعادة المفقود وإعادة بنائه نصّياً وداخل لغةٍ تحتفي بالتفاصيل الصغيرة.

وأما الناقد محمد الميعادي فقد انطلق من ديوان "مغارة الريح"، ليبحث في شعر الشاعر من خلال عنصر التلقي باعتباره "استراتيجية نصية"، راصداً ملامح النص الشعري الذي يتحول إلى شبكة معقدة من الرموز (الترميز الأسلوبي والإيقاعي)، وإلى تجلّ خطّي مفارق، وإلى بياض تخترقه الفجوات التي تنادي على قارئها الذي عليه أن يحاور النصوص (نص القراءة، أو نص السماع، أو نص المشاهدة، إلخ) ويتفاعل معها بحسب ما يقتضيه بناء كل نص. وقد اختتمت فعاليات الملتقى بتسليم جوائز الإبداع التلاميذي، ودرع الملتقى للشاعر المحتفى إدريس الملياني

 

08:27 |  Facebook | |

01/03/2014

::

  عن المبدعة زهرة زيراوي وديوانها الشعري: ولأنّني..

شهرزاد التي تعيش على البوح وتحيا به!

د. علي القاسمي

zirawi.jpg

كما تتكامل الأخلاق في نفس الإنسان النبيل، تتعانق الفنون في روح المبدع الأصيل. وقد اجتمعت في زهرة زيراوي الأخلاق السامية والفنون الراقية. فهي إنسانة استثنائية ورثت الفضيلة والكرم والصدق والتواضع وحبَّ الوطن من آبائها الأماجد؛ وحملت عصاها وحيدة، في رحلة البحث عن جوهر الإنسان وأسرار تعلُّقه بالحقِّ والخير والجمال، وسافرت في أقانيم الفكر القصية تاريخاً وفلسفة وعلماً، وتجوّلت في تخوم الإبداع الدنية شعراً وقصة ورواية وتشكيلاً. فرشاتها امتدادٌ لذراعها، وقلمها يتجذّر في فكرها، وحروفها تجري في عروقها وملامسها.

زهرة زيراوي مسكونةٌ بمحبّة الإنسان، وعشق الأفكار، ما جعلها تجيد التواصل مع الآخر، وتمتهن التعليم، وتتقن لغة الحوار. وفي بحثها الدائب عن المعرفة، شغفت في ارتياد جميع مظانها: المدرسة، المكتبة، النادي، المنزل. فجعلت من دارها ملتقىً لعشاق الكلمة، وشبكت يديها بأيدي محبِّي الفنون من أصدقائها، وأنشأت جمعية ( ملتقى الفنّ)، ونظّمت اللقاءات التشكيلية وعقدت الندوات الأدبية، ومدت جسور التواصل الفكري بين المغرب وبلجيكا، لتعمّق التبادل الثقافي بين العرب والغرب.


كتبت زهرة زيراوي القصة القصيرة بأسلوب متفرِّد ومضامين حداثية، زاوجت فيها بين الإمتاع والتثقيف. فهي كاتبة ملتزمة نذرت قلمها للوطن والمجد والإنسان، ووهبت صوتها للبائسين والمهمشين والمستضعفين، ومارست فيها البوح المكلوم عن أرقِّ العواطف الإنسانية، وطرحت فيها أعمق القضايا الوجودية والفكرية. وتعدَّدت مجموعاتها القصصية الصادرة في المشرق والمغرب، مثل مجموعة «الذي كان» و«نصف يوم يكفي» و«مجرد حكاية» و«حنين» و«نساء على خط منكسر». وجرّدت ريشتها لترسم لوحاتٍ تشكيليةٍ فذَّةٍ ذات خصوصيةٍ في اللَّون والخطِّ والمنظور. وبدافع من حسِّها العربي الأصيل، وإيمانها بأن معاناة المثقَّف العربي واحدةٌ في المشرق والمغرب، أصدرت كتابها « التشكيل في الوطن العربي: مقامات أولى». ولا شك في أنّها ستُتبعه بمقامات أخرى. ولأنَّ زهرة الزيراوي مناضلةٌ لا تلين لها قناة، ولا يتسرَّب اليأس والخذلان إلى نفسها، وتؤمن بأن ليل الانكسارات والأحزان والأشجان لا بدَّ أن ينجلي، وأنها ستنشر آمالها وتطلعاتها على وجنة الصبح، فقد أبدعت روايتها « الفردوس البعيد».
لم تتَّسع رحاب النثر لطموحها الأدبي العريض، فارتادت آفاق الشعر، سيِّد الفنون. وهكذا نشرت ديوانها الأوَّل في (دار ميريت)بالقاهرة بعنوان « ليس إلا «، ثم صدر ديوانها الثاني مؤخراً عن ( ملتقى الفنّ ) في الدار البيضاء بعنوان « ولأني...». ويسعدني أن ألوذ بظلال هذا الديوان مستريحاً بين خمائله، مستنشقاً عبير أزاهيره، لحظاتٍ معدودات.

أوَّل ما يصدم نظرنا ويأسر انتباهنا في هذا الديوان، عتبته الأولى وأعني بها العنوان. « ولأني...». فالقارئ يتساءل مع الشاعر الدكتور محمد علي الرباوي: « ماذا قبل واو العطف؟ وماذا بعد ياء المتكلمة؟». فالمعنى لا يتحقّق بهذا العنوان الذي لا يشكِّل جملةً مفيدة ولا اسماً يدل على مسمى. إنه مجرَّد أداة لا يتمُّ معناها إلا بغيرها، فهي أداة تسبيب تربط المسبب بالسبب. ويبقى القارئ يتساءل: ماذا حدث لها ولماذا؟ ولا بدَّ أنَّ هذا العمل الفنّيَّ سيفصح لنا عن الحالة التي حصلت للشاعرة، والأسباب التي أدَّت إليها. وهذا من عناصر التشويق المشروعة التي مارستها في عنوان ديوانها الأول « ليس إلّا « الذي يخلو، هو الآخر، من اسم سديد أو نعت مفيد.

لقد دأبت زهرة زيراوي على اختيار عناوين مشوقة مماثلة لأعمالها الأدبية مثل عنوان « الذي كان» الذي وسمت به إحدى مجموعاتها القصصية. فالقارئ يظلُّ يتساءل: مَن هو أو ماذا هو الذي كان؟ وماذا كان؟ وكيف هو الآن؟ وكيف سيكون؟ إلى آخر هذه الخواطر التي تُطلِق سلسلة من الأسئلة، وكلُّ سؤالٍ يفجِّر سؤالاً جديداً، مثل انشطار ذرات اليورانيوم والبلوتونيوم في مساحةٍ زمكانيةٍ صغيرة.

موضوع الديوان

لا يبلغ الشاعر لحظةَ التوهُّج وبزوغ القصيدة إلا عندما تتراكم في حنايا الروح موجاتٌ نفسيةٌ من القلق والتوتُّر والانفعال، تؤدّي الى حالة الاشتعال. ومصدر هذه الموجات النفسية إما الهمُّ الذاتي أو الهمُّ الجماعي. وديوان « ولأني ..» يجمع بين الهمَّين: الشخصي والوطني. أو كما لاحظ الشاعر محمد عفيفي مطر، فإن شعر زهرة الزيراوي ساحةٌ لاشتباكٍ حميمٍ بين الشخصي والسياسي، بين البوح المتكتِّم والمواقف الفكرية المعلنة.

zi.jpgفزهرة زيراوي، في هذا الديوان، هي شهرزاد التي تعيش على البوح وتحيا به، هي شاعرة أتعب قلبها السفر، وعذَّبه الحبُّ، وأحرقته الذكريات .يحاول أن يغسل الماضي بخمر النسيان، فتسهِّده الرؤى، وتعصف به أسئلة الريح:

تتداعى الجدران التي أمامه

تتداعى الشجرة التي في خياله

يرى سبابته إذ ترسم قلبيْن

وغاباتٍ من الورد،

يراها إذ تمدُّ ذراعيْها نحوه

هامسة ً تسأله

أما تزالُ ترغبُ أن تحيا؟؟

وزهرة زيراوي، في هذا الديوان كذلك، هي زرقاء اليمامة التي تنظر بعيداً لترى مستقبل أُمّتها في ضوء ماضيها ونيران حاضرها؛ هي شاعرة ورثت روحاً نضالية، لا تستسلم لليل الدامس الظلمة الذي يخيم على الأرض، بل ترنو دوماً إلى مشرق الصبح المنير. فتكتب قصائدها لتقارع الظلام كي يزهر الصباح. تكتب تميمةً ضد الحزن هنا، وتصوغ حجاباً ضد الفقر هناك، وتصنغ تعويذة ضد الجهل في كلِّ مكان. ترى أُمّتها يشيخ قلبها، وتيبس أطرافها، فتمدّ يد المواساة لها، تمسح القلب المنهك، وتنفخ فيه شيئاً من نفَسها المتوهِّج، لعلَّها تدفئ الوديان الباردة، فتفيض بالماء والحياة، ويلتهب الصقيع:

أنا الأندلسي

أدخل بحار التاريخ

أقف على عكّاز الليلِ شاهراً ندوبي

أرى ما تناثر من دمِ الفؤاد

وفرشاتي التي اكتهلت

تصوغ ضرباتها ظلمة المساء

وتمنح الهواء لونه القرمزي

دعيني قرطبة

أنقر قلبك العاتب وأغشاه

دعيني أُلبِس وريدك لوعة الشوق

عساني أغسل القلب

وأنفخ فيه روح عاشق كي تدفأ

أوصالك.

الإبداع في اللغة

قصائد الديوان تتسم بالأصالة والابتكار، وأحد العوامل في ذلك لغته التي تمتاز بالجدَّة والإبهار. فالشاعرة لا تتعامل مع اللغة بوصفها وسيلةً تبدع بواسطتها فقط، بل بكونها معشوقة تُبدع فيها لذاتها كذلك، كما يقول مصطفى الغتيري. تمنح زهرة زيراوي اللغة جميع وقتها واهتمامها، تبحث في خمائلها الكثَّة نبتة نبتةً، لتعثر على تلك الزهرة الكلمة ذات اللون النادر والعبق الأخاذ. تشذّب تلك الزهرة من أشواك قد تكون نبتت على عرقها، وتنظّفها من غبار قد يكون التصق بوريقاتها، ثمّ تضمُّها إلى زهيراتٍ مُنتقاةٍ أُخرى في باقةٍ أنيقة. وهي لا تُثقِل قصيدتها بالشرح والتوضيح، بل تكتفي بالإيحاء والتلميح. ولكي تترك قدراً من الغموض المفيد في نصوصها، لتوسّع آفاق التأويل أمام القارئ، فإنها تثير الأسئلة ولا تزوِّدنا بالأجوبة، فسؤالٌ واحد يمكن أن يفجّر ما لا يفجّره ألف جواب، كما يقول جوستين كاردر، في روايته الفلسفية «عالم صوفي». والشاعرة تنأى بقصائدها عن العبارات المحنطة والصياغات المستهلكة، وتفتِّش دوماً، بصبرٍ وتفانٍ وأناة، عن الجديد العتيد. لغة هذا الديوان لغةٌ بسيطة تتَّسم بالوضوح على مستوى التراكيب والمفردات، ولكنها موغلة في التعقيد على مستوى المعاني والدلالات:

أيتها الأرض

يا روضة الريح والريحان

والرجال والنبوءات والأساطير

قولي للتاريخ الممعن في قسوته:

أجبني أيها التاريخ

ماذا أنتَ فاعلٌ بالقتلة؟؟

 

10:50 |  Facebook | |

14/02/2014

حوار مع الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام

وارهام: أحلم بكتابة قصيدة زرقاء تتماهى مع اللاَّنهائي وتتأَمْثَلُه

warham.jpg

حاورته: ليلى بارع

  بتجربة متفردة في المجال الشعري المغربي، وبلغة تنهل حروفها من جمالية وعمق العوالم الصوفية الشفافة، تمكن الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام، من تتويج مسيرته الإبداعية المضيئة بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر. من أعماله المنشورة، كتابة على ألواح الدم/ العبور من تحت إبط الموت/ ولائم المعارج/ طائر من أرض السمسمة/ الخروج من ليل الجسد/ حانة الروح، وبديوان «لأفلاكه رشاقة الرغبة».  في هذا الحوار نقترب أكثر من عوالم هذا الشاعر الذي توج مساره الشعري بهذه الجائزة المميزة.

س: كيف تلقيت تتويجك بجائزة المغرب للكتاب بالإجماع من طرف لجنة الشعر؟

- بارتياح ونفس مطمئنة، حيث أدركت أن العمر الذي  ذوبته في الشعر لم يذهب سدى. فمعرفة وطني لي هي السعادة الأحب إلي أولا من كل معرفة تأتيني من الخارج مهما كانت قيمتها عالية، فأنا نبتته التي تطل من شرفة الزمن لتقول (أنا قلب يَسَعُ العالم،كل ما يُسعده يسعدني، وكل ما يُشقيه يشقيني).ولم أحسب أن كلمات الشكر ستخونني في لحظة التلقي هاته، ولكنها فعلت، فانذبحتُ ألمًا واستصغارًا لنفسي، ولم يَعد لي إلا هذا التلعثم:

بآي لِسَانٍ أَنْسجُ الشُّكْرَ، إِنَّنِـــــــي   عَلَى حَافَةِ الإِبْلاَسِ ظِلٌّ مُصَفَّــــدُ

تَخِيسُ لُغَاتِي كُلَّمَا رُمْتُ ضَوْءَهَا   وَيَكْبُو جَنَانِي، وَالدُّمُوعُ تُعَرْبِـــــــدُ

س: قلت ذات حوار:(الآن أحلم بكتابة شيء أتجاوز به كل منجزي الشعري)، فهل ديوان لأفلاكه رشاقة الرغبة هو ذلك الشيءالديوان، الذي حلمت به؟

-بالشعر نكون إنسانيين أولا نكون، وبه نفهم جوَّانية الحياة الكونية وجزئياتها، ونمزج استنساغاتنا باستنساغات الناس فيها، ومحلوماتنا بمحلوماتهم، وتطلعاتنا بتطلعاتهم، وموروثنا بالموروث الإنساني العام. فنحن:

 بِالشِّعْرِ نُولَدُ إِنْ جَزَّتْ مَشَاعِرَنَــا   أَيْدِي الْأَسَى، وَاسْتَوَى فِي نَبْضِنَا الرَّهَبُ

هُوَ الضِّيَاءُ..ضِيَاءُ الرُّوحِ إِنْ أَفَلَتْ  شَمْسُ الْمَعَالِي، وَغَنَّى الْمَيْنُ وَالْوَصَبُ

كَفَّاهُ بَسْمَلَةٌ بِالْحُبِّ مُورِقَـــــــــــــةٌ   وَمُقْلَتَاهُ سَمَاءٌ صَحْوُهَا الطَّـــــــــــرَبُ

مَا رَازَهَا مُوجَعٌ إِلاَّ وَشَبَّ بِـــــــهِ   فَيْضٌ مِنَ السِّرِّ لَمْ تَحْلُمْ بِهِ الحِقَـــــــب

ولو وقفتُ عند حلم واحد لانطفأتُ، وانفتلت مني الحياة انفتالة البرق. فالإنسان في جوهر جوهره ما هو إلا مجموعة أحلام منفتحة على البعيد الأبعد الممعن في الخفاء، يتبع الضوء الراعش في وردة المستحل ليَشربَه. وديوان: لأفلاكه رشاقة الرغبة ما هو إلا  شبه ورقة من تلك الوردة الراعشة ضياء. وأنا أحلم بـ(بكتابة قصيدة زرقاء) تتماهى مع اللانهائي وتَتَأَمْثَلُهُ وكأنَّه هي، وهذا هو ما يُمِضُّني، ويجعلني أحترق أرقًا، ويُلقي بروحي على صخور اليأس كلما تأَبَّت عليَّ، إذْ من دونها لن أحلق في فضاء التجدُّد بجناحي الفرادة. فالذي لا يتجدد لا يتعدَّدَ، والتعدد انفلات من النمطية، والوحدة الموهومة، ومن اليقينيات المُصْمَطَة، ومن الْأُنظومات التي تُكبِّلُ شمس الجماليات لإِخصاب القبح.
أُرَاهِنُ على تلك القصيدة بروحِ رُوحي، لأنني أسـَشْرٍفُ فيها نبضَ النبضِ ، ونهْرَ الأنهار الذي سيغسل تجاعيد الروح، ونبتة الحياةِ في صحراء الوجدان.

س: أخيراً، فإن مشروعك الشعري يجد آذانا صاغية بالمغرب، بالمقابل فإن جائزة بيت الشعر في المغرب منحت لشاعر أجبي، كيف ترى وضع الشاعر بالمغرب، وتلقي النقد لأعماله؟

-الشعر لا يكون شعرا إلا إذا قفز فوق نمطية الحياة بمنظور رؤيوي متسع، يحمل الكثير من المضامين المُحَفَّزَة على المستقبل. وحينذاك سيغدو ضرورة أنطولوجية يُسْتَوْعَبُ بها مَخبَرُ الحياة. لن يتخلى النقد عن الاحتفاء بها لكونها المعادل الموضوعي للحياة المتزنة، ولقيمة الإنسان على هذه الأرض. والحياة ليست نهرا واحدا، ولا كذلك قيمة الإنسان.
وبالرغم مما يبدو من قلة نفوذ الشعر وضآلة امتداداته، فإنه-كما يبدو لي-أنجع من جميع ضروب السياسات والمذاهب والإيديولوجيات في تبصير الإنسان بكينونته ومهجوساته، يمضي في البعيد الأبعد الذي لاتقتنصه العين والذاكرة، وإنما المخيلة، ويستمر في التمرد على كل المقولات التي تُجَذِّرُ الاغتباط بمرارة الواقع ووضاعته. وليس هذا مستغربا، فالشعراء منذ أفلاطون كان قدرُهم أنْ يُنْظَرَ إليهم بريبة وتوجُّس، لأنهم يأتون بمحلومات إنسانية مشروعة تُعجزُ خُطى السياسات بكل أشكالها الإيديولوجة، وتضعها تحت المجهر.

فالشعر- بما هو نبض الجسد الكوني- يَفعَل في الناس، ولكنه لا يُرى. فهو موجود في كل شيء، وحين ندخل أرضه تتفتح فينا زهرة الحرية وتَضُوعُ، فنحلم أحلاما إنسانية وضيئة يتعذر على المستحيل كَبْتُهاَ. ولا أدلَّ على هذا من الشاعر(بابلو نيرودا)الذي كانت تجتمع للإصغاء إليه الملايين من الناس الأميين البسطاء الذين لا يعرفون ما يقول، ولكنهم كانوا على يقين لا حدود له بأنه يقول أحلامهم التي يودون أن تتحقق في الحياة. وجائزة بيت الشعر في المغرب ليست جائزة وطنية لدغدغة  الذات، وإنما هي جائزة عالمية منفتحة على كل القارات الشعرية الحديثة التي تبدع جماليات عاليات، وتصنع زمننا الشعري بأبَّهَة واقتدار، فهي غير منحازة لجغرافيا محددة ومنغلقة، ولا للغة دون أخرى. وقد حصل عليها شعراء من الداخل والخارج ندين لهم بما شحنوا به وجداناتنا من بهاء، ومعرفة شعرية عُليا خارج المعارف المتداولة. وللمغرب أن يعتبرها أفقه الحضاري الرحب الذي يحتفي بالجمال في أسطع تجلياته.

أما عن وضع الشعر فهو وضعُ الجسد المُعافَى الذي لا يقيم في أرض الرضاء بقدر ما يقيم في أرض التوتر والمفارقة، والمراهنة على مجهول القصيدة، وهذا ما يستفزُّ النقد، فالنقد روِيةٌ وتأمُّل واستبصار، والشعر انحيازٌ لخُطى الضوء.فكيف سيتأتى لبلَّوْرَة ِالنقد أن تُمسِكَ الضوءَ المُتناسِلَ باستمرار؟ ومع هذا الغليان الصحي في الجسد الشعري المغربي، فإن وضعَ الشاعر يبقى أشبهَ بالرماد منه بالعطر. وأتمنى أن يأتي يوم يكون فيه هذا الناسج لأجمل أحاسيسنا محطَّ اهتمامٍ واعتبار حقيقيين، وأن تكون صفة (شاعر) هي بطاقة هويته الكونية. فهو ينتج ما هو أعظم من الجدوى، وربَّ مُتسائلٍ يقول: وما الفائدة مما ينتجه في زمن احتلت المادة كل خلاياه، واستبدَّتْ بالنفوس؟ فأُجيب بما أجاب به عالم الاقتصاد (ريمون بار) -الذي كان وزيرا أولَ  لفرنسا-حين سئل: لماذا تبدو صافيَ الذهن، حاضرَ البديهة، مشرقَ النفس، حازمَ الرأي، وكأن المشاكل التي تجابهك ، وتجابه بلدك والعالم لا تؤثر فيك، ولاتكدِّر مزاجك؟ فقال: إن الفضل في كل هذا يرجع إلى الشعر، فأنا قبل النوم أُخصِّصُ نصفَ ساعة لقراءته، وحين أُصبِحُ أِجدُني ممتلئا بالحياة، وأشعر بتجدد لم أعهده فيَّ بالأمس، وبالرغبة في إضفاء مُسحة من السعادة على هذه الأرض.

س: يقف النقد على الدوام حين يتناول تجربتك الشعرية أمام لغتك المميزة، والتي تجد لها خلفية في التجربة الصوفية، كيف تولدت هذه العلاقة حتى أصبحت واحدة من الإشارات الدالة عليك؟

-الشعر والتصوف عينان لكياني، بهما أسمع وأبصر، وبهما أحلق في الملكوت، فتنفذ إلي منه الإشارات والرموز والاستعارات والحدوس والسمادير(=الرؤى)، وتتنافذ تنافذ الضوء في الماء، والعطر في الهواء. مما يفضي بهاتين العينين إلى أن تُخضِع كل واحدة منهما أختَها إلى تجربتها ابتغاء مرضاة المطلق، وتوحيدِ العشق فيه. ووسيلتهما إلى ذلك الخيالُ، الذي هو حضرةُ الحَضَرَات، وبرزخُ البرازخ، الفاصلُ بين المعلوم والمجهول، وبين المحسوس والمعقول. وهذا التموقع للخيال هو الذي يؤهله إلى التقاط الحقائق بعيدا عن الفصل، وبعيدا عن ضيق الثنائيات.
فبالخيال أكشف عن قصور العقل المجرد ومحدوديته، وبه أجمع بين الضدين، وأرى الجسم في مكانين، والنورَ في سُوَيْدَاء الحنادس، وأُمسكُ الأشياءَ في تبدلاتها وتحولاتها، وأصغي إلى لغاتها المتدفقة فيَّ ببهاء لا أبْيَنَ منه ولا أسنى. فحين أُصغي إلى لغات الكوائن برهافة، وأفهمُ مراميَها أُحسُّ بأنني قد اقتربت من المطلق. فتلك اللغات هي لغاته، والقلب الذي تسكنه هذه اللغات لا يسكنه الظلام، ولا تلج إليه الكراهية مطلقا.

ومن امتزاج هذه اللغات في الروح تنبثق لغتي، وكأنَّها تُراقص غرابتها، وتُدمنُ تحولاتها. فالمصطلح الواحد فيها يتغير داخل كل مقام من المقامات، ويغدو مولودا جديدا مدهشا وفاتنا. هل هذا راجع إلى كوني أنظر إلى الوجود بعيني الشعر والتصوف المتباينتين والمتنوعتين مَظْهَرًا، المتسقتين والمتوحدتين مَخْبَرًا؟ أم لكوني أنطلق من تصورات في العشق غير معلومة للآخرين، واَنشد الحقيقة الأسمى في ما وراء البشرية؟.أعتقد أن الإحاطة بالكون ما هي إلا إحاطة بالذات، وأن كل ما في هذا العالم جميل بالأصالة، وما يتراءى فيه من قبح هو من صنع الإنسان، ومآله الارتفاع.
وإني لأخجل من نفسي إذا لم أعتذر لحجر صدمته قدمي، فهو كائن مسبح، وليس مادة صمَّاء كما أوهمونا بذلك قديما. فالفيزياء الحديثة تؤكد أن كل ماديٍّ يتضمنُ روحا، وكلَّ معنوي يتضمن مادة. فليخفف الإنسان من غلوائه، ولْيَنْظُرْ بعيني الشعر والتصوف إلى الكون، فسيجد أنهما منذوران إلى ما هو خفي، والخفي دائما يأسرنا، ويُدخلنا أَواوينَه، ويُشوِّقنا إلى بُعده واحتجابه، خصوصا إذا ما تم ربطُه بخفي آخر، وهو المحتجِب البعيد الأبعد اللانهائي.
وكما هذه الحالة الجوانية تكون لغتي، فهي كيمياء مفارقة للمتداول، خالصة من شوائب التزييف، تشير إلى قدسية المحبوب إشارة قصد شطْحِيٍّ، ومعنى القصد الشطحي أن يكون الجسد النصي مسكونا بروح الكلمات، ومدلولاتها الجديدة النائية عن المدلولات القديمة. وذلك لأن الحروف فيها هي بمثابة أمة من الأمم مخاطبة ومكَلَّفَة، لا أفصح لسانا، ولا أوضح بيانا منها، فهي تتجافى عن التصريح. ومعلوم أن التصريح إذا دخل الشعر والتصوف أفسدهما، وجعل نضارتهما وطلاوتهما قبحا ومَذَلَّة.

س: اليوم والجميع يتحدث عن السياسة بالمغرب، أين هو صوت الشاعر في هذا الحراك؟وصوت الفائز بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر؟

-النفس الإنسانية لا ينفذ إليها إلا ما لا تراه، وما لا تراه لا يأتي به إلا الشعر، لكونه يرفرف في أعالي اللغة الصاعدة من (موطن الأسرار) في الكون، وفي النفس البشرية معا. وصوت الشاعر اليوم يتمثل في كونه يضعنا في تجربة خاصة؛ هي عبارة عن مصالحة متلذذة بنار الرموز المشتعلة في الذات وفي الوجود..تجربة تُصالِحُ بين عمق الرؤيات المتناثرة في الزمان والمكان، من خلال وحدة الوجود المنظومة بخيط الألوهة، لتُرِيَنا لغةً وحدسًا بصائريًا ووجدانا هذه الوحدةَ وهي تتغلغل في الوجود الواحد، وتفترش الأزمنة والأمكنة والكائنات والأحوال، والمواقفَ والمظاهرَ على اختلاف شياتها، من دون استثناء. فأينما ولينا وجوهنا الرائية فهناك وحدة وجودية. فمن يستطيع حينها أن يُقصيَ بيتَ الوثني أو نار المجوسي أوحانة المنفلت؟ بمعنى أنه لا مجال لمكان قدسي أو مكان وثني:

                  فَكُنْ صَدِيقِيَ إِنْ تَكُنْ وَثَنَا    فَقَدْ عَبَدْتُ بِكَ الْأَوْثَانَ وَالْحَجَرَا

هكذا يغدو الشعر اليوم صوت وحدة إنسانية، يصبح فيها كل مقام، أو مكان، أو اسم، أو حال ، أوتصور، أو أي َّ شيء في الوجود، مشمولا بالوحدة، مثلما تصبح الخمرة وبيت النار والحانة والمسجد والوثن والناسوت والشيطان غيرَ خارجة عن هذه الوحدانية.

لماذا؟- وأنا لا أتصور اللماذا في الشعر- لأنها َتدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه، مراميها تتعدى الظاهر، وتتعامل مع الرموز اللامحدودة واللانهائية، ومع الحرية في كل شيء:

              مِنْ مَشْرٍقِ الرَّاحِ شَمْسٌ حُرَّةٌ      طَلَعَتْ لِمَغْرِبِ الرُّوحِ تَفْنَى فِي مَعَانِيهَا

فصوتي هو الجسر الذي يربط العاشق بالمعشوق في سماء خارج السماوات، وهو صوت نابع من عيني الشعر والتصوف. حيث عين الشعر تُشَوِّقُكَ إلى المحبوب، وعين التصوف تَحْمِلُكَ إلى بابه حتى ولو طُرِدْتَ منه. وهاتان العينان تصب كل واحدة منهما في الأخرى، وتتجادل معها لغةً وتخيلاً وتصورًا. وأنا عن طريق لغتهما المكثفة الخاصة تلك أسعى إلى جمع السماء والأرض في ثوب واحد هو ثوب العشق ، وإلى ربطِ الإنسان بالحقيقة دفعة واحدة ، بغية الوصول إلى ما تمناه الشاعر أبوالحسن البديهي الشَّهْرَزُورِي حين قال:

           أتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالاً        أَنْ تَرَى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ
والحر هو من أحبه المطلق، وكاشفَه بسر الأسرار، ومنحه ياقوتة الحقائق المُتَحَقِّقَة، وأطلع شمسه في ليل الانكسارات والانجراحات والإحباطات، لكي يُبصِرَ من لم يبصر كيف يجمع الظاهر والباطن في جبة واحدة لا تشتعل فيها الكراهية، وكيف يبتر أنانيتَه العمياءَ التي هي أُسُّ الداءِ في الوجود. ولَكَمْ أنا مشوق إلى أن أكون هذا الحرَّ، ولكن أهوائي كثيرا ما تُصفِّدني كلما انغمرت في التجربة، وأوغلت ُ فيها رياضة ومجاهدة، وليس هذا عيبا مادمت كائنا بشريا. فالبشر ليسوا سوى مجموعة أهواء ورغبات مشتعلة تلهث خلف الارتواء بطرائق قِدَدٍ، وأنجحهم في التجربة هو من امتلك القدرة على إلجام شهواته السفلى. فالحرية تجربة في اللانهائي، منبعثة من وجدان صادق، ولا يكون الوجدان صادقا إلا إذا كان له حنينٌ دائم إلى أصله في عالَمِ الذِّرِّ، وتَوْقٌ إلى مراودة العَصيِّ، وكشفِ الغامضِ، واقتحامِ المجهول. وكل من لديه هذا الوجدان هو بالطبع متصوف في محراب الحياة، ينفصلُ عن طاهرها، ليؤكد اتصاله بباطنها.

23:22 |  Facebook | |

03/01/2014

::

 

إصدارات شعرية جديدة

  bakoura-209x300.jpgصدرت عن منشورات “مرسم” بالرباط مجموعة شعرية جديدة للشاعر نجيب مبارك بعنوان ” على مَرأى من العُميان “. وهي ثاني مجموعة له بعد مجموعته الشعرية الأولى الصادرة في سنة 2006 بعنوانتركتُ الأرض لآخرين ” والتي سبق أن حازت على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب في الشعر (دورة 2004). وتضمّ المجموعة الجديدة نصوصاً شعرية متفاوتة الطول كُتب أغلبها خلال السنوات الأخيرة، وتتوّزع بين أربعة أقسام هي: توريطُ الجسر في مونولوغ، أحجارٌ صلبة كالغرائز، فحمٌ وفانيلّا، استرجاعُ قوت الأرض.و نقرأ من أجواء المجموعة: سأطوي حياتي مرّتين وأعلّقها بدبّوس وراء الباب. مثل طائرةٍ من ورق أو لمبةٍ مطفأة في مركبٍ سكران. سأطويها من المُنتصف وأرتّبها في حقيبة ساكسفون. والشاعر نجيب مبارك، المقيم في الرباط، من مواليد 1975 بإقليم شفشاون (شمال المغرب). بدأ نشر نصوصه في الصحافة المحلية والعربية منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي. كما تُرجمت بعض من قصائده إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية وصدرت في العديد من الأنطولوجيات. وهو عضو في اتحاد كتاب المغرب.

arton36770-25460.jpgضمن منشورات وزارة الثقافة وفي إطار سلسلة إبداع، صدرت للشاعر محمد بلمو مجموعة شعرية ثالثة موسموبة ب «رماد اليقين» بعد مجموعة «صوت التراب» التي صدرت سنة 2000 ضمن منشوات اتحاد كتاب المغرب، و"حماقات السلمون" التي صدرت سنة 2007 مشتركة مع الشاعر عبد العاطي جميل. "رماد اليقين" توزعت نصوصها على 75 صفحة من القطع المتوسط. "يستهل الديوان وجوده بقصيدة: "غياب" وينتهي إلى قصيدة "رماد اليقين"؛ وبين المبتدى والمنتهى يتابع القارئ جملة نصوص: "لو بمقدوري"، "حلم"، "هل أنا الريح أيها الحداد"، "لا موطئ قلم لي"، "ورشات مرتبكة ضد الموت"، "تعريفات بدائية جدا"، "هل يحدث أن"، يقول عبد الجليل الأزدي في تقديم الديوان، ويضيف:" والنصوص إياها تختلف وتتنوع في حجمها وصيغها ونبراتها، وتراوح بين النص والشذرة أو النص المُتَلَولِب عبر مقاطع شذرية؛ النص بصفته آلية تنبسط وتنثني لإنتاج المعنى والدلالة، والشذرة باعتبارها تحايلا تعبيريا لتكثيف معنى واسع وعميق في أقل ما يمكن من الكلمات".

H.jpgبعد ديوانه الشعري الأول "بوهيميا"، عن دار سعد الورزازي للنشر بالرباط 2004، صدر عن دار القرويين للنشر بالدارالبيضاء 2013 ، الديوان الشعري الثاني للشاعر مصطفى الرادقي بعنوان: "إلى حيث المطارق" . يضم الديوان، الذي يقع في 76 صفحة من الحجم المتوسط، والذي كُتب بين سنوات 1996و 2005، بين فضاءات مدن الدارالبيضاء، القاهرة، مكناس، العرائش، تزنيت، أنزي، آسفي و الصويرة، والمُهدَى إلى جميع أطفال العالم وإلى الحرية دائما. مجموعة من النصوص الشعرية المتوزعة على ثلاثة أقسام 1ــ يعض الخطوط البيانية للوحشية 2ــ فاصل مُغلق 3 ــ فاصل مفتوح. ويعمل الشاعر على مواصلة بحثه المضني، عبر خوض الصراع،عن الجوهري والأساسي هنا في الحياة والأرض، في واقع مُعولَم ومتشظ، مقتنصا توضُّعات الذات، والكائنات، والأشياء في سورياليتها الفاضحة، حيث شراسة المعنى والكلمة في مواجهة شراسة الخارج، مع شيء من الحلم، والموسيقى، وخُيُيْط من الأمل…

index.jpgكما تعززت الحزانة الشعرية المغربية بديوان زجلي جديد صادر عن دار التوحيدي (الرباط-2013)، وهو باكورة الشاعرة أسماء بنكيران التي اختارت لها عنوان: "حَرْ لْكلامْ". يقع الديوان في 94 صفحة من الحجم المتوسط ويضم 21 قصيدة ورباعيات، مرفقاً بقرص مدمج يضم نصوص القصائد الزجلية بصوت الشاعرة.

17:57 |  Facebook | |