!مرحباً بكم في ( أفق الشعر المغربي)، أوّل أنطلوجيا إلكترونية للشعر المغربي، هنا والآن

29/03/2014

::

المضيق تحتفي بالشاعر إدريس الملياني في ملتقاها الشعري الأول

الناقد نجيب العوفي دعا إلى سنّ قانون ضد التحرش بالشعر

 WP_20140322_11_14_17_Pro.jpg

 

أفق (خاص):

         نظم اتحاد كتاب المغرب (المكتب التنفيذي وفرع الاتحاد بتطوان) وجمعية العمل الثقافي بالمضيق الملتقى الشعري الأول للمضيق، وذلك يومي 21 و22 مارس، وقد اختار المنظمون في هذه الدورة تكريم الشاعر إدريس الملياني، نظراً لتميّز تجربته الشعرية. وقرأ على منبر الملتقى في أمسيتين شعريتين أدارهما على التوالي الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس والشاعر المعتمد الخراز، شعراء وازنون من مختلف الأجيال والحساسيات والرؤى، وهم: عبد الكريم الطبال، محمد الشيخي، إدريس الملياني، أحمد بنميمون، وفاء العمراني، أحمد لمسيح، محسن أخريف، عبد الجواد الخنيفي، أمل الأخضر، نجيب مبارك،  جمال أزراغيد، محمد عابد، نسيمة الراوي

  بموازاة ذلك، انعقدت ندوة نقدية قدمت قراءات وشهادات حول التجربة الشعرية للشاعر إدريس الملياني شارك فيها النقاد:  بنعيسى بوحمالة، نجيب العوفي، عبد اللطيف الوراري، محمد الميعادي وأحمد الدمناتي. وقد استهلّها الناقد نجيب العوفي بشهادة عنونها بـ"إدريس الملياني المليان شعرا"، ووقف فيها على "اللحن المانيفست التي تشدو به قيثارة إدريس الملياني"، الذي دافع دفاعاً باسلاً ضد كل أشكال الموت والرداءة والابتذال وكان يحلم بالمساواة بين الناس في "شبه صوفية شيوعية"، بحيث اعتبر الشعر بمثابة "بوصلة ومنارة هادية في الواقع وعالم الناس". ورأى العوفي أنّ الشاعر بثقافته العالية هو ناثر جيّد إلى جانب كونه شاعراً جيّداً، يزاوج بين التراث والحداثة في تصوُّره للكتابة وتشييدها شعرا ونثرا؛ وهو منذ سنة 1966 خطّ بداية شعرية مؤسسة وأصيلة وملتزمة أيام كان الفكر الاشتراكي الأممي يغمر المشهد السياسي والثقافي ويشكل عامل جذب للشعراء، بقدرما كانت تستفيد من منجز القصيدة العربية وتزيد عليه معرفة وكشفا، مشيراً إلى أن قصيدته قويمة العود بائنة عن "قصيدة النثر" التي عدّ كثيراً من كتابها يتحرّشون بالشعر، فدعا في نبرة ساخرة إلى "سنّ قانون ضد التحرش بالشعر على غرار قانون التحرش بالمرأة".

WP_20140321_18_27_23_Pro.jpgوفي الوقت الذي عدّ العوفي الشاعر إدريس الملياني من جيل السبعينيات، رأى الناقد بنعيسى بوحمالة أن الأخير من الصعوبة القول إنه ينتمي إلى ذلك الجيل، طارحاً مشكل تصنيف الشعراء إلى أجيال. واجترح بوحمالة للخروج من مأزق التجييل مصطلح "اللصوق الشعري"، معتبراً الملياني من"الشعراء الملاصقين"، بمعنى أنّه ينتمي إلى جيلي الستينيات والسبعينيات معا. وبخصوص المدخل الإيديولوجي والانتماء السياسي للشاعر، أشار الناقد إلى أن الشاعر كانت تربيته يسارية دون أن تعيقه ذلك عن التطور أو تسقطه في المباشرة والتبسيط، وبالتالي "ربح قصيدته كخيار جمالي وفكري في آن". أما عن منجزه الشعري، فقد كان شعر إدريس الملياني ذخيرة تراثية بقدرما كان منفتحاً على الحداثة ومنجزاتها الغربية، وكانت جملته تمزج بين العتاقة والحداثة. كما أنّه أتاح للشعرية المغربية أن تمدّ قنوات مع الشعرية الروسية، وهو ما أتاح لها أن تطلّ على مرجع غنيّ قلّما تم الانتباه إليه قياساً إلى المرجعين الفرنسي والإسباني.

   وأما الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري فقد انشغل في مداخلته بـ"التناصّ وبناء المعنى" في شعر إدريس الملياني، وبالذّات في ديوانه "نشيد السمندل". وقال إنّالشاعر إدريس الملياني "يتّخذ من طائر السمندل رمزاً اِستعاريّاً في بنية العمل، ويرتفع به إلى مستوى أسطرته بسبب ما تعانيه الذات وتُكابده بحكمة الخسارات. وهو ما يضعنا في مواجهة بينة كتابيّة ممتدّة في الزمن، تخترقها ملفوظاتٌ، وحوارات، واستشهاداتٌ، وصور وتمثيلاتٌ، وأقنعةٌ، وأمكنة، ووقائع من التاريخ القديم والحديث، وأنماط من صراع الوعي والرؤية في جدل الذات والآخر. ورأى الوراري أن تقنيات التناص الموظّفة قد أثّرت على غنائية الشاعر فبدت "غنائية مركّبة" سواء على مستوى الرؤية أو البنية الشعرية، حيث الاستخدام المكثف للرمز والقناع والمونتاج والحوار الدرامي والسرد والسوناتا والمشهدية، واستدعاء التراث الأسطوري والديني والتاريخي المتصل بتيمات الموت والحياة والوطن والإنسان والحرية، جنباً إلى جنب مع متطلّبات ذات الشاعر على المستوى الوجودي والإنساني في بحثها عن خلاصها، مرتفعاً بها إلى مستوى أسطورتها الشخصية، وبالتزامها الإنساني إلى مقامٍ مُستحقّ".

وبعنوان "شعرية الأمكنة وفتنة الطفولة في شعر إدريس الملياني"، بحث الشاعر والناقد أحمد الدمناتي عن العلاقة الحميمة التي طفولة الشاعر كذاكرة استرجاعية ترصد، بلغة استعارية شفافة، التفاصيل الحياتية العابرة وتلتقطها بعين الطفل الذي كانه الشاعر. كما بحث التمازج العجيب الذي نعثر عليه بين سيرة المكان والذات الشاعرة بصورة تمنح المكان داخل قصيدة إدريس الملياني بعداً استعاريّاً/ استعاديّاً قادراً على إعادة إنتاج معاني الذات وصورها التي تتأرجح بين العادي والمنسي، اليومي والهامشي، الواقعي والميثولوجي؛ وبالتالي استعادة المفقود وإعادة بنائه نصّياً وداخل لغةٍ تحتفي بالتفاصيل الصغيرة.

وأما الناقد محمد الميعادي فقد انطلق من ديوان "مغارة الريح"، ليبحث في شعر الشاعر من خلال عنصر التلقي باعتباره "استراتيجية نصية"، راصداً ملامح النص الشعري الذي يتحول إلى شبكة معقدة من الرموز (الترميز الأسلوبي والإيقاعي)، وإلى تجلّ خطّي مفارق، وإلى بياض تخترقه الفجوات التي تنادي على قارئها الذي عليه أن يحاور النصوص (نص القراءة، أو نص السماع، أو نص المشاهدة، إلخ) ويتفاعل معها بحسب ما يقتضيه بناء كل نص. وقد اختتمت فعاليات الملتقى بتسليم جوائز الإبداع التلاميذي، ودرع الملتقى للشاعر المحتفى إدريس الملياني

 

08:27 |  Facebook | |

01/03/2014

::

  عن المبدعة زهرة زيراوي وديوانها الشعري: ولأنّني..

شهرزاد التي تعيش على البوح وتحيا به!

د. علي القاسمي

zirawi.jpg

كما تتكامل الأخلاق في نفس الإنسان النبيل، تتعانق الفنون في روح المبدع الأصيل. وقد اجتمعت في زهرة زيراوي الأخلاق السامية والفنون الراقية. فهي إنسانة استثنائية ورثت الفضيلة والكرم والصدق والتواضع وحبَّ الوطن من آبائها الأماجد؛ وحملت عصاها وحيدة، في رحلة البحث عن جوهر الإنسان وأسرار تعلُّقه بالحقِّ والخير والجمال، وسافرت في أقانيم الفكر القصية تاريخاً وفلسفة وعلماً، وتجوّلت في تخوم الإبداع الدنية شعراً وقصة ورواية وتشكيلاً. فرشاتها امتدادٌ لذراعها، وقلمها يتجذّر في فكرها، وحروفها تجري في عروقها وملامسها.

زهرة زيراوي مسكونةٌ بمحبّة الإنسان، وعشق الأفكار، ما جعلها تجيد التواصل مع الآخر، وتمتهن التعليم، وتتقن لغة الحوار. وفي بحثها الدائب عن المعرفة، شغفت في ارتياد جميع مظانها: المدرسة، المكتبة، النادي، المنزل. فجعلت من دارها ملتقىً لعشاق الكلمة، وشبكت يديها بأيدي محبِّي الفنون من أصدقائها، وأنشأت جمعية ( ملتقى الفنّ)، ونظّمت اللقاءات التشكيلية وعقدت الندوات الأدبية، ومدت جسور التواصل الفكري بين المغرب وبلجيكا، لتعمّق التبادل الثقافي بين العرب والغرب.


كتبت زهرة زيراوي القصة القصيرة بأسلوب متفرِّد ومضامين حداثية، زاوجت فيها بين الإمتاع والتثقيف. فهي كاتبة ملتزمة نذرت قلمها للوطن والمجد والإنسان، ووهبت صوتها للبائسين والمهمشين والمستضعفين، ومارست فيها البوح المكلوم عن أرقِّ العواطف الإنسانية، وطرحت فيها أعمق القضايا الوجودية والفكرية. وتعدَّدت مجموعاتها القصصية الصادرة في المشرق والمغرب، مثل مجموعة «الذي كان» و«نصف يوم يكفي» و«مجرد حكاية» و«حنين» و«نساء على خط منكسر». وجرّدت ريشتها لترسم لوحاتٍ تشكيليةٍ فذَّةٍ ذات خصوصيةٍ في اللَّون والخطِّ والمنظور. وبدافع من حسِّها العربي الأصيل، وإيمانها بأن معاناة المثقَّف العربي واحدةٌ في المشرق والمغرب، أصدرت كتابها « التشكيل في الوطن العربي: مقامات أولى». ولا شك في أنّها ستُتبعه بمقامات أخرى. ولأنَّ زهرة الزيراوي مناضلةٌ لا تلين لها قناة، ولا يتسرَّب اليأس والخذلان إلى نفسها، وتؤمن بأن ليل الانكسارات والأحزان والأشجان لا بدَّ أن ينجلي، وأنها ستنشر آمالها وتطلعاتها على وجنة الصبح، فقد أبدعت روايتها « الفردوس البعيد».
لم تتَّسع رحاب النثر لطموحها الأدبي العريض، فارتادت آفاق الشعر، سيِّد الفنون. وهكذا نشرت ديوانها الأوَّل في (دار ميريت)بالقاهرة بعنوان « ليس إلا «، ثم صدر ديوانها الثاني مؤخراً عن ( ملتقى الفنّ ) في الدار البيضاء بعنوان « ولأني...». ويسعدني أن ألوذ بظلال هذا الديوان مستريحاً بين خمائله، مستنشقاً عبير أزاهيره، لحظاتٍ معدودات.

أوَّل ما يصدم نظرنا ويأسر انتباهنا في هذا الديوان، عتبته الأولى وأعني بها العنوان. « ولأني...». فالقارئ يتساءل مع الشاعر الدكتور محمد علي الرباوي: « ماذا قبل واو العطف؟ وماذا بعد ياء المتكلمة؟». فالمعنى لا يتحقّق بهذا العنوان الذي لا يشكِّل جملةً مفيدة ولا اسماً يدل على مسمى. إنه مجرَّد أداة لا يتمُّ معناها إلا بغيرها، فهي أداة تسبيب تربط المسبب بالسبب. ويبقى القارئ يتساءل: ماذا حدث لها ولماذا؟ ولا بدَّ أنَّ هذا العمل الفنّيَّ سيفصح لنا عن الحالة التي حصلت للشاعرة، والأسباب التي أدَّت إليها. وهذا من عناصر التشويق المشروعة التي مارستها في عنوان ديوانها الأول « ليس إلّا « الذي يخلو، هو الآخر، من اسم سديد أو نعت مفيد.

لقد دأبت زهرة زيراوي على اختيار عناوين مشوقة مماثلة لأعمالها الأدبية مثل عنوان « الذي كان» الذي وسمت به إحدى مجموعاتها القصصية. فالقارئ يظلُّ يتساءل: مَن هو أو ماذا هو الذي كان؟ وماذا كان؟ وكيف هو الآن؟ وكيف سيكون؟ إلى آخر هذه الخواطر التي تُطلِق سلسلة من الأسئلة، وكلُّ سؤالٍ يفجِّر سؤالاً جديداً، مثل انشطار ذرات اليورانيوم والبلوتونيوم في مساحةٍ زمكانيةٍ صغيرة.

موضوع الديوان

لا يبلغ الشاعر لحظةَ التوهُّج وبزوغ القصيدة إلا عندما تتراكم في حنايا الروح موجاتٌ نفسيةٌ من القلق والتوتُّر والانفعال، تؤدّي الى حالة الاشتعال. ومصدر هذه الموجات النفسية إما الهمُّ الذاتي أو الهمُّ الجماعي. وديوان « ولأني ..» يجمع بين الهمَّين: الشخصي والوطني. أو كما لاحظ الشاعر محمد عفيفي مطر، فإن شعر زهرة الزيراوي ساحةٌ لاشتباكٍ حميمٍ بين الشخصي والسياسي، بين البوح المتكتِّم والمواقف الفكرية المعلنة.

zi.jpgفزهرة زيراوي، في هذا الديوان، هي شهرزاد التي تعيش على البوح وتحيا به، هي شاعرة أتعب قلبها السفر، وعذَّبه الحبُّ، وأحرقته الذكريات .يحاول أن يغسل الماضي بخمر النسيان، فتسهِّده الرؤى، وتعصف به أسئلة الريح:

تتداعى الجدران التي أمامه

تتداعى الشجرة التي في خياله

يرى سبابته إذ ترسم قلبيْن

وغاباتٍ من الورد،

يراها إذ تمدُّ ذراعيْها نحوه

هامسة ً تسأله

أما تزالُ ترغبُ أن تحيا؟؟

وزهرة زيراوي، في هذا الديوان كذلك، هي زرقاء اليمامة التي تنظر بعيداً لترى مستقبل أُمّتها في ضوء ماضيها ونيران حاضرها؛ هي شاعرة ورثت روحاً نضالية، لا تستسلم لليل الدامس الظلمة الذي يخيم على الأرض، بل ترنو دوماً إلى مشرق الصبح المنير. فتكتب قصائدها لتقارع الظلام كي يزهر الصباح. تكتب تميمةً ضد الحزن هنا، وتصوغ حجاباً ضد الفقر هناك، وتصنغ تعويذة ضد الجهل في كلِّ مكان. ترى أُمّتها يشيخ قلبها، وتيبس أطرافها، فتمدّ يد المواساة لها، تمسح القلب المنهك، وتنفخ فيه شيئاً من نفَسها المتوهِّج، لعلَّها تدفئ الوديان الباردة، فتفيض بالماء والحياة، ويلتهب الصقيع:

أنا الأندلسي

أدخل بحار التاريخ

أقف على عكّاز الليلِ شاهراً ندوبي

أرى ما تناثر من دمِ الفؤاد

وفرشاتي التي اكتهلت

تصوغ ضرباتها ظلمة المساء

وتمنح الهواء لونه القرمزي

دعيني قرطبة

أنقر قلبك العاتب وأغشاه

دعيني أُلبِس وريدك لوعة الشوق

عساني أغسل القلب

وأنفخ فيه روح عاشق كي تدفأ

أوصالك.

الإبداع في اللغة

قصائد الديوان تتسم بالأصالة والابتكار، وأحد العوامل في ذلك لغته التي تمتاز بالجدَّة والإبهار. فالشاعرة لا تتعامل مع اللغة بوصفها وسيلةً تبدع بواسطتها فقط، بل بكونها معشوقة تُبدع فيها لذاتها كذلك، كما يقول مصطفى الغتيري. تمنح زهرة زيراوي اللغة جميع وقتها واهتمامها، تبحث في خمائلها الكثَّة نبتة نبتةً، لتعثر على تلك الزهرة الكلمة ذات اللون النادر والعبق الأخاذ. تشذّب تلك الزهرة من أشواك قد تكون نبتت على عرقها، وتنظّفها من غبار قد يكون التصق بوريقاتها، ثمّ تضمُّها إلى زهيراتٍ مُنتقاةٍ أُخرى في باقةٍ أنيقة. وهي لا تُثقِل قصيدتها بالشرح والتوضيح، بل تكتفي بالإيحاء والتلميح. ولكي تترك قدراً من الغموض المفيد في نصوصها، لتوسّع آفاق التأويل أمام القارئ، فإنها تثير الأسئلة ولا تزوِّدنا بالأجوبة، فسؤالٌ واحد يمكن أن يفجّر ما لا يفجّره ألف جواب، كما يقول جوستين كاردر، في روايته الفلسفية «عالم صوفي». والشاعرة تنأى بقصائدها عن العبارات المحنطة والصياغات المستهلكة، وتفتِّش دوماً، بصبرٍ وتفانٍ وأناة، عن الجديد العتيد. لغة هذا الديوان لغةٌ بسيطة تتَّسم بالوضوح على مستوى التراكيب والمفردات، ولكنها موغلة في التعقيد على مستوى المعاني والدلالات:

أيتها الأرض

يا روضة الريح والريحان

والرجال والنبوءات والأساطير

قولي للتاريخ الممعن في قسوته:

أجبني أيها التاريخ

ماذا أنتَ فاعلٌ بالقتلة؟؟

 

10:50 |  Facebook | |

14/02/2014

حوار مع الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام

وارهام: أحلم بكتابة قصيدة زرقاء تتماهى مع اللاَّنهائي وتتأَمْثَلُه

warham.jpg

حاورته: ليلى بارع

  بتجربة متفردة في المجال الشعري المغربي، وبلغة تنهل حروفها من جمالية وعمق العوالم الصوفية الشفافة، تمكن الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام، من تتويج مسيرته الإبداعية المضيئة بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر. من أعماله المنشورة، كتابة على ألواح الدم/ العبور من تحت إبط الموت/ ولائم المعارج/ طائر من أرض السمسمة/ الخروج من ليل الجسد/ حانة الروح، وبديوان «لأفلاكه رشاقة الرغبة».  في هذا الحوار نقترب أكثر من عوالم هذا الشاعر الذي توج مساره الشعري بهذه الجائزة المميزة.

س: كيف تلقيت تتويجك بجائزة المغرب للكتاب بالإجماع من طرف لجنة الشعر؟

- بارتياح ونفس مطمئنة، حيث أدركت أن العمر الذي  ذوبته في الشعر لم يذهب سدى. فمعرفة وطني لي هي السعادة الأحب إلي أولا من كل معرفة تأتيني من الخارج مهما كانت قيمتها عالية، فأنا نبتته التي تطل من شرفة الزمن لتقول (أنا قلب يَسَعُ العالم،كل ما يُسعده يسعدني، وكل ما يُشقيه يشقيني).ولم أحسب أن كلمات الشكر ستخونني في لحظة التلقي هاته، ولكنها فعلت، فانذبحتُ ألمًا واستصغارًا لنفسي، ولم يَعد لي إلا هذا التلعثم:

بآي لِسَانٍ أَنْسجُ الشُّكْرَ، إِنَّنِـــــــي   عَلَى حَافَةِ الإِبْلاَسِ ظِلٌّ مُصَفَّــــدُ

تَخِيسُ لُغَاتِي كُلَّمَا رُمْتُ ضَوْءَهَا   وَيَكْبُو جَنَانِي، وَالدُّمُوعُ تُعَرْبِـــــــدُ

س: قلت ذات حوار:(الآن أحلم بكتابة شيء أتجاوز به كل منجزي الشعري)، فهل ديوان لأفلاكه رشاقة الرغبة هو ذلك الشيءالديوان، الذي حلمت به؟

-بالشعر نكون إنسانيين أولا نكون، وبه نفهم جوَّانية الحياة الكونية وجزئياتها، ونمزج استنساغاتنا باستنساغات الناس فيها، ومحلوماتنا بمحلوماتهم، وتطلعاتنا بتطلعاتهم، وموروثنا بالموروث الإنساني العام. فنحن:

 بِالشِّعْرِ نُولَدُ إِنْ جَزَّتْ مَشَاعِرَنَــا   أَيْدِي الْأَسَى، وَاسْتَوَى فِي نَبْضِنَا الرَّهَبُ

هُوَ الضِّيَاءُ..ضِيَاءُ الرُّوحِ إِنْ أَفَلَتْ  شَمْسُ الْمَعَالِي، وَغَنَّى الْمَيْنُ وَالْوَصَبُ

كَفَّاهُ بَسْمَلَةٌ بِالْحُبِّ مُورِقَـــــــــــــةٌ   وَمُقْلَتَاهُ سَمَاءٌ صَحْوُهَا الطَّـــــــــــرَبُ

مَا رَازَهَا مُوجَعٌ إِلاَّ وَشَبَّ بِـــــــهِ   فَيْضٌ مِنَ السِّرِّ لَمْ تَحْلُمْ بِهِ الحِقَـــــــب

ولو وقفتُ عند حلم واحد لانطفأتُ، وانفتلت مني الحياة انفتالة البرق. فالإنسان في جوهر جوهره ما هو إلا مجموعة أحلام منفتحة على البعيد الأبعد الممعن في الخفاء، يتبع الضوء الراعش في وردة المستحل ليَشربَه. وديوان: لأفلاكه رشاقة الرغبة ما هو إلا  شبه ورقة من تلك الوردة الراعشة ضياء. وأنا أحلم بـ(بكتابة قصيدة زرقاء) تتماهى مع اللانهائي وتَتَأَمْثَلُهُ وكأنَّه هي، وهذا هو ما يُمِضُّني، ويجعلني أحترق أرقًا، ويُلقي بروحي على صخور اليأس كلما تأَبَّت عليَّ، إذْ من دونها لن أحلق في فضاء التجدُّد بجناحي الفرادة. فالذي لا يتجدد لا يتعدَّدَ، والتعدد انفلات من النمطية، والوحدة الموهومة، ومن اليقينيات المُصْمَطَة، ومن الْأُنظومات التي تُكبِّلُ شمس الجماليات لإِخصاب القبح.
أُرَاهِنُ على تلك القصيدة بروحِ رُوحي، لأنني أسـَشْرٍفُ فيها نبضَ النبضِ ، ونهْرَ الأنهار الذي سيغسل تجاعيد الروح، ونبتة الحياةِ في صحراء الوجدان.

س: أخيراً، فإن مشروعك الشعري يجد آذانا صاغية بالمغرب، بالمقابل فإن جائزة بيت الشعر في المغرب منحت لشاعر أجبي، كيف ترى وضع الشاعر بالمغرب، وتلقي النقد لأعماله؟

-الشعر لا يكون شعرا إلا إذا قفز فوق نمطية الحياة بمنظور رؤيوي متسع، يحمل الكثير من المضامين المُحَفَّزَة على المستقبل. وحينذاك سيغدو ضرورة أنطولوجية يُسْتَوْعَبُ بها مَخبَرُ الحياة. لن يتخلى النقد عن الاحتفاء بها لكونها المعادل الموضوعي للحياة المتزنة، ولقيمة الإنسان على هذه الأرض. والحياة ليست نهرا واحدا، ولا كذلك قيمة الإنسان.
وبالرغم مما يبدو من قلة نفوذ الشعر وضآلة امتداداته، فإنه-كما يبدو لي-أنجع من جميع ضروب السياسات والمذاهب والإيديولوجيات في تبصير الإنسان بكينونته ومهجوساته، يمضي في البعيد الأبعد الذي لاتقتنصه العين والذاكرة، وإنما المخيلة، ويستمر في التمرد على كل المقولات التي تُجَذِّرُ الاغتباط بمرارة الواقع ووضاعته. وليس هذا مستغربا، فالشعراء منذ أفلاطون كان قدرُهم أنْ يُنْظَرَ إليهم بريبة وتوجُّس، لأنهم يأتون بمحلومات إنسانية مشروعة تُعجزُ خُطى السياسات بكل أشكالها الإيديولوجة، وتضعها تحت المجهر.

فالشعر- بما هو نبض الجسد الكوني- يَفعَل في الناس، ولكنه لا يُرى. فهو موجود في كل شيء، وحين ندخل أرضه تتفتح فينا زهرة الحرية وتَضُوعُ، فنحلم أحلاما إنسانية وضيئة يتعذر على المستحيل كَبْتُهاَ. ولا أدلَّ على هذا من الشاعر(بابلو نيرودا)الذي كانت تجتمع للإصغاء إليه الملايين من الناس الأميين البسطاء الذين لا يعرفون ما يقول، ولكنهم كانوا على يقين لا حدود له بأنه يقول أحلامهم التي يودون أن تتحقق في الحياة. وجائزة بيت الشعر في المغرب ليست جائزة وطنية لدغدغة  الذات، وإنما هي جائزة عالمية منفتحة على كل القارات الشعرية الحديثة التي تبدع جماليات عاليات، وتصنع زمننا الشعري بأبَّهَة واقتدار، فهي غير منحازة لجغرافيا محددة ومنغلقة، ولا للغة دون أخرى. وقد حصل عليها شعراء من الداخل والخارج ندين لهم بما شحنوا به وجداناتنا من بهاء، ومعرفة شعرية عُليا خارج المعارف المتداولة. وللمغرب أن يعتبرها أفقه الحضاري الرحب الذي يحتفي بالجمال في أسطع تجلياته.

أما عن وضع الشعر فهو وضعُ الجسد المُعافَى الذي لا يقيم في أرض الرضاء بقدر ما يقيم في أرض التوتر والمفارقة، والمراهنة على مجهول القصيدة، وهذا ما يستفزُّ النقد، فالنقد روِيةٌ وتأمُّل واستبصار، والشعر انحيازٌ لخُطى الضوء.فكيف سيتأتى لبلَّوْرَة ِالنقد أن تُمسِكَ الضوءَ المُتناسِلَ باستمرار؟ ومع هذا الغليان الصحي في الجسد الشعري المغربي، فإن وضعَ الشاعر يبقى أشبهَ بالرماد منه بالعطر. وأتمنى أن يأتي يوم يكون فيه هذا الناسج لأجمل أحاسيسنا محطَّ اهتمامٍ واعتبار حقيقيين، وأن تكون صفة (شاعر) هي بطاقة هويته الكونية. فهو ينتج ما هو أعظم من الجدوى، وربَّ مُتسائلٍ يقول: وما الفائدة مما ينتجه في زمن احتلت المادة كل خلاياه، واستبدَّتْ بالنفوس؟ فأُجيب بما أجاب به عالم الاقتصاد (ريمون بار) -الذي كان وزيرا أولَ  لفرنسا-حين سئل: لماذا تبدو صافيَ الذهن، حاضرَ البديهة، مشرقَ النفس، حازمَ الرأي، وكأن المشاكل التي تجابهك ، وتجابه بلدك والعالم لا تؤثر فيك، ولاتكدِّر مزاجك؟ فقال: إن الفضل في كل هذا يرجع إلى الشعر، فأنا قبل النوم أُخصِّصُ نصفَ ساعة لقراءته، وحين أُصبِحُ أِجدُني ممتلئا بالحياة، وأشعر بتجدد لم أعهده فيَّ بالأمس، وبالرغبة في إضفاء مُسحة من السعادة على هذه الأرض.

س: يقف النقد على الدوام حين يتناول تجربتك الشعرية أمام لغتك المميزة، والتي تجد لها خلفية في التجربة الصوفية، كيف تولدت هذه العلاقة حتى أصبحت واحدة من الإشارات الدالة عليك؟

-الشعر والتصوف عينان لكياني، بهما أسمع وأبصر، وبهما أحلق في الملكوت، فتنفذ إلي منه الإشارات والرموز والاستعارات والحدوس والسمادير(=الرؤى)، وتتنافذ تنافذ الضوء في الماء، والعطر في الهواء. مما يفضي بهاتين العينين إلى أن تُخضِع كل واحدة منهما أختَها إلى تجربتها ابتغاء مرضاة المطلق، وتوحيدِ العشق فيه. ووسيلتهما إلى ذلك الخيالُ، الذي هو حضرةُ الحَضَرَات، وبرزخُ البرازخ، الفاصلُ بين المعلوم والمجهول، وبين المحسوس والمعقول. وهذا التموقع للخيال هو الذي يؤهله إلى التقاط الحقائق بعيدا عن الفصل، وبعيدا عن ضيق الثنائيات.
فبالخيال أكشف عن قصور العقل المجرد ومحدوديته، وبه أجمع بين الضدين، وأرى الجسم في مكانين، والنورَ في سُوَيْدَاء الحنادس، وأُمسكُ الأشياءَ في تبدلاتها وتحولاتها، وأصغي إلى لغاتها المتدفقة فيَّ ببهاء لا أبْيَنَ منه ولا أسنى. فحين أُصغي إلى لغات الكوائن برهافة، وأفهمُ مراميَها أُحسُّ بأنني قد اقتربت من المطلق. فتلك اللغات هي لغاته، والقلب الذي تسكنه هذه اللغات لا يسكنه الظلام، ولا تلج إليه الكراهية مطلقا.

ومن امتزاج هذه اللغات في الروح تنبثق لغتي، وكأنَّها تُراقص غرابتها، وتُدمنُ تحولاتها. فالمصطلح الواحد فيها يتغير داخل كل مقام من المقامات، ويغدو مولودا جديدا مدهشا وفاتنا. هل هذا راجع إلى كوني أنظر إلى الوجود بعيني الشعر والتصوف المتباينتين والمتنوعتين مَظْهَرًا، المتسقتين والمتوحدتين مَخْبَرًا؟ أم لكوني أنطلق من تصورات في العشق غير معلومة للآخرين، واَنشد الحقيقة الأسمى في ما وراء البشرية؟.أعتقد أن الإحاطة بالكون ما هي إلا إحاطة بالذات، وأن كل ما في هذا العالم جميل بالأصالة، وما يتراءى فيه من قبح هو من صنع الإنسان، ومآله الارتفاع.
وإني لأخجل من نفسي إذا لم أعتذر لحجر صدمته قدمي، فهو كائن مسبح، وليس مادة صمَّاء كما أوهمونا بذلك قديما. فالفيزياء الحديثة تؤكد أن كل ماديٍّ يتضمنُ روحا، وكلَّ معنوي يتضمن مادة. فليخفف الإنسان من غلوائه، ولْيَنْظُرْ بعيني الشعر والتصوف إلى الكون، فسيجد أنهما منذوران إلى ما هو خفي، والخفي دائما يأسرنا، ويُدخلنا أَواوينَه، ويُشوِّقنا إلى بُعده واحتجابه، خصوصا إذا ما تم ربطُه بخفي آخر، وهو المحتجِب البعيد الأبعد اللانهائي.
وكما هذه الحالة الجوانية تكون لغتي، فهي كيمياء مفارقة للمتداول، خالصة من شوائب التزييف، تشير إلى قدسية المحبوب إشارة قصد شطْحِيٍّ، ومعنى القصد الشطحي أن يكون الجسد النصي مسكونا بروح الكلمات، ومدلولاتها الجديدة النائية عن المدلولات القديمة. وذلك لأن الحروف فيها هي بمثابة أمة من الأمم مخاطبة ومكَلَّفَة، لا أفصح لسانا، ولا أوضح بيانا منها، فهي تتجافى عن التصريح. ومعلوم أن التصريح إذا دخل الشعر والتصوف أفسدهما، وجعل نضارتهما وطلاوتهما قبحا ومَذَلَّة.

س: اليوم والجميع يتحدث عن السياسة بالمغرب، أين هو صوت الشاعر في هذا الحراك؟وصوت الفائز بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر؟

-النفس الإنسانية لا ينفذ إليها إلا ما لا تراه، وما لا تراه لا يأتي به إلا الشعر، لكونه يرفرف في أعالي اللغة الصاعدة من (موطن الأسرار) في الكون، وفي النفس البشرية معا. وصوت الشاعر اليوم يتمثل في كونه يضعنا في تجربة خاصة؛ هي عبارة عن مصالحة متلذذة بنار الرموز المشتعلة في الذات وفي الوجود..تجربة تُصالِحُ بين عمق الرؤيات المتناثرة في الزمان والمكان، من خلال وحدة الوجود المنظومة بخيط الألوهة، لتُرِيَنا لغةً وحدسًا بصائريًا ووجدانا هذه الوحدةَ وهي تتغلغل في الوجود الواحد، وتفترش الأزمنة والأمكنة والكائنات والأحوال، والمواقفَ والمظاهرَ على اختلاف شياتها، من دون استثناء. فأينما ولينا وجوهنا الرائية فهناك وحدة وجودية. فمن يستطيع حينها أن يُقصيَ بيتَ الوثني أو نار المجوسي أوحانة المنفلت؟ بمعنى أنه لا مجال لمكان قدسي أو مكان وثني:

                  فَكُنْ صَدِيقِيَ إِنْ تَكُنْ وَثَنَا    فَقَدْ عَبَدْتُ بِكَ الْأَوْثَانَ وَالْحَجَرَا

هكذا يغدو الشعر اليوم صوت وحدة إنسانية، يصبح فيها كل مقام، أو مكان، أو اسم، أو حال ، أوتصور، أو أي َّ شيء في الوجود، مشمولا بالوحدة، مثلما تصبح الخمرة وبيت النار والحانة والمسجد والوثن والناسوت والشيطان غيرَ خارجة عن هذه الوحدانية.

لماذا؟- وأنا لا أتصور اللماذا في الشعر- لأنها َتدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه، مراميها تتعدى الظاهر، وتتعامل مع الرموز اللامحدودة واللانهائية، ومع الحرية في كل شيء:

              مِنْ مَشْرٍقِ الرَّاحِ شَمْسٌ حُرَّةٌ      طَلَعَتْ لِمَغْرِبِ الرُّوحِ تَفْنَى فِي مَعَانِيهَا

فصوتي هو الجسر الذي يربط العاشق بالمعشوق في سماء خارج السماوات، وهو صوت نابع من عيني الشعر والتصوف. حيث عين الشعر تُشَوِّقُكَ إلى المحبوب، وعين التصوف تَحْمِلُكَ إلى بابه حتى ولو طُرِدْتَ منه. وهاتان العينان تصب كل واحدة منهما في الأخرى، وتتجادل معها لغةً وتخيلاً وتصورًا. وأنا عن طريق لغتهما المكثفة الخاصة تلك أسعى إلى جمع السماء والأرض في ثوب واحد هو ثوب العشق ، وإلى ربطِ الإنسان بالحقيقة دفعة واحدة ، بغية الوصول إلى ما تمناه الشاعر أبوالحسن البديهي الشَّهْرَزُورِي حين قال:

           أتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالاً        أَنْ تَرَى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ
والحر هو من أحبه المطلق، وكاشفَه بسر الأسرار، ومنحه ياقوتة الحقائق المُتَحَقِّقَة، وأطلع شمسه في ليل الانكسارات والانجراحات والإحباطات، لكي يُبصِرَ من لم يبصر كيف يجمع الظاهر والباطن في جبة واحدة لا تشتعل فيها الكراهية، وكيف يبتر أنانيتَه العمياءَ التي هي أُسُّ الداءِ في الوجود. ولَكَمْ أنا مشوق إلى أن أكون هذا الحرَّ، ولكن أهوائي كثيرا ما تُصفِّدني كلما انغمرت في التجربة، وأوغلت ُ فيها رياضة ومجاهدة، وليس هذا عيبا مادمت كائنا بشريا. فالبشر ليسوا سوى مجموعة أهواء ورغبات مشتعلة تلهث خلف الارتواء بطرائق قِدَدٍ، وأنجحهم في التجربة هو من امتلك القدرة على إلجام شهواته السفلى. فالحرية تجربة في اللانهائي، منبعثة من وجدان صادق، ولا يكون الوجدان صادقا إلا إذا كان له حنينٌ دائم إلى أصله في عالَمِ الذِّرِّ، وتَوْقٌ إلى مراودة العَصيِّ، وكشفِ الغامضِ، واقتحامِ المجهول. وكل من لديه هذا الوجدان هو بالطبع متصوف في محراب الحياة، ينفصلُ عن طاهرها، ليؤكد اتصاله بباطنها.

23:22 |  Facebook | |

03/01/2014

::

 

إصدارات شعرية جديدة

  bakoura-209x300.jpgصدرت عن منشورات “مرسم” بالرباط مجموعة شعرية جديدة للشاعر نجيب مبارك بعنوان ” على مَرأى من العُميان “. وهي ثاني مجموعة له بعد مجموعته الشعرية الأولى الصادرة في سنة 2006 بعنوانتركتُ الأرض لآخرين ” والتي سبق أن حازت على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب في الشعر (دورة 2004). وتضمّ المجموعة الجديدة نصوصاً شعرية متفاوتة الطول كُتب أغلبها خلال السنوات الأخيرة، وتتوّزع بين أربعة أقسام هي: توريطُ الجسر في مونولوغ، أحجارٌ صلبة كالغرائز، فحمٌ وفانيلّا، استرجاعُ قوت الأرض.و نقرأ من أجواء المجموعة: سأطوي حياتي مرّتين وأعلّقها بدبّوس وراء الباب. مثل طائرةٍ من ورق أو لمبةٍ مطفأة في مركبٍ سكران. سأطويها من المُنتصف وأرتّبها في حقيبة ساكسفون. والشاعر نجيب مبارك، المقيم في الرباط، من مواليد 1975 بإقليم شفشاون (شمال المغرب). بدأ نشر نصوصه في الصحافة المحلية والعربية منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي. كما تُرجمت بعض من قصائده إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية وصدرت في العديد من الأنطولوجيات. وهو عضو في اتحاد كتاب المغرب.

arton36770-25460.jpgضمن منشورات وزارة الثقافة وفي إطار سلسلة إبداع، صدرت للشاعر محمد بلمو مجموعة شعرية ثالثة موسموبة ب «رماد اليقين» بعد مجموعة «صوت التراب» التي صدرت سنة 2000 ضمن منشوات اتحاد كتاب المغرب، و"حماقات السلمون" التي صدرت سنة 2007 مشتركة مع الشاعر عبد العاطي جميل. "رماد اليقين" توزعت نصوصها على 75 صفحة من القطع المتوسط. "يستهل الديوان وجوده بقصيدة: "غياب" وينتهي إلى قصيدة "رماد اليقين"؛ وبين المبتدى والمنتهى يتابع القارئ جملة نصوص: "لو بمقدوري"، "حلم"، "هل أنا الريح أيها الحداد"، "لا موطئ قلم لي"، "ورشات مرتبكة ضد الموت"، "تعريفات بدائية جدا"، "هل يحدث أن"، يقول عبد الجليل الأزدي في تقديم الديوان، ويضيف:" والنصوص إياها تختلف وتتنوع في حجمها وصيغها ونبراتها، وتراوح بين النص والشذرة أو النص المُتَلَولِب عبر مقاطع شذرية؛ النص بصفته آلية تنبسط وتنثني لإنتاج المعنى والدلالة، والشذرة باعتبارها تحايلا تعبيريا لتكثيف معنى واسع وعميق في أقل ما يمكن من الكلمات".

H.jpgبعد ديوانه الشعري الأول "بوهيميا"، عن دار سعد الورزازي للنشر بالرباط 2004، صدر عن دار القرويين للنشر بالدارالبيضاء 2013 ، الديوان الشعري الثاني للشاعر مصطفى الرادقي بعنوان: "إلى حيث المطارق" . يضم الديوان، الذي يقع في 76 صفحة من الحجم المتوسط، والذي كُتب بين سنوات 1996و 2005، بين فضاءات مدن الدارالبيضاء، القاهرة، مكناس، العرائش، تزنيت، أنزي، آسفي و الصويرة، والمُهدَى إلى جميع أطفال العالم وإلى الحرية دائما. مجموعة من النصوص الشعرية المتوزعة على ثلاثة أقسام 1ــ يعض الخطوط البيانية للوحشية 2ــ فاصل مُغلق 3 ــ فاصل مفتوح. ويعمل الشاعر على مواصلة بحثه المضني، عبر خوض الصراع،عن الجوهري والأساسي هنا في الحياة والأرض، في واقع مُعولَم ومتشظ، مقتنصا توضُّعات الذات، والكائنات، والأشياء في سورياليتها الفاضحة، حيث شراسة المعنى والكلمة في مواجهة شراسة الخارج، مع شيء من الحلم، والموسيقى، وخُيُيْط من الأمل…

index.jpgكما تعززت الحزانة الشعرية المغربية بديوان زجلي جديد صادر عن دار التوحيدي (الرباط-2013)، وهو باكورة الشاعرة أسماء بنكيران التي اختارت لها عنوان: "حَرْ لْكلامْ". يقع الديوان في 94 صفحة من الحجم المتوسط ويضم 21 قصيدة ورباعيات، مرفقاً بقرص مدمج يضم نصوص القصائد الزجلية بصوت الشاعرة.

17:57 |  Facebook | |

02/01/2014

**

 

محمد بنطلحة: أقصى ما أطمح إليه هو أن أكون شاعراً مُتوسّطياً
bentalha.jpg

سعيدة شريف

اختتمت المكتبة الوطنية للملكة المغربية أنشطتها الثقافية، بلقاء احتفائي بالشاعر المغربي محمد بنطلحة، الشاعر الذي استطاع أن ينحت اسمه، ويضيف للقصيدة المغربية إشعاعا وتميزا خاصين، الشاعر الذي أجمع الكل وفي ظرف وجيز، لأنه لم يبدأ النشر إلا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، على فرادة قصيدته، ونحته للكلمات والجمل الشعرية، التي لا يطمئن إليها أبدا.
في هذا اللقاء الاحتفائي، الذي لم تحضره إلا ثلة من أصدقاء الشاعر الراحل، وبعض المهتمين بالشعر المغربي، تحدث بنطلحة بكثير من التأثر والارتباك، قائلا إن الصفة التي تروقه هي صفة الشاعر المغربي، وإذا كان له أن يضيف لها شيئا فهو شاعر متوسطي، أما كوني، فهي صفة لا تحيل عليه إطلاقا، ولا تروقه، مشيرا إلى أن أحد رهاناته كان وما يزال هو أن تكون لديه جملة شعرية مستقلة، تميزه عن الجمل الشعرية الأخرى.

بكثير من الخجل والحياء والارتباك، تحدث الشاعر المغربي محمد بنطلحة عن نفسه وعن تجربته الشعرية، التي يرى أنها ما زالت في بدايتها، ولم يحقق فيها الشيء الكثير، قائلا "طوال حياتي وأنا أحمل صنارتي ولا صيد ثمين، ولكنني أواصل، ومع ذلك سأواصل"، ومتسائلا بنوع من السخرية: "ماذا سيخسر العالم لو اختفى الشعراء؟"، مقللا من قيمة الشعراء كما الآلهة من قبل، التي اختفت ولم يطرأ أي تغيير على الحياة.
بهذه النبرة الحزينة والتشاؤمية في بعض الأحيان، وعبر طرحه للكثير من الأسئلة، حول كلمة "قصيدة" نفسها، التي تعني في اللغة الأكادية الغنيمة، قال الشاعر محمد بنطلحة: "القصيدة غنيمة، فهل هي غنيمة حرب؟"، مجيبا بأنه لا يدري، وأن الذي يعرفه هو أن الهزيمة أفضل من الانتصار بالنسبة إليه.
وأوضح بنطلحة أنه بعد سماعه لمداخلات كل من: الفنانة والشاعرة الفلسطينية شادية حامد، والشاعرين المغربيين: محمد الصالحي، وعزيز الحاكم، والناقد المغربي إسماعيل شكر، والباحث السيميائي محمد الزاهيري، والكاتب والإعلامي عبد الرحيم التوراني، بدأ يتساءل عن الشخص الذي تحدث عنه كل هؤلاء، هل هو نفسه، أم شاعر آخر؟ موضحا أنه يسعى إلى بلورة قصيدة مغربية بمواصفات شعرية متميزة، قائلا إن الصفة التي تروقه هي صفة الشاعر المغربي، وإذا كان له أن يضيف لها شيئا فهو شاعر متوسطي، أما كوني، فهي صفة لا تحيل عليه إطلاقا، ولا تروقه، لأن فيها نوعا من الغرور والاستعلاء، مشيرا إلى أن أحد رهاناته كان وما يزال هو أن تكون لديه جملة شعرية مستقلة، تميزه عن الجمل الشعرية الأخرى سواء في الشرق أو الغرب.
وأشار بنطلحة إلى أن أول ديوان شعري له صدر في نهاية شهر دجنبر من عام 1989، وهو "نشيد البجع"، وأن ديوانه الأخير، كان من المتوقع أن يصدر نهاية هذا الشهر أيضا عن "دار فضاءات للنشر"، لكنه تأخر لبداية السنة، معتبرا أن الأمر سيان بالنسبة إليه، ومفضلا قراءة قصيدة "لسان حواء"، من ديوانه الأخير.
الشاعر محمد الصالحي قدم الشاعر محمد بنطلحة بطريقة رائقة، حيث اعتبر تجربته الشعرية مخصوصة، وأنه شاعر يبحث عن وطن للشعر، بل هو مجرة أتاحت للشعر المغربي أن يكون، قبل أن ينطلق في تناسل للأسئلة حول الشعر المغربي أم الشعر العربي؟ معتبرا أن ما يكتبه الشاعر المغربي باللغة العربية شعر عربي، وليس مغربيا، لأن مجرته هي الشعر العربي.
ومن جهتها تحدثت الفنانة والشاعرة الفلسطينية شادية حامد، رفيقة درب الشاعر، التي أمتعت اللقاء ببعض الأغاني بتوقيع موسيقي من طرف الفنان المغربي رشيد برومي، عن محمد بنطلحة الإنسان والشاعر، الذي يعيش القصيدة، ويبيت، ويستفيق عليها، وقد يخرج إلى الشارع ماشيا باحثا عن كلماتها ومفرداتها، مثله مثل الشعراء أو الفلاسفة المشائين، ولما يتمكن منها، أو يقبض عليها يعود أدراجه إلى بيته، كما لو أن شيئا لم يكن.
وكشفت حامد أن الدقة وتقدير المسافة ميزتان أساسيتان في الشاعر، وأنه يبدو ظاهريا صارما ومتحفظا مع الآخرين، ولكنه في الحقيقة صارم حتى مع نفسه، لكن الدنو منه يسمح باكتشاف روحه العالية، ورغبته في الدعابة، والتعرف عليه عن قرب، لأنه إنسان لا يساوم ولا يهادن، يهرب من الأماكن الملوثة، ويبحث دائما عن الهواء النقي أينما كان، "شاعر في أدق تفاصيله، بالشعر يرى ويسمع ويتنفس".
"
اغترب تتجدد" كما يقول أبو تمام، هو شعار الشاعر محمد بنطلحة، كما قالت حامد، لأنه لا يستقر في مكان معين، بحيث تجده اليوم في فاس، واليوم الموالي بأكادير أو بروكسيل، وهكذا، فهو لا يطمئن لمكان معين ولا لكلمة بعينها، ولهذا تجده باستمرار يشذب، ويحذف، ويغير، إلى أن يستقر قراره على الشكل النهائي لقصيدته، التي يشتغل عليها باستمرار، وبتهيب كبير. وأضافت أن القطارات لها مكانة خاصة في نفس الشاعر، سواء في المغرب أو الخارج، فهي مكان إلهام بالنسبة إليه، لأنها تمكنه من قراءة الطبيعة والناس.
الناقد إسماعيل شكري، الذي سبق وقدم قراءة نقدية بعنوان "من الانقطاع إلى الاستقرار: الرؤية الكارثية في شعر محمد بنطلحة"، في اليوم الدراسي، الذي نظمته مجموعة البحث في السيميائيات وتحليل الخطاب في كلية الآداب عين الشق بالدارالبيضاء، في شهر ماي من عام 2012، تحت عنوان "سيميائيات الشعر: قراءات في تجربة محمد بنطلحة الشعرية"، اختار هذه المرة الحديث عن شعرية الذهن في أعمال محمد بنطلحة، والتي اكتشفها بعد قراءاته المتعددة لأعماله الشعرية، معتبرا أن الذي يميز بنطلحة وينشط قدراته هو اشتغاله على الذهن المتعدد، الذي ينشطر إلى الذهن المتوازي، والذهن المفارق.
وأوضح شكري أن شعر بنطلحة ينفلت عن كل تقعيد، وأن العقدة الإنسانية جوهر أساسي في كل كتاباته، مشيرا إلى أن القارئ الضمني يحضر في أشعاره المتميزة بالمنظور السحري والعجائبي، وهو ما يجعل قصائده حداثية بامتياز.
الشاعر عزيز الحاكم، ترك أوراقه جانبا، وتحدث بتلقائية كبيرة عن الشاعر محمد بنطلحة، الذي تربطه به علاقة وطيدة، منذ أن أقام بمدينة فاس في السنوات الأخيرة، الذي رأى فيه كائنا يعيش الارتقاء اليومي، ويعيش الشعر في أدق تفاصيله بتهيب ونبل كبيرين، لأنه لا يكذب على نفسه، ولا على الآخرين.
وأضاف الحاكم أن بنطلحة يوجد حيث لا يمكن أن تعثر عليه، إنه إنسان نعيش معه، ولكننا نضيعه في بعض الأحيان، لأنه ساعتها يكون يبحث عن قصيدة جديدة، أو مفردة ما، وهذا ليس بالأمر السلبي، معتبرا أنه والشاعر يشتركان في عشق الكلمة الراقية والشعرية، وأن هناك قرابة كبيرة بين ملارمييه وبنطلحة. وأشار الحاكم إلى أن بنطلحة "شرع في كتابة الشعر منذ بدء الخليقة، وتهمته هو أنه يقترف كتابة الشعر. إنه يكتب بحذر كما لو أنه يمشي فوق بركان"، معتبرا أن هذا الحذر غير مبرر لدى الشاعر، خاصة أن لديه تجربة حقيقية، وثقافة واسعة، تؤهله إلى أن يكتب باطمئنان كبير، ولكن مع ذلك تظل علاقته باللغة متوترة باستمرار، على عكس ما يروج من استسهال لعملية الكتابة، في ظل شبكات التواصل الاجتماعية، التي منحت الكثير من الثقة للعديد ممن يخطون أحرفا، ويعتقدون أنهم كتابا.
الباحث محمد الزاهيري تحدث عن صعوبة الاشتغال على أعمال محمد بنطلحة الشعرية، وذلك بدءا من عناوين قصائده، التي لا علاقة لها، برأيه، ومضمون القصائد، إلا فيما ندر، حيث دلل على ذلك بقصيدته "قمر مسروق"، التي كتبها عن الشاعر الراحل عبد الله راجع، والتي تحيل على قصيدة للشاعر الراحل تحمل عنوان "أياد تسرق القمر".
في حين، استرجع الكاتب عبد الرحيم التوراني لقطات من صداقته بالشاعر محمد بنطلحة، ووقف عند مجموعة من اللحظات التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، في لقاءات بأحد مقاهي الدارالبيضاء، أو في مؤتمر اتحاد كتاب المغرب عام 1986 بالدارالبيضاء، مشيرا إلى أنه كان هناك إجماع نادر حول شاعرية بنطلحة، لأنه فرض نفسه منذ البداية فانتصر على الكل.
يعد محمد بنطلحة أحد رواد القصيدة المغربية والعربية الحديثة في الوقت الراهن، شاعر مجدد، منتج وصبور، تعكس قصيدته اشتغالا شعريا متأنيا يتجاوز أثره باستمرار، وهو إلى ذلك، من الشعراء العرب القلائل الذين يملكون جرأة "تشبيب" نصوصهم. فمن نص لآخر، ومن ديوان لآخر، لا يكف بنطلحة عن مفاجأة قرائه بفتوحاته الشعرية المدهشة، التي بدأها بديوانه "نشيد البجع" 1989، وتلاها بدواوينه: "غيمة أو حجر" 1990، و"سدوم" 1992، "بعكس الماء" 2000، و"ليتني أعمى" 2002، و"قليلا أكثر" 2008.
أغلب دواوين الشاعر محمد بن طلحة طبعت أكثر من طبعة، ومنها من نفذ من المكتبات، حيث يعد محمد بن طلحة صانعا ماهرا للنص الشعري العربي الحديث، تتحول اللغة لديه إلى أداة طيعة لتعبر عن أفكار شاعر يفلسف اللحظة والمعيش اليومي، وفي مجموعته الشعرية ''قليلا أكثر'' تستوقفنا أشياء كثيرة منها، كثافة الصور الشعرية، ومعان عميقة تجعلك تفتتن وتنظر بذهول إلى عالم بنطلحة الشعري، عالم يأخذك من بياض اليومي وقلقه إلى قلق الحياة بكل تجلياتها. محمد بنطلحة سليل سؤال شعري ظل يعمل في صمت، فقصيدته منجم أفكار ورؤى، وهي إلى ذلك مختبر ومعجم تراكيب، تواكب طموحات القصيدة الحديثة، بل تتجاوز انتظاراتها المرتقبة والسهلة، وبهذه الصفة حاز مكانة الشاعر.

22:17 |  Facebook | |

24/12/2013

Yves Bonnefoy

   إيف بونفوا يفوز بجائزة الأركانة للشعر

608148_sans-titre.jpg

  اجتمعت، في الرباط، لجنة تحكيم جائزة  الأركانة العالمية للشعر، التي يمنحها سنويا بيت الشعر في المغرب، بشراكة مع مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير و بتعاون مع وزارة الثقافة. و قد تكونت اللجنة من الشاعر عبد المجيد بنجلون، رئيساً، ومن الأعضاء:  الناقد عبد الرحمن طنكول، والشعراء: دانييل لوفيرس ، حسن نجمي ؛ نجيب خداري، رشيد المومني، رشيد خالص. وآلت جائزة الأركانة العالمية للشعرللعام 2013، في دورتها الثامنة، بإجماع أعضاء لجنة التحكيم، إلى الشاعر الفرنسي الكوني إيف بونفوا الذي منح الإنسانية، من خلال تجربته الفريدة، شعرا ذا بعد إنساني عميق. 

     يحتفي، إذن، بيت الشعر في المغرب  بإيف بونفوا باعتباره شاعر الحكمة والتجديد.  فقد تمكن عبر أعماله الشعرية والنقدية، منذ انضمامه إلى السورياليين الفرنسيين إلى اليوم، من تجسيد صورة الشاعر الحقيقي المهووس بكتابة لا تخلو من المخاطر و التحديات. ويحرص بيت الشعر في المغرب على تأكيد بعد النظر الفكري لهذا الشاعر وعلى خاصيته المميزة كصانع للغة. وقد  أثار إيف بونفوا، بصفة المحاضر و الناقد الجمالي، أسئلة حارقة حول الشعر، بل تعداه ليشمل الحوار الذي يقيمه هذا الجنس مع الأجناس الإبداعية الأخرى كالموسيقى والفن التشكيلي. ففي خضم هذا التفكير الجريء، تمكن بونفوا، بنجاح، من تحقيق كتابة منسجمة  ومتجددة باستمرار.

يشيد البيت بتجربة هذا الشاعر الفذ الذي يقاوم في الآن نفسه غواية اللغة و إغراء اللامنتهى، من جهة، وكمال العالم الذي يفتنه، من جهة أخرى. إن هذه الزاوية الحرجة التي يتخذ منها إيف بونفوا  مكانا لصوته تجعل شعره يتأرجح بين القول الشعري والتأمل النظري، فيظل وثيق الصلة بأشياء الحياة البسيطة حيث يغدو فضاء انبجاس الشعر فضاء يتجدد فيه الواقع عبر كيمياء الكلمات.

التحول العميق !

تلك هي سمة هذا العمل الرفيع الذي يرسم الشاعر من خلاله معالم كون هاجسه الكائن وغايته الإنسان. اشتغل إيف بونفوا بجهد كبيرعلى اللغة كمادة ليخلق منها شعرا يمنحه تفردا و عمقا خاصين. فرغم الانبهار باللامرئي فهو لا يتغاضى عن دينامية الحسي كما تتجلى في آنية و بساطة الأشياء. إنه شاعر الحضور بامتياز، فهو يعبر بشعره عن ذاته بالقرب من الكائن و الأشياء. وبعد مراحل من الارتياب و العراك، ومن التخلي و القبول، فإنه يحتفي اليوم  ببيان القول. لذلك أثنى بيت الشعر على تجربة هذا الشاعر الذي أصر دوما على قياس قوته و ضعفه كإنسان. أكثر من ذلك، فهو أثبت قدرته على أن يجعل من كل كلمة حدثا، بل وجودا له. و قد مكنه هذا التصادم المرهف من أن يقيم سبيكة لحام بين المفكر و الفكرة.  فالشاعر الذي يعبر بهذه الطريقة عن انبجاس الأشياء و الصدى الذي تحدثه بين الكلمات يصبح بدوره ذاك الوعاء الذي تصب فيه الكلمات قبل أن تتغير هيئتها و تتبدى للقارئ. كان إذن لزاما على البيت ان يحتفي بهذا الجهد الرائع. وبالفعل، نجح بونفوا في تحقيق الجلاء بين الفكري و الحسي على حد سواء، لذلك فهو يعيد مجددا الكائن إلى جوهره مستعينا بلغة تسميه من جديد كما للمرة الأولى ! و على الرغم من ذلك فشعره ليس تصويريا بل يتعداه ليصبح ميالا إلى التخيل الأولي. ويظل بدون شك كتابا مفتوحا.

بهذا الاختيار الجمالي و الوجودي حقق إيف بونفوا تحديا عظيما : أن يجمع مجمل التجربة الإنسانية التي لا ترضى لنفسها إلا ان تصبح حضورا ذا جدوى للأشياء دون أن ينكر احتمال فقدانها. فبونفوا يثبت  أكثر من غيره أنه شاعر الإنساني حيثما ينشأ و حيثما يمكث ! 

إن الشعر هو الذي ينقذ الإرث الإنساني من الضياع، إذ بدونه فهو منذور حتما للضياع. هذا هو درس الأمل الذي يقدمه لنا إيف بونفوا، دون قصد أو عن دراية، في شكل أشبه باحتفالية الهبة و العطاء.


20:10 |  Facebook | |

19/12/2013

max jacob


 محمد بنيس ينال جائزة 'ماكس جاكوب'  للشعر

ennis.jpg

 

نال الشاعر المغربي محمد بنيس جائزة «ماكس جاكوب» للشعر الأجنبي عن ديوانه «المكان الوثني» (Lieu Païen)، في ترجمته الفرنسية التي أنجزها برنار نويل، والذي صدر في يونيو الماضي عن دار «لاموريي»  (L’Amourier) بفرنسا.و«المكان الوثني» ديوان صدر باللغة العربية بالمغرب سنة 1996 عن دار النشر توبقال.

وتشكل الجائزة، حسب بلاغ جمعية أصدقاء الشاعر ماكس جاكوب (1876-1944) ، اعترافا بالعمل الشعري لمحمد بنيس وقوّة حضوره في اللغة الفرنسية، بعد أن صدرت له فيها عدة أعمال إبداعية.

وتكافئ جائزة «ماكس جاكوب»، التي تأسست سنة 1950، وتم منحها بدون انقطاع، الأعمال الشعرية الفرنسية أو الأجنبية المترجمة إلى الفرنسية. وحصل على هذه الجائزة شعراء مشهورون منهم ألن بوسكيه وميشيل دوغي وجاك ريدا وهنري ميشونيك وصلاح ستيتيه وفيليب دولافو وعبد الوهاب المؤدب وبرنار نويل وجان بيير سيميون وأدونيس.

وسيتسلم الشاعر محمد بنيس الجائزة، يوم خامس مارس 2014، من قبل وزيرة الثقافة والإعلام الفرنسية أوريلي فيليبيتي، في المركز الوطني للكتاب بباريس، وهو موعد انطلاق برنامج الأنشطة التي ستقام بمناسبة الذكرى السبعين لوفاة الشاعر ماكس جاكوب.

«إلى جانب أدونيس ومحمود درويش، أنشأ محمد بنيس عملاً لا يدين فيه إلا للبحث الصبور عن أصالته الخاصة ليصبح نموذجاً داخل اللغة العربية، وقد أصبح الآن يحمل مستقبلا هو ما يجعل منه عملاً تأسيسياً»، هكذا يقول الشاعر الفرنسي برنار نويل عن الشاعر المغربي المتوج بجائزة «ماكس جاكوب»، على غرار أدونيس، ما يجعل تتويجه مستحقا لدى الفرنسيين. وشعر بنيس لم يجد له فقط موطء قدم لدى الفرنسيين وحدهم، فقد ترجمت مجموعة من قصائده إلى لغات عديدة من بينها الإنجليزية والإيطالية والألمانية والإسبانية والبرتغالية واليابانية والروسية والسويدية والمقدونية والتركية. وصدرت ترجمات لبعض أعماله الشعرية إلى الفرنسية والإيطالية والإسبانية والتركية ومنتخبات من شعره بالمقدونية. كما ترجمت بعض دراساته إلى عدة لغات، دون إغفال مكان الشاعر وسط أبناء لغته. فمنذ إصداره لديوانه الأول « ما قبل الكلام» سنة 1969، « وهو ينزاح بشعريته عن النص ليصوغ لتجربته الآفاق المتصلة بالحياة منطلقاً من المغرب، عابراً مشرق العرب، متوغلا في الحلم الكوني الذي لا يختلف عن الشعر إلا في الدرجة»، كما يقول عنه الشاعر البحريني قاسم حداد.

وإلى جانب جائزة «ماكس جاكوب»، نال بنيس جائزة المغرب الكبرى للكتاب سنة 1993 عن ديوانه «هبة الفراغ» ثم جائزة الأطلس الكبرى للترجمة إلى الفرنسية سنة 2000 عن ديوانه «نهر بين جنازتين»، وجائزة «كالوبيتزاتي» الإيطالية لأدب البحر المتوسط في 2006 عن «هبة الفراغ» في ترجمته الإيطالية، وفي 2007 جائزة فيرونيا العالمية للآداب في إيطاليا وجائزة العويس في دبي، عن أعماله الشعرية، وفي 2010 جائزة الثقافة المغاربية في تونس، وفي2011 جائزة تشيبو العالمية للآداب في إيطاليا. وشحته الجمهورية الفرنسية، سنة 2002، بوسام من رتبة فارس الفنون والآداب سنة 2003. وهو عضو شرفي في الجمعية العالمية للهايكو في اليابان.

وقد ولد الشاعر محمد بنيس بفاس سنة 1948. وتابع تعليمه الأولي في «الجامع»، ولم يلتحق بالمدرسة الابتدائية العمومية إلا في سنة 1958، وهو ابن عشر سنوات. أخذ يهتم بالأدب، وخاصة بالشعر، ابتداء من سنواته الأولى في الثانوية. تابع دراسته الجامعية في كلية الآداب ظهر المهراز بفاس، حيث حصل على الإجازة في الأدب العربي سنة 1972. وحصل على دبلوم الدراسات العليا في كلية الآداب بالرباط سنة 1978 في موضوع «ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب»، تحت إشراف عبد الكبير الخطيبي، وفي الكلية نفسها حصل سنة 1988 على دكتوراة الدولة في موضوع «الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها»، تحت إشراف جمال الدين بن الشيخ. وهو يعمل منذ 1980 أستاذاً للشعر العربي الحديث بجامعة محمد الخامس- أكدال في الرباط.

 

10:12 |  Facebook | |

07/12/2013

:::

عبد اللطيف اللعبي: معظم الشعر المغربي شعر مقاومة

حاوره: عبد العزيز جدير

 عبد اللطيف اللعبي، تجربة في الكتابة والحياة. جمع بين قلع الضرس في الشعر والامتداد السردي في كتابة الرواية وحمل نور الترجمة.. قد يرى الكتابةميثاقا، وقد يراها التزاما.. لكنها، في كل الأحوال، ممارسة للحرية. كتب عنالمنفى والسجن. وتميزت كتابته بالتنوع والثورة أو ما سماه الناقد مارك كونتار "عنف النص". فكيف يتأمل صنيعه؟

info_191022201024027PM1.jpg 

الكتابة التزام
-
عرف عنك، السي عبد اللطيف، أنك كاتب ملتزم بالمعنى الذي صاغه سارتر وغير سارتر وفرضته لحظة معينة، أي أن لك علاقة حميمة مع الشعب، ثم إن هاجس تغيير ما هو كائن إلى الأحسن يحكم فكرك، هذا الالتزام في الأدب، كيف كان يبدو لك قدر الكاتب في مرحلة معينة وفي الكتابات الأولى؟
-
مسألة الالتزام [ضاحكا] فيها أخذ ورد.. أظن أنه ليس ضروريا أن نسجنالكتابة وراء يافطات معينة، لأنه عندما نقول الأدب الملتزم فهناك اختزال لهذا الأدب في جانب واحد فقط: جانب أنك حين تكتب تفكر في الآخرين، أنك لاتكتب فقط لحل بعض المشاكل الداخلية والنفسية، لتصفية حسابات مع العالم ومع الآخرين، بل تكتب لأن هناك شعورا بأشكال تضامن معينة، لأنك في خندق معين. أنا شخصيا لا أستطيع أن أتنازل عن الخندق الذي ولدت فيه، وناضلت فيه، وهذه مسألة لا تحدد المواضيع والأشكال الأدبية بل هي مسألة أخلاقية، قبل كل شيء. بالنسبة لي، الأدب إذا لم ينبع من منظومة أخلاقية يصعب تحديد مفهوم له مندون ذلك، هذه مسألة أساسية تهمني شخصيا وهنا تكمن وظيفة الأدب ومهمته، ولاعلاقة لهذا الأمر بالآخرين. فكل واحد حر في امتلاك تصور خاص للأدبوللكتابة.. لكن بالنسبة إلي، هذه المسألة
مرتبطة بحياتي، بمسار حياة كتابتي، وليس من الممكن أن أفصل، في أي مرحلة من المراحل، بين الكتابة والعطاء الذي أرى من الضروري أن أقدمه للبيئة التي نبعت فيها وترعرعت. هذه مسألة مرتبطة بالتجربة الحياتية لكل فرد، ولو أنناعندما نكتب: ماذا نريد من وراء الكتابة؟ الشهرة، المال، الجاه.. أظن أنالكتابة هي محاولة مد الجسور بين الكاتب وبين الناس. وهؤلاء الناس هم شعبالكاتب، والبشرية جمعاء. وإذا لم تكن وظيفة الأدب هي زرع قيم إنسانية،حضارية.. لست أدري ما الوظيفة التي تبرر وجوده ووظيفته. هذه مسألة مفروغمنها، الكتابة تعبير عن موقع، وموقعي هو ما أشترك فيه مع هذا الشعب منآلام، من محن، من تطلعات، من آمال، من رغبة في الخروج من جهنم أو من النفق الذي لا زلنا فيه إلى حد الآن ولو نسبيا. ما عدا ذلك، هذه هي الطاقة التي تدفع بكتابتي وتغذيها. لكن مع ذلك، إذا قرأت كتاباتي بشكل متأني تلمس  هاجسالأشكال الأدبية المتطورة باستمرار، تلمس أنني لا أكرر التجربة من كتاب إلى آخر. كل كتاب هو مغامرة جديدة، هو شكل جديد، كل كتاب هو اكتشاف لظاهرة من الظواهر التي تعيشها البشرية. وتلمسه في التنوع من كتاب إلى آخر، وفي دواويني الشعرية نفسها هناك أشكال تتحول من قصيدة إلى أخرى، أو من مجموعة من القصائد إلى مجموعة أخرى.. أنا شخصيا أعيش القضايا أو المشاكل التي يعيشها أي كاتب على الصعيد العالمي، تواجهه عندما يكون أمام الصفحة البيضاء، ولكن أتمتع بهذه الخصوصية وهي أنني عندما أكتب لا أكون وحيدا. أكتب لأنني أريدأن أساهم في عملية حضارية وهي عملية لها فعل أيضا في الذاكرة، في المخيلة، في حساسية الإنسان المغربي، والإنسان بشكل عام.. 

 - في المقابل هناك ميثاق أخلاقي بين الكاتب والقارئ، أود أن أنظر إلى الأمر من زاوية مغايرة. وأنت عشت هذا بشكل واسع وفكرت فيه: مبدع له ارتباطاجتماعي، نفسي، روحي الخ.. بالفضاء الذي عاش فيه، وبناسه وبالناس جميعا فيما يخص الذين يعانون معاناة معينة في الحياة، في أماكن أخرى من هذه الأرضالتي نسير فوق أديمها. لكن الأدب لا يستطيع تحقيق أشياء ملموسة للقارئ،للمحتاج. أذكر بهذا الرأي الذي تعرفه السي عبد اللطيف جيدا وأود أن نتأمله: مع أخذ الفرق بين المبدع في الغرب والمبدع في العالم الثالث بعينالاعتبار، قال سارتر: "ماذا تستطيع [رواية] "الغثيان" أمام شخص جائع فيإفريقيا؟"..قوة الأدب في الموقف وفي الانحياز إلى الإنسان، من جهة، ثم إنهمن جهة ثانية لا يستطيع شيئا مباشرا مع أنه يستطيع التأثير في الوعي على المدى الطويل. ولولا خطورة الأدب لما قتل الحكام ونفوا كتابا وشعراء..
-
أعتبر هذه مقولات تؤدي إلى العجز أو التعجيز، ما معنى ذلك؟ نتوقف عن الكتابة، نتوقف عن الرسم، نتوقف عن الموسيقى؟ لا. أعتقد أنه مهما كانت الأهوال، المحن، المآسي التي تجتازها البشرية أو أي مجتمع على حدة، فهذا لايعني أن الكتابة لم تعد لها جدوى. بالعكس، الكتابة هي الشهادة الأساسية: شهادة ضمير، الضمير الحي، ضمير يرفض الاستسلام إلى الهمجية، ضمير يرفضاللامبالاة وضمير يوجد، دائما، في وضع هاجسه الأساسي هو تبليغ هذه الرسالة،رسالة الوعي، رسالة الحرية، رسالة الجمال، رسالة الأمل أيضا. فلو ظللنا نفكر فقط في الحروب، المآسي الخ.. يمكن أن يحط بنا الرحال عند الاستسلام،الذي هو نتيجة اليأس. أظن أن الأدب هو قوة تدفع نحو الحرية، نحو المسئولية،نحو محاربة اللامبالاة... ليست سلطة، يمكن مقارنتها بالسلط التي تتحكم في الاقتصاد وفي السياسة الخ.. ولكنها سلطة أخلاقية ومعنوية، ومعنى ذلك أن الإنسان ليس همجية، ليس حقدا، ليس تسلطا فقط.. داخل الإنسان، هناك طاقات أخرى، طاقات تسير في اتجاه الأخوة، المحبة، وأيضا الالتصاق بهذه التجربة الإنسانية التي عاشتها الإنسانية منذ بداية التاريخ حتى الآن. طبعا، الإنسانية مرت بمراحل عسيرة جدا.. لكن عندما نتأمل هذه التجربة الإنسانية نجدها تجربة جميلة جدا، كيف استطاع الإنسان منذ العقود الغابرة أن يشكل هذا الذكاء، كيف استطاع تحقيق هذه الانجازات الخارقة التي نعيشها اليوم؟ أنامعجب بالبشرية رغم كل شيء. أحارب نزعات الحقد فيها، نزعات العنف الخ.. ولكنني من الناس الذين يمجدون، كذلك، هذه التجربة الخارقة، التي هي تجربة الذكاء البشري.
 

في أنطولوجيا الشعر المغربي
-
طوبى للشعراء الذين يحبون الكون. لو سمحت الآن، السي عبد اللطيف، كيف نشأت فكرة "أنطولوجيا الشعر المغربي"؟
- "
أنطولوجيا الشعر المغربي" جاءت في سياق العمل الذي بدأته منذ أكثر منخمس وعشرين سنة دشنته عبر "أنطولوجيا الشعر الفلسطيني المقاوم"، سنة (1969)، ثم ابتداء من الثمانينيات، ترجمت أعمال محمود درويش، سميح القاسم،"أنطولوجيا الشعر الفلسطيني المعاصر"، ترجمت أعمال عبد الوهاب البياتي، محمد الماغوط، غسان كنفاني، حنا مينة، عبد الله زريقة، سعدي يوسف مؤخرا، فرج بيرقدار الكاتب السوري، الذي كان معتقلا مؤخرا في سوريا، وآخرين.. هذا هاجس [ضاحكا] أو بالأحرى مهمة سطرتها لنفسي منذ قرابة ربع قرن تتمثل في أنني شخصيا ككاتب أو مثقف مخضرم يتمتع بهذه الازدواجية اللغوية طرحت على نفسي هذا السؤال: ما الخدمة التي يمكن أن أقدمها للثقافة العربية؟ فكان الجواب: هو الترجمة، خاصة أنه في تلك المرحلة كان الاهتمام محدودا بالأدب العربي. وقد بدأ اهتمام، فيما بعد، بالرواية العربية، ولو أن الاهتمام بالشعر العربي بقي محدودا جدا. أقول ذلك بكل بساطة لأنني من الناس الذين ساهموا في التعريف بالشعر العربي المعاصر. إذا، "الأنطولوجيا" جاءت في هذا السياق، ويمكن أن تلاحظ أن سلسلة الترجمات هذه كانت مركزة بالأساس، في مرحلة معينة، على الأدب المشارقي. ثم فكرت في مرحلة أخرى القيام بتوازن معين، فوقع التركيز على الحقل الأدبي المغربي في شقه الشعري. هذا منطلق الفكرة، ثم المنطلق الحاسم هو معرفتي التدريجية بالشعر المغربي، واكتشافأنه حقل شعري له قيمته، ويمكن من خلاله أن يكتشف القارئ الفرنسي –وهو موجه إلى قارئ باللغة الفرنسية- قارة شعرية جديدة، ذلك أن الشعراء المغاربة المتمتعين بحضور في فرنسا هم الذين يكتبون باللغة الفرنسية مباشرة. والذين ترجموا من اللغة العربية إلى الفرنسية قلائل جدا، يمكن أن يعدوا على رؤوس أصابع اليد الواحدة. وبعد صدور "الأنطولوجيا" صدرت مقالات تبين، بالفعل، أن القارئ الفرنسي أو المختص اكتشف قارة شعرية لها قيمتها وتستحق أن تكتشف. المقاييس التي اعتمدتها لاختيار شاعر معين وترجمة نصوصه وإدراجها في الأنطولوجيا، إلى جانب مقياس الأجيال والتجارب..
أنت تعلم أن هناك ما يشبه الضجة التي قامت بعد صدور الأنطولوجيا في المغرب،بينما هنا في فرنسا هناك مقالات متعددة على صفحات جرائد لها باع ووزن كبير تشيد بهذا الانجاز. بينما كنت أتوقع، في المغرب، أن تحدث الأنطولوجيا ردود الفعل هذه: لماذا اختيار هذا الشاعر، وعدم اختيار آخر الخ.. ولكنني شخصياأحاول أن لا أدخل في هذه المعمعة، وأعتبر أن بعض ردود الفعل هي زوبعة فيكوب ماء. نترك للزمن فرصة الحكم، في آخر المطاف، على وظيفة هذه الأنطولوجيا، قيمتها المتميزة الخ.. ما ألح عليه، وهو ما لم يستطع بعض الناس للأسف فهمه، وهو أن الأنطولوحيا نوع أدبي معين، يخضع لمقاييس معينةواختيار عدد معين من الشعراء من حقل شعري وليس اختيار كل الذين يكتبون الشعر. الأنطولوجيا، ليست موسوعة شعرية، ولا يمكن أن تضم ثلاثمائة شاعر يكتبون الشعر الآن في المغرب. بالضرورة، لا يمكن إلا أن تخضع الأنطولوجيا لاختيار، وكل اختيار يخضع إلى مقاييس خاصة لمترجم أو لمؤلف الأنطولوجيا. أطلب من الناس الغاضبين أن يقرؤوا التقديم الذي أشرح فيها هذه الأمور. أعتبر فيه هذه الأنطولوجية قراءة شخصية للشعر المغربي منذ الاستقلال إلى الآن، ومن يرى في هذه القراءة بعض الذاتية فليتفضل ويقوم بعمل مغاير يطرحفيه قراءته الشخصية لهذا الشعر. ما أطالب به هو احترام الاختيار، سواء كان اختاري أو اختيار غيري، مثلا في (1999) أصدر بيت الشعر في المغرب بالدارالبيضاء، "ديوان الشعر المغربي المعاصر" تحكم فيه اختيار آخر، وتحكمت فيه منهجية أخرى الخ.. هذا للعمل لم يحدث أي رد فعل في تلك المرحلة، بينما هذه الأنطولوجيا للشعر المغربي أحدثت بعض الأفكار وردود فعل تعبر عن خيبة أمل بعض غير المدرجين في هذه الأنطولوجيا. يمكن أن أطمئن البعض أن حضور هذه الأسماء التي اختيرت في الأنطولوجيا ليس ترشيحا لجائزة نوبل، هذه فقط محاولة لأن أضع بين يدي القارئ الفرنسي باللغة الفرنسية، الذي يجهل كل شيء عن الشعر المغربي، أن نعطيه فكرة عن حيوية هذا الإنتاج الشعري، خصوصيةوميزات هذا الشعر، ورشد هذا الإبداع الشعري الذي يمكن أن يضاهي أي إنتاجشعري في بلد من البلدان الأوربية أو غيرها. وهكذا تم الشعور هنا في فرنسا أن الشعر المغربي يتمتع بمميزات التنوع والتكامل والحيوية التي تدهش كثيرا من المتتبعين والمختصين في الشعر، هنا في فرنسا.
 

- الآن، أسأل السي عبد اللطيف ليس منجز لأنطولوجيا الشعر المغربي ولكن كقارئ يستمتع بالأدب نثرا وشعرا، ما هي الأشياء التي شدتك إلى الشعر المغربي،المواضيع، جدتها، طريقة التناول، اللغة..
-
أولا هناك تنوع، فالشعرالمغربي هو شعر بوليفوني، تنوع في الأصوات وهذا شيء مهم جدا، إذ أحيانا عندما تقرأ الشعر هنا في فرنسا، تشعر أن قسما كبيرا منه كأن شخصا/شاعراواحدا كتبه، بينما حين تقرأ الشعر المغربي تشعر أن شعراء عدة وراء كتابته. هنالك تنوع في الأصوات، وهناك جانب آخر أثرته في المقدمة وهو أننا لم نلمسفي المغرب، من الاستقلال إلى الآن، ذلك التطاحن بين الأجيال كأننا نعيشتوزيعا للأدوار بين الأجيال المتعاقبة في الشعر المغربي. الميزة الثالثةالتي أشرت إليها أيضا هي أن الشعر المغربي، منذ الاستقلال إلى الآن، شكل قطبا للمقاومة الأخلاقية والفكرية ضد التسلط الذي ساد في تلك المرحلة، وضدالتسلط ومصادرة حرية التعبير والحريات بشكل عام. إذاً، يمكن أن نعتبر قسما كبيرا من الشعر المغربي شعر مقاومة. مقاومة على جميع المستويات. ميزة أخرىلهذا الشعر وهي التعدد اللغوي الذي يميز هذا الشعر، فالأنطولوجيا فيها شعراء يكتبون باللغة العربية الفصحى، باللغة العربية العامية، يكتبون الزجل، ويكتبون بالأمازيغية والفرنسية. لكن ما يلمسه القارئ هو أن هذا التعدد اللغوي هو ميزة غنى يجعل من الحقل الشعري المغربي حقل غنى تتفاعل فيه اللغات المتعددة للبلاد في اتجاه إيجابي ويعطي صورة دقيقة عن الثراء الثقافي الموجود في بلدنا، لأن كل لغة تحمل معها مخيلة معينة. إذا هناك إدماج مخيلات، وهذا يعطي نصوصا تتمتع بطابع من الغنى. مثال أخير أشرت إليه في المقدمة وهو أن الشعر المغربي، من الاستقلال إلى الآن، استطاع أن يقطع في سنين معدودة -عقدين لا أكثر- مسافة طويلة كانت تفصل في تجارب أخرى بين الشعر التقليدي والشعر الحديث. يمكن أن ننظر إلى الشعر المغربي على أنه مختبر تمت فيه عملية تحديث الشعر في ظرف وجيز جدا. هذه مسألة مهمة، وليست عادية، بل استثنائية، ذلك أنه في المشرق مثلا الشعر الحديث تحقق عبر مراحل بينما في المغرب كان هناك نوع من التسريع في عملية الحداثة الشعرية، وهذاما يعطي للشعر المغربي أيضا شحنة خاصة تميزه عن الشعر في أقطار عربية أخرى.
 

- الكتابة ماذا تحقق للكاتب هل التعبير فقط عن الذات، هل التعبير عن أفكار عصره، عن جمالية عصره؟..
-
بالنسبة إلي، الكتابة هي حاجة حيوية، ليست مسألة عابرة. الكتابة هو اليومي، هو الحضور في الذات، لسبر أغوار الذات، ولكن كذلك الحضور في تجاه العالم/الكون الذي نعيش فيه،حضور تجاه البشرية. هو حضور بكافة الطاقات التي يمتلكها الإنسان. هناك من يعيش بنوع من اللامبالاة تجاه الأقارب، تجاه الوطن، تجاه العالم، تجاه البشرية الخ.. بينما الكاتب وظيفته هو هذا الحضور المستمر، هذا الحضور في كل لحظة، بل ربما الحضور حتى في النوم [ضاحكا] في أحلامه وكوابيسه.. لكييتمكن الكاتب من أن يقدم شهادة متكاملة عن العصر الذي يعيش فيه، عن المجتمع الذي يعيش فيه، عن المجتمع البشري أيضا، عليه أن يعبئ كل هذه الطاقات، الطاقات المعروفة عند الإنسان، بل ربما يخرج من أغواره طاقات أخرى غالبا ما نتناساها في أعماق الكائن البشري. هذا بإيجاز كيف أعيش أنا شخصيا حالة الكتابة.

- وقت الكتابة، هناك نوع من المتعة، وهناك أيضا نوع أو لحظات من الألم تكمن في تشكيل الأفكار، تأمل أوضاع ومواضيع وحالات، في البحث عن الكلمات.. كيف تعيش لحظات الكتابة هذه بنوع من الألم ونوع من اللذة أيضا؟
-
الكتابة تقوم بالفعل على هذا المزيج بين الألم والمتعة. الألم، لأن الكاتب يواجه دائما الصمت، ويحاول أن يخرج من هذه المادة مادة أخرى هي مادة الحياة والتعبير عن الحياة. إذ هنالك تمزق يعيشه الكاتب، وهنالك أيضا نوعمن مواجهة هذا الصمت وبالنسبة إلي: هل سأستطيع، أتوفق في التعبير بشكل عميقعن الأشياء التي أعيشها ومواجهة الصمت أم لا؟ هنالك نوع من الحيرة دائما أمام ما يسمى بالصفحة البيضاء الرهيبة. هل سأكون على موعد مع الكلمة، مع الكلام أم لا؟ في هذا اليوم، أو في هذا الأسبوع، أو في هذا الشهر، أو فيهذه السنة.. هنالك نوع من الحيرة، ومن الخوف أحيانا: هل ما نحمله فيأحشائنا، نستطيع فعلا أن نعبر عنه أم لا؟ هذا هو مجال التمزق أو مجال الألم أو نحوهما، ولكن هناك من جهة أخرى مجال المتعة. المتعة، هي عندما تلمس بعدما كتبت نصا، قصيدة مثلا أو صفحة نثر، تشعر أنك خلقت من العدم شيئا جديدا يتميز بنبرة معينة، بموسيقى معينة، بفكرة معينة.. هذا النوع من الابتهاج الذي مرده إلى أنك استطعت أن تخرج من الصمت مادة الحياة هذه، وأن تخرج شيئا جديدا لم تكن تتصوره حتى أنت. فعندما يولد النص، ينجز.. ربما كانأول من يفاجأ به هو الكاتب نفسه، لأن النص عبارة عن كائن جديد، وهذا فعلا هو منبع تلك الغبطة أو ذلك السرور، ومعنى ولادته أنك انتصرت على الصمت، واستطعت أن توجد شيئا لم يكن موجودا من قبل.
 

- كنت دائما كاتباً يكتب في ظل الالتزام الإنساني عامة، كيف عشت ما يسمى "انهيار الإيديولوجيا الاشتراكية" في بعدها الإنساني؟
- نعم، الكاتب هو ربما الذي يعبر عن استمرارية الحلم. الحلم الكبير نشأ مع الإنسانية، مع البشرية. وهذا الحلم مستمر، عبر القرون، وسنحمله إلى النهاية إذا كانت هناك نهاية معينة. فانهيار بعض الأحلام، أو ربما بعض الأوهام أحيانا لا يعني أننا نتخلى عن الحلم، على العكس من ذلك الحلم يجب أن يكون أكثر عنادا حينما ينهار جزء منه. والكاتب أو المفكر يواجه، دائما، التحدي التالي: عندما تنهار الأشياء من حوله كيف يعيد بناءها؟ كيف يعيد بناء الحلم، كيف يعيد بناء الحرية، كيف يعيد بناء مستلزمات الكتابة ومعنى الكتابة أيضا؟ ليس من حق الكاتب أن ينسحب من المعمعة.. وكما انطلقت في بداية حديثي أن من معاني الكتابة هو هذا الحضور للوضع البشري، الحضور للذات، إلخ.. لا يستطيع الكاتب أن ينسحب، هو دائما مفروض عليه أن يكون حاضرا، وأن يواجه العالم كما هو، وأن يحاول أن ينحت، في قلب هذا الواقع، واقعا مغايرا يحمل ما تبقى من الحلم أو يبدع أحلاما جديدة..

 

23:12 |  Facebook | |

04/11/2013

حوار مع شاعر

 

مبارك وساط: شعر التصريح الايديولوجي لا يعنيني ولا أرتاح إلى الغنائية

أجرى الحوار: عبد المنعم الشنتوف

wassat.jpg

 يمثل الحوار مع الشاعر المغربي مبارك وساط فرصة للاقتراب من العوالم الشعرية لواحد من أصفى وأعمق الأصوات في المغربالشعري، وسبيلا لطرح الأسئلة العميقة للشعر بما هو تخييل ولغة وتجربة ومخزون صور وتمثيلات وجسور موصولة بين خبرات جمالية متباينة من حيث تاريخيتها وجغرافياتها. تتقدم الكتابة عند هذا الشاعر الذي رأى النور في مدينة اليوسفية المغربية عام 1955 باعتبارها موصولة بالذات الإنسانية ومظاهر حضورها في العالم. راهن مبارك وساط على الاحتفاظ للقصيدة بمتعة الدهشة وتحفيز الذوات القارئة على التفاعل الإيجابي مع النص باعتباره محصلة زواج سعيد بين وهج التجربة الحياتية والاستدعاء الواعي والذكي لصور وتمثيلات تجد أساسها في الموروث الشعري العربي القديم أو التجارب الشعرية الغربية. وفي هذا السياق، يأتي إسهامه الدال في ترجمة مختارات مقصودة من الشعر الأوربي المرتبط تخصيصا بالتقليد السريالي علاوة على تحققات من الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية . وتشكل هاته الترجمات الأنيقة إسهاما في تخصيب المدونة الشعرية العربية.


س: يفترض الاقتراب من تجربتك الشعرية بمختلف تحققاتها النصية صوغ سؤال البدايات. ويهمني باعتباري ذاتا قارئة أن أسألك حديثا عن بواكير أو إرهاصات الوعي بأهمية القول الشعري: هل كان للأمر تعلق برغبة في التعبير بطريقة تتسم بالمغايرة والاختلاف؟ أسمح لنفسي بافتراض ارتباط الولوج إلى قارة الشعر بسيرورة يختلط فيها الذاتي بالموضوعي وبأبواب ومفاتيح، وأفترض فيما يهم تجربتك الثرية أنها تستجيب نسبيا لهذا الافتراض.

- تمّ لقائي الأوّل بالشّعر مبكِّراً، ولكنّ ذلك اللقاء كان يُوشِكُ أن يكونَ سطحِيّاً في البداية، وذا طابع عاطفيّ إلى حدّ بعيد. لستُ أدري ما الذي جعلني أُحِبّ الكتب في الصِّغَر، ولكنّي أتذكّر أنّه كان في حوزتي، وأنا في نحو العاشرة، كتاب ‘دمعة وابتسامة’ لجبران خليل جبران، وكتاب آخر كان بدون غلاف، وتنقصه بضع أوراق، ويتضمّن مختارات شعرية جيّدة من الشِّعر القدم، مع شروح ضافية للكلمات الصّعبة. وكنتُ أعتبرُ امتلاكي لهُما حدثاً كبيراً في حياتي، فكنتُ أقرأهما وأعيدُ القراءة، ثمّ انضافتْ إلى كتاب جبران كتبٌ أخرى بالعربيّة والفرنسيّة، كانتْ روايات في الغالب، لكنْ من بينها كان كتاب على صِلة بالشِّعر، هو ‘تاريخ الأدب العربيّ’ لحنّا الفاخوري. في هذا الكتاب، كانتْ هنالك صُوَرٌ متخيَّلة لعدد من الشّعراء القُدامى الذين تمّ تناول حياتهم وشعرهم بشكل عامّ جِدّاً في الكتاب، وقد أَنجز تلك الصّور فنّان لم أنسَ اسمَه حتّى الآن، رغم أنّ آخر إطلالة لي على كتاب الفاخوري تعود إلى نحو أربعين سنة: آرتور أورتيس!.. المهمّ أنّ شعراء كثيرين، من الجاهليّة إلى العصر العبّاسي وحتّى ما بعده، بدوا لي، من خلال أبياتهم المدرجة في الكتاب ووقائع حيواتهم، ومن خلال صورهم أيضاً، في مُخيِّلتي، كأنّما هُم من أهل تلك القرية القريبة البعيدة، المعروفة من قِبَلي والتي يلفّها في نفس الوقت، بالنّسبة إليّ، ضبابٌ شفيف يمنحها طابعاً حُلُمِيّاً وأسْطوريّا بعضَ الشّيء، فيما هي، في الوقت نفسه، واقِعيّة جِدّاً في ذهني: أعني ‘الدَّخَّانة’، التي كُنّا نهبُّ إليها حين يحلُّ الصّيف، لقضاء نحو شهر من العطلة الصّيفيّة في ربوعها. وبين بيوت تلك القرية ومسالكها، في عالمها العجائبيّ بالضّرورة إذْ هي، في تصوّري وقتها، خياليّة وأسطوريّة وواقعية، كان يمكنُني أنْ أرى المتنبّي، مثلا، ماضيا أمامي نحو حانوت ‘ولد المكّي’ ليشتري سجائر وبضع شموع، مُرَدِّداً في دخيلته: ‘صلاةُ اللهِ خالقِنا حنوطٌ على الوَجْهِ المُكَفَّنِ بالجَمال، ولا يَهمّ، إن اتّضح لي، بعدها، أنّ من حسِبْتُهُ المتنبّي كان، في الواقع، هو حميدة ‘مُولْ الكارُّو’، أي صاحب العربة التي تجرّها أحصنة والتي ينقل فيها زبائنه القرويّين في فجر كلّ أحد إلى السّوق الأسبوعي، فالأساسيّ هو أنّ المتنبّي كان هنالك، حيثُ رأيتُه، بشكلٍ واضح ولا يُمكن إنكارُه!.. وباعتبار أنّ ثمّة علاقات قرابة، قريبة أو بعيدة، كانتْ تَصِلُ أهل القرية ببعضهم، امتدّ ذلك الحِسّ بالقرابة، لديّ، إلى شعرائنا القدامى أنفسهم، في علاقة عاطفيّة قوامها الودّ والفضول والتّقدير الكبير، مع إحساسٍ قويّ بأنّ عالمي مختلف عن عالمهم

   هكذا توثّق ارتباطي العاطفيّ، في البداية، بالشِّعر العربيّ القديم. لكنّي لم أشْعُرْ قَطّ برغبة حقيقيّة في أن أكتب على طريقة من بدوا لي في مقام الأجداد. وفي بدايات الشّباب، اكتشفْتُ بعضاً من شُعراء الدّادائيّة والسّورّيالية الفرنسيّين، فالفرنسيّة هي اللغة التي كانت معتمدة بالأساس في التّدريس أيامَ كنتُ تلميذاً. وعلاقتي بهؤلاء الشّعراء لم تكن، بالنّسبة إليّ، من الصّنف العائليّ-العاطفيّ، بقدر ما كانتْ علاقة شخص في بدايات اكتشافه للحياة بمعناها الواسع بآخرين يشعر أنّهم ينتمون إلى عالم المدينة، مثله، وأنّهم متمرّدون على ما يبدو لهم معرقلا لسيرورة استكشاف الجمال الشّعريّ والفنّيّ بصفة عامّة، وأنّهم، تحديداً، من أنصار الخيال الخلاَّق. وهكذا، كنتُ شغوفاً بالعربيّة من جهة، وبأسلوب التعبير الشّعري الذي كان يدعو إليه الشّعراء الغربيّون المذكورون، من جهة ثانية. كان الأمر مرتبطاً لديّ، أيضاً، بتعاطُفي المبكّر نسبيّاً مع الفكر المتمرّد واليساريّ. ثمّ اكتشفتُ شعراء عربا من زماننا، لم يكن ذلك التغلغل فيما وراء سطح الواقع وذلك البحث عن قصيدة ذات سمات شخصيّة لا تنبع من قوالب عامّة بالغريب عنهم ولا عن ممارستهم للكتابة، فكأنّي اكتشفْتُ عائلة جديدة، عَصْريّة ومدينيّة ومتضامنة على الصّعيد الجماليّ، فنشأتْ لديّ الرّغبة في الانضمام إليها، عن طريق الكتابة الشِّعريّة.

س: أصدرت ديوانك الشعري الأول ‘على درج المياه العميقة’ عام 1990 عن دار توبقال، ثم نشرت بعد في عام 2001 كتابا شعريا يضم بالإضافة إلى هذا النص ديوانين هما’محفوفا بأرخبيلات’ و ‘راية الهواء’ عن دار عكاظ . ويعرف المتابعون لتاريخية الشعر المغربي أنك تنتمي إلى جيل الثمانينات بأسئلته وانتظاراته الجمالية والمعرفية علاوة على أعطابه واختلالاته. كيف تتحدد تجربتك في سياق هذا الجيل الشعري، وهل تحتفظ شخصيا بمسافة مع رؤيته الخاصة لطبيعة الكتابة الشعرية؟ ونحن نعرف أن هذا الجيل بمختلف حساسياته كان في منطقة البين بين، أي في البرزخ الفاصل بين تجربة السبعينات المأخوذة بالإيديولوجيا ونموذج التفعيلة وجيل التسعينات الذي انفتح بقوة على تجربة قصيدة النثر وانتظاراتها؟

-مسألة الانتماء إلى جيل شِعْريّ ما، هي من باب التّصنيفات اللاحقة على الكتابة الشِّعْرِيّة نفسِها، فالذي يُريدُ أنْ يكتب قصيدته الشّخصيّة، لا يضع لنفسه قيوداً أو قواعد مسبقة بهدف الاشتراك في حدٍّ أدنى معيّن مع غيره من أبناء بلده من الشّعراء الذين يُشاركهم العيش في نفس الحقبة الزّمنيّة. وفيما يخصّني شخصيّاً، فإنّي لمْ أدرس قَطُّ ‘الأدب’ دراسة ‘نظاميّة’، لفي جامعة أو في أيّ من المؤسّسات التّعليميّة، ذلك أنّي كنتُ أنتمي إلى شعبة ‘علوم رياضيةفي الثّانوي، حيثُ كُنّا نتلقّى الدّروس بالفرنسيّة، وبعدها دخلتُ كُلّية العلوم، ثمّ كان هنالك ظرفٌ قاهر حقيقةً، في أوائل سبعينيّات القرن الماضي، فرضَ عليّ أن ‘أنحرف’ عن مساري، وأدرس الفلسفة. ولذا فقراءاتي الشّعريّة لم تكن تخضع لنظام إلا ميولي الأدبيّة الشّخصيّة، وترتّب عن هذا أنّي، في مرحلة ما، كنتُ أجِدُ ضالّتي عند شعراء مشارقة، وعند مغاربيين يكتبون بالفرنسيّة، فيما كانت علاقتي بالشّعر العربي المغربي واهية أو تكاد. ثُمّ بدأتُ أنشُرُ شِعْرا، وأكتشف في الوقت نفسِه شعراء مغاربة من أبناء جيلي ومن السّابقين عليه واللاحقين، أشعر بقرابة تجمعني ببعضهم. فقراءاتي، فيما يبدو لي، تخضع لمقتضيات جماليّة، فأنا لا أفرضُ على نفسي قراءة شعر لا أتفاعل معه لمجرّد كونه من أبناء جيلي، أو لأنّه مغربي… ومن جهة ثانية، فإنّي لستُ متعصّباً لأسلوب شعريّ دون آخر، كما أنّي لا أحاول أن أساير ما هو متعارف عليه، فيما يخصّ تقييم الشّعراء… وعلى سبيل المثال، فأنا أعرف، ذهنيّاً، أنّ بودلير شاعر كبير، وإلا فكيف تتفق على ذلك أجيال من القُرّاء، ولكنْ ما ذنبي أنا إذا كان شِعْرُه لا يعني لي الكثير؟ وفيما يخصّ إدغار ألان بو، فباستثناء ‘الغراب’، لم أفلح في محاولتي الإعجاب بقصائده، لكنّي أجد قصّته، ‘الرّقّاص والبئر’، على سبيل المثال لا الحَصْر، عملا عظيما مشحوناً بطاقة إبداعيّة هائلة… ويمكنني، بإيجاز، أن أكمل إجابتي على سؤالك بما يلي: شِعر التّصريح الإيديولوجيّ لا يعنيني، كما أنّي لا أرتاح للغنائيّة، فما سُمّي بقصيدة النّثر، لدى عدد من الشّعراء وليس في المطلق، أقرب إلى نفسي، وكذلك بعض من شعر التّفعيلة المتخلِّص من الغنائيّة وهيمنة الإيديولوجيا
س:لمست من خلال مصاحبتي لتحققات تجربتك اتصال أسبابها بالتراث العربي وانفتاحها الواعي على المنجز الغربي في هذا الخصوص. ويكفي أن نعود إلى درج المياه العميقة لنلمس كيف تختار في أحايين عدة لغة معتقة ومقطرة تحيلنا بأكثر من قرينة إلى بعض نماذج التراث الشعري والسردي العربي وكيف تستثمر بطريقة ذكية التقليد الشعري الغربي خصوصا في تمثيله السريالي- سوف أعود معك إلى هذه النقطة في سؤال لاحق- كيف تمكنت من أن تؤالف بين هذين المنحيين؟

- في إجابتي عن السّؤال الأوّل، قلْتُ إنّي كنتُ أقرأ لأدباء عرب قُدامى، وفي خيالي أنهم من أهل تلك القرية التي وُلِد فيها أبي وأجدادي، وليس في ما قلته أيّ ابتعاد عن الواقع كما عشته بذهني وخيالي. من جهة ثانية، فإنّ أهمّ ما قدّمه لنا سورياليّو الغرب هو إعطاء الخيال الخلاّق وليس مجرّد الخيال الذي يوضع في خدمة التّصوير الواقعي، كما هو الحال في الاستعارات المتداولة – دوراً في تشكيل القصيدة، أكبر بكثير ممّا كان عليه في السّابق، وقد قال أندري بريتون: ‘ليس الخوف من الجنون هو الذي سيجعلنا نُنَكِّس راية الخيال’. في هذا الصّدد، أشير إلى أنّ الخيال الخلاَّق، الذي يمكنه أن يخرق قواعد المنطق و’الحِسّ السّليم، كان سيُهاجم بعنف من قبل أغلب النُّقّاد وَمن يعتبرون أنفسهم ناطقين باسْم الضّمير الجَمْعي، لو تمّ الانتصار له من طرف شعراء عرب قدامى لهم مكانتهم، (ولنا عِبرة في الحرب النّقديّة الشّعواء التي كانَتْ قد شُنَّتْ على أبي تمّام، بسبب اعتماده ضرباً من الاستعارة بدا لعدد من معاصريه أنّه ليس ممّا عهدتْه العرب في كلامها، رغم أنّ استعارات أبي تمّام تبقى واقعيّة تماما من حيثُ المدلول، وقابلة لـ’التّرجمة’ العقليّة إلى كلام منطقي يفهمه العقل البسيط. لنتأمَّلْ، من جهة ثانية، ‘خبراً’ يُورِدُه الجاحظ في ‘البيان والتّبيين’، ومِمّا يذكره فيه قصيدةً أنْشَأها أبو نواس، منها هذه الأبيات: ‘مَنَعَ النّومَ ادِّكاري زمناً / ذا تهاويلَ وأشْياءَ نُكُرْ / واعتِراكُ الرُّومِ في معمعةٍ / ليسَ فيها لِجبانٍ مِنْ مَقَرّْ / كائِناتٌ ليسَ عنها مذهبٌ / خَطَّها يُوشَعُ في كُتْبِ الزُّبُرْ / وعلاماتٌ ستأتي قبله / جَمَّةٌ أَوَّلُها سَكْرُ النَّهَرْ / ويليهم رَجُلٌ مِنْ هاشِمٍ / أَقْنَصُ النّاسُ جميعاً لِلْحُمُرْ…’. إنّ في هذه الأبيات ميلا إلى اللعب الشِّعريّ وخرقاً للمنطق المألوف، ولو بصورة فيها بساطة كبيرة، ومع ذلك فأبو نواس إنّما أنشأها ليضعها على لسان شخص كان قد جنّ، كُنْيتُهُ أبو يس الحاسب، لأنّه لم يشأ أن يُحَمّل نفسه مسؤوليّة تلك الانزياحات عن مقتضيات العقل’! ولكنّ الجاحظ أشار إلى أنّ هذه القصيدة، في خصائصها، كانتْ على مذهب ‘أشْعار ابنِ عَقْب الليثي’، ومن هنا يُمكننا أن نتصوّر أنّ هذا الأخير كان يكتب بطريقة تتمرّد على السّلطة المطلقة الممنوحة لٍكلٍّ من العقل’ و’الجِدّ’ – في معناهما العامّيّ -، وهما متآزران ومؤازَران من قبل الإيديولوجيّة الدّينيّة السّائدة. لم أتمكَّنْ من العثور على أيّ قصيدة لأبي عَقْب الليثيّ، ولكنّي أنطلق مِمّا سبق فأتصوّر أنّ تلك القصيدة الغائبة كانتْ، على طريقتها، تُجَسِّد ‘دادائيّةً’ ما! لا شكّ أنّ تصوُّراً من هذا القبيل يحتاج إلى أن يُدَعِّمه البحث المنهجي، ولكنّي، من جهتي، أستمدّ من خلال أمور من هذا القبيل فكرةَ كونِ المنحيين اللذين تحدَّثْتَ عنهما اعتماد قاموس يمتح في بعض الأحايين من التّراث، من جهة، واستثمار منجزات الحداثة الشّعريّة الغربية، من جهة ثانية لا يتعارضان ولا ينقض أحدهما الآخر… ولا بدّ من توضيحٍ هاهنا: فالألفاظ ‘المُعَتَّقة’ التي قد أستعملها لا تكون من المُمات، بل من العربيّة الحيّة في كتابات المعاصرين، فإذا حدث أن استعملتُ كلمة مماتة وهذا نادر جِدّاً جِدّاً – فإنّ ذلك يكون مقصوداً، ولهدفٍ شِعْريّ، مثلما هو حال بعض الشُّعراء الآخرين حين يعمدون إلى ابتداع كلمات من عنديّاتهم، لم يُسْمَعْ بها من قبل… وفيما عدا هذا، فإنّي، شخصِيّاً، أكادُ أستنكر لجوء هذا الشّاعر أو ذاك إلى كثرة من الكلمات المماتة في صياغة قصائد لا أعتقد أنّ أحداً سيستطيعُ أن يقرأها دون عناء كبير، فليس مثلُ هذا الصّنيع إلاَّ تحذلُقاً وليست تلك التّعمية إلاَّ تغطيةً على خواءِ أكيد. وفي المُقابل، أستنكر حقّاً لجوء بعض ممارسي الكتابة الشّعريّة إلى ذريعة اعتماد اللغة المتداولة من أجل تبرير الفقر اللغويّ لنصوصهم، علما بأنّ الفقر اللغويّ هو، بالنّسبة للنّصوص الشّعريّة، داءٌ أشبه بالعَشَى الشَّديد، يجعلها كليلةً عن رؤية حقيقيّة لموضوعاتها
س: انفتحت بقوة في ‘فراشة من هيدروجين’ الصادر عن دار النهضة العربية في بيروت على قصيدة تشتغل بقوة على ما هو ذهني ومعرفي بموازاة الاشتغال الإبداعي الدائم والدال على اللغة بوصفها إعادة اكتشاف للعالم واحتفاء مقصود بالوشائج الضرورية بين الشعر والدهشة. ويلوح لي من خلال قراءة نصوص هذا الديوان الأنيق أن القصيدة دعوة إلى التفكير والقراءة الفاعلة وليس الجاهزة كيف تصورك الجمالي لهذا الديوان، وهل ثمة مسافة تفصله عن التحققات النصية السابقة ؟

-أعتقد، فيما يخصّني، أنّ مجموعة ‘فراشة من هيدروجين’ تتميّز عن سابقاتها بارتباطٍ أوثق بشخص صاحبها وتجربته في الحياة وهواجسه وثقافته، وإن كان ما هو شخصِيّ فيها لا يظهر في قالبٍ واقعيّ صرف، بقدر ما هو ملفوفٌ في غلائل شعريّة. أعني أنّ هذه المجموعة تستبعد القصيدة التي تُشَكّل معطى موضوعيّا خالصاً، تُعْتمد في صياغته الأدواتُ الشِّعْريّة فحسب… ولا شكّ لديّ أنّ قارئ المجموعة مدعوّ إلى السَّفر في ما تقترحه عليه من عوالم، باعتماد شعوره الخاصّ وتجربته في الحالته وقدرته على التّخيّل وعلى استنفار لاشعوره… كما أنّ الاشتغال على ما هو ذهنيّ لا يُسيء إلى القصيدة إلاّ إذا أصبحتْ ذهنيّة تماماً، أي إذا انقلبتْ إلى نصِّ نظريّ.

س: أود أن أناقش معك تجربة ‘رجل يبتسم للعصافير’ الصادر عن دار الجمل وهو بالمناسبة آخر تحققاتك الشعرية. والحق انني لمست في هذا الديوان تطورا نوعيا في اشتغالك الشعري؛ بحكم الاستثمار الدال للتقليد السريالي علاوة على اختيارك الانفتاح على التعبير السردي. هل يمكننا الاقتراب من هذا العمل باعتباره تأريخا إبداعيا للذات، وهل يسعنا تفسير الانفتاح على السرد بما هو انفتاح مقصود على التهجين الأجناسي واطراح للتصور التقليدي للجنس الأدبي؟

-لقدْ حدّدْتَ بِشكل ممتاز خصوصيّة ‘رجل يبتسم للعصافير’، بقولك إنّها تأريخ شِعْريّ للذّات’، علماً بأنّ مفهوم الذّات هنا ليس هو الذي وُجِد عند الرّومانسيين الذين نظروا إلى كُلِّ ذات باعتبارها منعزلة في جزيرتها الخاصّة. الذّات لا تنفصل عن الآخرين، وهنا أُوَسِّعُ من دلالات قول رامبو: ‘الأنا شخص آخر’… المجموعة تنقسم إلى قسمين، في الأول منهما تأريخ مُشَعْرَن للذّات التّعدّديّة من لحظة الهجرة نحو عالَم المدينة، وصوغٌ مُشَعْرنٌ للعديد من اللحظات الهامّة في تطوّرها… وفي القسم الثّاني، هنالك صَوْغٌ شِعْري لضَرْبٍ من ‘التّربيّة العاطفيّة’، أي لعلاقات عاطفيّة، لا يهمّ إن كانتْ قد تحقَّقَتْ أو بقيتْ في نطاق توقٍ عيشَ في مرحلة ما. وفي تلك الصّياغة، تمّ تكثيفُ تلك العلاقات في واحدة، أخْضِعَتْ في التّعبير الشّعري ل’خيمياء الكَلِم’، وتمّ استجلاؤها عبر مناظير الخيال ومراياهوفيما يخصّ عنصر السَّرْد، فهو حاضر بقوّة في هذه المجموعة، نظراً لكونها تأريخاً’، كما قلت أنت نفسك… أريد أن أضيف أنّ الاهتمام بالسّرد ليس طارئاً بالنّسبة إليّ، فقد سبق أن كتبت قصصا قصيرة، كما أنّ الرّواية تُغريني، بل إنّي أكتب الآن واحدةً، لكن ببطءِ، وقد أنتهي منها قريباً.

س: أنت بالإضافة إلى اختيارك التعبيري المتمثل في الشعر مترجم، وقد أسهمت في إغناء المكتبة العربية بترجمات أنيقة ومحكمة للشاعر والروائي المغربي الراحل محمد خير الدين والأديب الجزائري محمد ديب علاوة على تحققات نصية أخرى لاندري بروتون وروني شار وروبير ساباتيي وهنري ميشو وروبير ديسنوس. ولأن الترجمة فعل استضافة كما يقول رواد التراث الهرمنوتيقي التأويلي، فإنني أسمح لنفسي بأن أتساءل معك عن المعايير التي وجهت اختياراتك، وهل ثمة من نقاط اتصال وانفصال مع تجربتك الإبداعية الخاصة؟ نلاحظ في هذا الصدد أن جزءا كبيرا من هاته التحققات المترجمة تنتمي إلى التقليد السريالي بطريقة أو بأخرى؟

-فيما يخصّ اختياراتي في مجال التّرجمة، أعتقد أنّ ما يتحكّم فيها، في الغالب الأعمّ، هو مدى إعجابي بنصٍّ ما. في هذا السّياق، يحدثُ أن تقرأ لشاعر أجنبيّ، فتشعر بقرابة روحيّة وشخصيّة وشعريّة معه إلى الحدّ الذي يجعلك تتمنّى أن تترجم بعضاً من قصائده، ويبقى الانتقال إلى الإنجاز، وقتها، رهيناً ببعض العوامل الموضوعيّة. في أحيان أخرى، قد تقرأ لشاعر لا يجمع بينك وبينه الكثير، على مستوى الرّؤى الجماليّة وسواها، لكنّك تدرك أنّه مبدع فعليّ بحسب النّظرة التي لديه هو عن الإبداع، فإذا شعرتَ بأنّه يكون إيجابيا أن يطّلع قُرّاء العربِيّة على بعضِ من نصوصه، فإنّك قد تبادر إلى ترجمتها، إذا أسعفتك ظروفك… وفي مرّات قليلة، يحدثُ أن تقترح ترجمة كتاب على جهة ما، يبدو لك أنّها ستتكفّل باشتراء ‘حقوق’ الكتاب الذي تُزمع ترجمته من ناشره الأصليّ وتمويل التّرجمة، فتقترح عليك تلك الجهة كتاباً آخر قد لا يكون في مستوى الأوّل، فإذا كانَ الكتاب المُقْتَرح يدخل أيضاً في نطاق ماهو جيّد، حتّى مع وجود الفارق، فقد تقبل أنْ تترجمه، مؤسِّياً نفسك بقولة شهيرة: ‘أردتُ عمروا وأراد الله خارجة’…

س:ابتهجت حقيقة بصدور ترجمتك الأنيقة لرائعة ‘نادجا’ للشاعر أندري بروتون. خيل إلي وأنا أقرأها أنني أكتشف نصا جديدا مكتوبا بالعربية. لماذا اختيارك لهذا النص الروائي السير ذاتي المكتوب من لدن أبرز رموز التقليدالشعري السريالي؟ هل للمسألة ارتباط باختيارك الشخصي المتحقق أساسا في ‘رجل يبتسم للعصافير’ والذي زاوجت فيه كما ذكرنا بين الشعر والسرد؟

-إنّ ‘نادجا’ من الكتب التي لها مكانة عالية في نفسي، حدّ أنّي، قبل سنوات، قُمتُ بزيارة أماكن مُعَينة في باريس، لا لشيء سوى لكونها شكّلت مسرحاً لهذا الحدث أو ذاك من الأحداث المذكورة في ‘نادجا’. أودّ أن أقول، أيضاً، إنّي كنتُ قد اتّفقتُ مع صاحب منشورات الجمل’، الذي هو الشّاعر العراقي خالد المعالي، في بدايات الألفيّة الثّالثة، على أن أتولّى ترجمة ‘نادجا’، ثُمّ دخل مشروعنا في سباتٍ لسنوات، إلى أن عملنا على ‘إيقاظِه’ قبل نحو سنتين ونصف السّنةوالكتاب هامّ ومثير على أكثر من صعيد، وإعجابي به يعود إلى بدايات الشّباب.

س:تنتمي تجربتك فيما يهم الاختيار الجمالي إلى قصيدة النثر. بيد أننا نلمس مسافة هائلة تفصل تحققاتك النصية عن التراكم السائد في هذا الخصوص والذي تغلب عليه الرداءة والسطحية والاستسهال. كيف تقيم باعتبارك قارئا في المقام الأول والأخير التراكم المتحقق في هذا الخصوص؟ وهل يمكننا القول إنك اجترحت لنفسك رؤيا متفردة لاشتغال قصيدة النثر؟

-تقييمي للتّراكم المتحقّق في نطاق ما يُنْعَت بقصيدة النّثر هو مماثل لتقييمك له، أي أنّ النّصوص الرّديئة ليست بالقليلة في هذا المضمار، والنّصوص الحيّدة والجميلة هي، أيضاً، موجودة. أنا أقرأ الصّنف الأخير، وأُبْعِد عن مجال اهتمامي ما يبدو لي رديئاً… أمّا أن أحاول أن أجترح لنفسي رؤيا متفرّدة لقصيدة النّثر، فالأكيد هو أنّني أحاول أن أكتب قصيدة شخصِيّة، ولا شكّ أنّ ممارستي تستند إلى رؤية ذاتية كامنة، ولا شكّ أنّها رؤية تتطوّر مع الزّمن… فيما يَخُصُّ استكشاف هذه الرّؤية وتحوّلاتها، من زاوية نظريّة، وإنْ يَكُنْ وارداً أنْ أدلي فيه بدلوي مستقبلا، فإنّي أٌفَضّل أن أترك أمر الاضطلاع به للنّقّادأعني النّقّاد المقتدرين، الذي هم بالطّبع موجودون، وإنْ يكونوا، بالمقارنة مع من يمارسون ‘نقداً’ يتّسم بـ’السّطحيّة والاستسهال’، أقلّيةً، فهم يُشكّلون ما يُمكن أن ننعتهُ بـ’الأقلّية الهائلة’، في مجالهم الخاصّ.

23:10 |  Facebook | |

02/11/2013

:::

 

                      صلاح بوسريف: نشيد الحرية

                              نجيب العوفي

images.jpgf.jpgل.jpg

وفد اسم صلاح بوسريف إلى مشهدنا الشِّعري الأدبي، أواسط الثمانينيات من القرن الفارط، والشِّعر المغربي آنَئذٍ يلتقط أنفاسَه الحارة بعد عُرام السبعينيات، حيث كان مُحاصَراً بين جمر ورصاصٍ، مسكوناً بالقصيدة والقضية في قَرَن واحد، ومنذوراً لرهاناتٍ صعبة، يتعلق بعضها بالحداثة الإبداعية، ويتعلق بعضها الآخر بالحداثة السياسية.
طلع اسم صلاح بوسريف بين ثنايا الثمانينيات، وئيداً واثقاً وواعداً. متجهاً بكليته وجوارحه صوب أفق الشِّعر، لاشيء سوى الشِّعر، يَمْحَضُه كلّ العشق وكل الوفاء. وكان إيقاع المرحلة الذي يشبه سكون العواصف، يدفع بالشعر المغربي الجديد إلى تأمل ذاته وهمومه، كما يدفع بالشُّعراء المغاربة إلى العكوف على ذواتهم وهمومهم. كان صلاح بوسريف في مقدمة الشعراء الذين اشترعوا هذه الشِّرْعَة، واتجهوا بالشعر صوب هذا الأفق الحر الجديد، وأبْلَوْا فيه البلاء الحسن، إبداعاً ونقداً وتنظيراً، وما يزال صلاح بوسريف مأخوذاً بـ القيمة الشعرية’ و ‘الوعد الشعري’ و ‘النص القلق’ حريصاً على ‘مواظبة الشعر’ و ‘توليد الأشياء’. إلى الآنَ، ما بدَّل تبديلا. بل يمضي دأباً وقُدُماً، في رهانات حداثته المتجددة، مخترقاً بثقة وأناة ‘فخاخ المعنى’ و مضايق الكتابة’، مُسْتَجيباً وعلى الدَّوام، وبكل أُبَّهَة وأناقةٍ، لـ نداء الشعر’. وللإشارة، فكل هذه لكلمات الموضوعة بين مزدوجتين، هي عناوين نصوص وكتب نقدية ونظرية خَطَّها يراع صلاح بوسريف، وهي تشي، في حد ذاتها، بعشقه الصوفي للشِّعر، ودفاعه المسُتميت عن قيمته، كما ترسم، بلا شك، خطوطاً عريضة عن شِرْعَتِه ونهجه.
كانت الثمانينيات التي دَرَجَ على تخومها بوسريف إذن، انعطافة نوعية جديدة في مسار الشِّعر المغربي المعاصر. انعطافة، شاءت أن تتحرر من قيود والتزامات المرحلة الآنفة، وتستعيد للشِّعر ذاتيته وحريته. من هنا اتَّسَعَت فُسحة الشِّعر، واتَّسَعت، تبعاً، فسحة الشُّعراء، وتكاثروا عدداً.
وهنا منبع الإشكال الذي يُحيلنا إلى قولة شوقي المأثورة ‘إذا كثر الشُّعراء قَلَّ الشِّعر’. ففي مقابل الغزارة اللافتة في العطاء الشِّعري والأسماء الشِّعرية، بدت ‘القيمة الشعريةشحيحة وباهتة في هذا العطاء، التي ألحَّ عليها صلاح، إلا في ما ندر، والأمر راجع بالأساس، إلى شحِّ وكسل الإحساس باللغة، والعناية باللغة، في النماذج الكاثرة من هذا العطاء. والشعر، كما هو معلوم، لغة مُقَطَّرَة من اللغة. وفي كل قصيدة عظيمة، قصيدة ثانية، هي اللغة، كما قال إيلوار.
ومنذ البدء كانت اللغة هي الشُّغْل الشَّاغِل لصلاح بوسريف، وهي الرِّهان الأساس في تجربته الإبداعية، سواء أكتب شعراً أم نثراً.
من هنا كانت نصوصه الشِّعرية والنثرية معاً، بلغتها الأنيقة، المسبوكة، بمثابة نسمة بَلِيلَة تَهُبُّ على حقلنا الشعري، وتعيد للكتابة الشعرية بعض روائها وبهائها، كانت ‘غرفة إنعاش’ لهذه الكتابة.
عندما طلع علينا بوسريف في الثمانينيات، كان فيه شيء من ‘الأدونيسية’، يسكن ذاكرته، ويُلابِس لغته. وأدونيس كان سيد المرحلة. لكن مع توالي الأيام وتناسُل الكلام، رسا بوسريف على أسلوبه الخاص الذي ارتضاه لنفسه، ونبع صوته من صميم لهاته وحنجرته. والأسلوب هو الرجل، كما قال بوفون.
يجمع بوسريف ويُؤاخي بين الكتابة الشِّعرية، والكتابة عن الشِّعر. يجمع بين الشِّعر والنثر. بين إبداع الشِّعر وفقه الشِّعر. لكنه سواء أشعر أم نثر، فهو شاعر، في جميع الأحوال، يُتْقِن فَنَّ تَطْريز الكلام. والشِّعر سيد الكلام.
في الشعر أصدر بوسريف الأعمال التالية:فاكهة الليل/على إثر سماء /شجر النوم/نتوءات زرقاء/حامل المرآة/شهوات العاشق/شرفة يتيمة [في جزئين: 'خبز العائلة' و'حجر الفلاسفة.'
وفي الكتابة عن الشِّعر، أصدر الأعمال التالية:رهانات الحداثة، أفق لأشكال مُحتمَلَة/المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر/بين الحداثة و التقليد/فخاخ المعنى/مضايق الشِّعر، مقدمات لما بعد القصيدة/الكتابي والشفاهي في الشعِّر المغربي المعاصر/نداء الشِّعر/ديوان الشِّعر المغربي المعاصر.
ثم أخيراً وليس آخراً، كتابه الجديد، موضوع هذا اللقاء ‘حداثة الكتابة في الشِّعر العربي المعاصر’.
وسنلاحظ بدءاً، بأن الكلمات المفاتيح في هذه العناوين هي: الحداثة ـ المغايرة والاختلاف ـ الشِّعر ـ التقليد ـ المعنى ـ الكتابة ـ الكتابي ـ الشفهيô وهي بالضبط الأسئلة والموضوعات التي أخذت بجماع اهتمام صلاح بوسريف، والتي سينشغل بها سوية ومجتمعةً، في هذا الكتاب الجديد والجريء، بإحاطة معرفية، وحصافة نقدية، حجاجية وبلاغية أدبية ناصعة، وهي السمات الرئيسية التي تتسم بها كتابة صلاح بوسريف.
ليس هذا الكتاب مجرد كتاب عادي ومألوف عن الحداثة، ينضاف إلى سجل الكتب المهتمة بالشأن الحداثي. بل هو سفر باذخ ومتميز عن الحداثة. وفي الإمكان القول، بلاشطط في القول، بأنه منذ مدة لم يصدر كتاب عن الحداثة في مثل هذه الأهمية والإحاطة والنباهة، والأناقة أيضاً.
منذ مُدَّة، رَانَ ما يشبه الصمت والرُّتُوب على مشهد المقاربة الحداثية للحداثة الشِّعرية العربية، وهذا الكتاب يُحَرِّك السواكن، ويزرع الكمائن، ويُعيد للحداثة ألقَها من جديد، ويضخّ دماءً حارَّةً في أوصالها. وليس من السهل الحديث عن هذا الكتاب والخوض في غماره واستيفاء كل تفاصيله وأفكاره، بل غايتي هنا تقديم بطاقة تعريف مُصَغَّرَة للكتاب، هي غيضٌ من فيضه.
هذا كتاب أطروحة، كما ورد في مقدمته. وذلك بدلالتين: بالدلالة الأكاديمية والجامعية من جهة، وبالدلالة العلمية والفكرية من جهة ثانية وأساسية، أعني بناء نظرية حول الكتابة الشِّعرية العربية، أو الحداثة الشِّعربية، والبرهنة النصية والفعلية عليها، والدفاع العلمي والأدبي عنها. وبوسريف، دائماً، مُجْتَرِح أسئلة وقضايا خلافية، وأطروحات فكرية، فيها جِدَّة وجِدِّيَة.
يتكوَّن برنامج الكتاب، ومَحْفلُه الدِّراسيّ من قسمين رئيسين وسبعة فصول، ثلاثة منها في القسم الأول، وأربعة منها في القسم الثاني، وهو مناط الكتاب ومجاله الحيوي. القسم الأول ‘ من القصيدة إلى الكتابة ‘، يتحدث فيه عن المرحلة الموسومة بمرحلة الشِّعر الحر، أو شِعر التفعيلة، متأمِّلاً ومُتسائِلاً ومُعيداً النظر في كثير من المُسلَّمات والمعطيات، ونابِشاً في مناطق وبياضات غير مُفَكَّرٍ فيها.
القسم الثاني ‘أساسيات الكتابة’، وفيه يُقارب المرحلة الثانية من الحداثة الشِّعرية العربية، أو مرحلة ما بعد الحداثة. يختار الباحث مصطلح الكتابة l’criture على بَيِّنَةٍ من أمره، وباستراتيجية واعية بمقاصده، لأن الكتابةَ هي رهان الباحث، وأفقه المُشْرَع على التجديد والمُغايَرَة، والمُغامَرَة. فهو، إذن، شِعريُّ المنزع، بَارْثِيُّ الهوى.
في هذا القسم يتوقف الباحث عن أساسيات وسمات الكتابة في هذه المرحلة، راصداً بعض تجليات هذه الكتابة من خلال أربعة نماذج تطبيقية، لكل من سليم بركات [لبنان] وقاسم حدَّاد [البحرين] وعبد المنعم رمضان [مصر] ومحمد بنيس .
والمُلاحَظ أن هذه الأسماء من جيل واحد متقارب، وتنتمي لأقطار عربية هي بؤر الحداثة الساخنة في الوطن العربي.
هو إذن كتاب نظري وتطبيقي، جديد وجريء، في طرحه ومُقاربته ومنهجيته، يتضافر ويتآزر فيه الحس الشِّعري مع الحس النقدي، مُدَعَّمَيْن بمرجعية معرفية رحيبة وخصيبة.
هكذا يطوف بنا الكتاب أفقياً وعمودياً، حول أسئلة الحداثة وموضوعاتها الساخنة، وأساسيات الكتابة وتجلِّياتِها، منطلقاً من بيانات الكتابة، ومتأنِّياً عند أسئلة وموضوعات بأعيانها، كالكتابة الصوفية وجبران نواة لكتابة، والوزن والإيقاع، والكتابة إيقاع مفتوح، والخيال وتواشج الأنواع، وشعرية الغموض، وتوزيع الكتابة، والكتابة وإنتاجية القراءة، إلخ.
كل ذلك مع حضور أنا الباحث، وبَصْمَته الدَّالَّة عليه. وميزة صلاح أنه بقدر ما يمتح من الشِّعرية الغربية ويهتدي بهديها، في مشروعه النقدي ـ النظري، يُرْهِف السَّمْع والوجدان في الآن ذاته، لأصوات السلف وجهودهم واجتهاداتهم، وفي جميع الحالات يحضر الحس النقدي، عنده، يقظاً مُتَأَهِّباً، لا يترك شاذّةً ولا فاذَّةً إلا أحصاها، و محَّصَها.
ونحن نقرأ الكتابَ ونلج موالجه، كما نقرأ صلاح دائماً، نُحِسّ بما أسماه بارث ‘متعة النص’، حتى وهو يتحرَّك في فضاء مفهومي. إنَّ صلاح الشَّاعر، ساكن في صلاح الباحث. وأظن أنَّ الإصغاء للكتاب، هو خير ما يقربنا من لغته وأدائه. فلنستمع لهذه الفقرة حول ‘التوالُج وتواشُج الأنواع′ في الفصل المخصص لـ ‘البيانات الشعرية وأوليات المُساءلة’، كمسك ختام ولحن كلام:
تلتقي البيانات، جميعها، حول مفهوم انفتاح الشكل في الكتابة. ويعني الانفتاح هنا، خروج الشِّعر من هيمنة القصيدة، أي من الشكل الواحد المُهَيْمِن. وهذا، طبعاً، لم يكن لِيَتِمَّ في نظر أصحاب البيانات، إلاَّ بتحقُّق أو بإنجاز ما سمَّيْناه بالتَّوالُج المفهوم الذي نقترحه للتعبير عن طبيعة اللقاء، أو العناق الذي تحققه الكتابة في أكثر من مستوى.
لعل أهم هذه المستويات، عِناق الشِّعر والنثر. أي حذف، وإزالة تلك المسافة الفاصلة بين ما كان خاصّاً بالشِّعر، من مفرداتٍ وتعابير وصور، وبين ما كان خاصّاً بالنثر. فما تَمَّ من توالُج في الممارسة النصية بين الشِّعر والنثر، جعل كليهما يستمد شعريته، وفرادة تعبيره، ليس من ذاته كمفردة أو تعبير أو صورة، بل من السياق الذي هو أحد مستويات تحَقُّق التَّوالُج، الذي فيه تذوب المسافة بينهما، ليصيرا، معاً، أرضاً واحدةً لهواء واحد’ ص.111
ذلك هو صلاح بوسريف، الباحث الشَّاعِر، يغوص في صميم حداثة الكتابة. لستُ في سياق تفصيل وإفاضة، بل أنا في سياق وإيماضة، في سياق تعريف وتقديم. ويبقى صلاح مشدوداً دائماً إلى نداء الشِّعر، صادحاً، دائماً، بنشيد الحداثة، سواء أكتب شعراً أم كتب عن الشِّعر. له التحية حداثيةً.

 

21:53 |  Facebook | |

08/10/2013

الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر

 

بيت الشعر في المغرب ينظم الدورة الأكاديمية السابعة في موضوع: "الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر"

affiche.jpg

ينظم بيت الشعر في المغرب فعاليات الدورة الأكاديمية السابعة في موضوع: "الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر"، بمدينة طنجة يومي 25– 26 أكتوبر 2013. وجاء في ديباجة الموضوع المقترح للمدارسة والنقاش:

" مثلَ الأوتوبْيوغرافيُ طريقةً أساسا في بناء الشاعر المعاصر لقصيدته. استثمرها كما في كبرى التجارب الإنسانية لتوجيه الشعرية العربية لقول جوانب من السيرة الذاتية؛ صحيح؛ ولكن بتخييلٍ يضعُ النصَ الشعري على سكة السرد الحاضر في كل الأزمنة والأمكنة. والغامر لكل اللغات والتعبيرات. من هنا جاءت نماذج من الشعر المغربي المعاصر في بناءات انفتحت على أشكال فنية وشعرية مختلفة وأفادت من الإمكانات والتقنيات التي توفرها بعض هذه الأشكال أيّما إفادة.. وإن ظلت الوظيفةُ الشعرية هي المهيمنة وسيدةُ القول والخطاب.

تسعى الدورة الأكاديمية السابعة لبيت الشعر بندوتها في موضوع "الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر" إلى استجلاء مفهوم وحضور "الأتوبيوغرافي" في قصيدة الشاعر المغربي من حيث فاعلية عناصره في بناء الخطاب وتوجيه هذا الأخير إلى قول الذات بطريقة ومسار مختلف. إن مفهوم الذات هنا يتجاوز الجانب الشخصي ـ في بناء القصيدة ليعني بناء لغة شعرية وخطاب فردي بطريقة مخصوصة إيقاعا وتركيبا، متخيلا ورؤى. إنه مفهوم يستثمر الأوتوبيوغرافي أي الجانب الشخصي من سيرة الشاعر ويُـنْطِقُه ضميرا متكلما، أو بضمير الغائب..حيث ينتهي المسار بالشاعر إلى:

1. الانفتاح على أشكال التعبير والقول وجعل المسألة الأجناسية هِبة خطاب متحرر من أجل القصيدة.

2. استثمار السيرة الشخصية وعلامات الاسم الشخصي كما بعض الأحداث ومظاهر اليومي، أو الأماكن والمشاهد، الأشخاص والأوضاع في بناء توليفة النص وإيحاءاته المتعددة لتكون أيقونة ذات وخطاب. تاريخا ولغة، رؤيةً وموقفا.

3.  اعتبار السرد كفاءةً لغوية وسيميائية يكون حضورُه في تضاعيف النص الشعري - القصيدة طريقةً في اكتشاف أمكنة وفواعل الصراع والتناقض، وأحكام الرؤية وحدود الانفعال ضمن نسق مخصوص بذات الشاعر. هو نسق اللغة الشعرية في إيقاعاتها الفردية والمتخيل الذي تُحاوله بالأساس عن طريق الاستعارة ولعبة المجاز والتصوير الفني.

4. إعادةِ بَنْـيَنَة العلاقة بالعالم وقولِ المشاهد الكبرى أو التفاصيل الجزئية من خلال قصيدة هي بمثابة مسرحٍ تُلتقط وتُجمعُفيها (وإليها) الإشارات والعناصر السِّيريَةُ، يُشكل الشاعر منها اللحظات ويختلقُ بها الحالات والعوالم. المُدركة والمفقودة. بالوعي والذاكرة، بالأحاسيس والإشراقات."

وهكذا ستركّز الندوة على المحاورالتالية:

مفهوم الأتوبيوغرافي واشتغالاته في القصيدة.

 أوضاع الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر (توصيف المتن ودراسة الوظائف).

حالات شعرية (دراسات تطبيقية لمجموعات وأعمال الشعراء).


*برنامج جلسات الدورة الأكاديمية السابعة لبيت الشعر في المغرب

"الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر"

 

الجمعة 52 أكتوبر 2013 (من الساعة 4 إلى 7 مساءا)

 

افتتاح الدورة الأكاديمية بكلمة رئيس بيت الشعر ذ. نجيب خداري

 

- الجلسة الأولى - الرابعة والربع (مفهوم الأتوبيوغرافي واشتغالاته في القصيدة) برئاسة عمر حلي

 

1. حسن المودن، الشعر والأوتوبيوغرافيا: أوتوبيوغرافيا شعرية، بأيّ معنى؟

 

2. عبد الرحيم الإدريسي، الحد الأوتوبيوغرافي والشعري وتساند النوع في الكتابة

 

3. خالد بلقاسم، الأوتوبيوغرافيا: الإمكان الشعري وحدوده

 

4. حسن مخافي، القصيدة المغربية: التجربة الشعرية والسيرة الذاتية

 

5. محمد المسعودي، اشتغال الأوتوبيوغرافي في شعر التسعينات

 

 

 

 

السبت 26 أكتوبر 2013

 

الجلسة الثانية - العاشرة صباحا : (أوضاع الأوتوبيوغرافي - توصيف المتن ودراسة الوظائف)

 

برئاسة عبد اللطيف شهبون

 

1. محمد بودويك، الأوتوبيوغرافي في الشعر– الشعر الأوتوبيوغرافي: شغف إيكاروس بالريح والتفاح.

 

2. عبد اللطيف الوراري، مفهوم الأتوبيوغرافي واشتغالاته في القصيدة.

 

3. نبيل منصر، بعض رهانات الأوتوبيوغرافي في القصيدة المغربية.

 

4. علي آيت أوشان، الأتوبيوغرافيا والذات المنتجة للخطاب - نماذج من الشعر المغربي المعاصر

 

5. يوسف ناوري، الأوتوبيوغرافي وبناء الخطاب الشعري عند حسن نجمي.

 

 

 

الجلسة الثالثة - الثالثة عصرا : (حالات شعرية) برئاسة مراد القادري.

 

1. أحمد هاشم الريسوني، "القصيدة وذاتها" قراءة في تجربة الشاعر المهدي أخريف

 

2. بوجمعة العوفي، في القصائد الكثير من دم الشعراء وسيرتهم الهاربة.

 

3. عبد الغني فوزي، جماليات المكان الأول في ديوان " عاريا..أحضنك أيها الطين " للشاعر محمد بوجبيري

 

4. خالد الريسوني، السرد الشعري ودلالته الأوتوبيوغرافية في أعمال محمد الأشعري.

 

5. محمد آيت حنا، سليلُ الهمج. عن أتوبيوغرافية محمد بنطلحة.

08:19 |  Facebook | |

19/09/2013

محمود درويش.. المغربي

 

شعراء مغاربة يستحضرون صداقاتهم وتأثراتهم بمحمود درويش في ذكرى رحيله الخامسة:

كنّا نحسبه مغربياً من ناحية البحر..

محمد نجيم

 darwish.jpg

خمس سنوات مرت على رحيل الشاعر الفلسطيني والكوني محمود درويش (13 مارس 1941 - 9 أغسطس 2008). هذا الشاعر الذي كان صديقاً للمغرب ولعدد كبير من النقاد والشعراء المغاربة، وغيابه ترك صمتاً مُهولاً في قلوب من صادقهم وأحبّوه وأحبهم وجالسهم وجالسوه، وترك في قلوبهم نبض القصيدة وشعاعها السحري. ومعروف عن الراحل محمود درويش أنه يُحب المغرب، وكانت تربطه علاقة سحرية بمسرح محمد الخامس في الرباط هذا المسرح الذي قال عنه ذات يوم: “إن هذا المسرح من أجمل الأمكنة التي أقرأ فيها شعري حتى ولو كانت خالية من السكان. وبالتالي، لا أستطيع أن أقول إن الناس في هذه القاعة هم جمهور، إنهم مؤلفون مشاركون في عملية تحويل العلاقة بين القصيدة والقارئ إلى طقس. ما يحدث معي دائماً في هذه القاعة هو نوع من الاحتفالية، أنا أحتفي بالجمهور، والجمهور يحتفي بي، وبالتالي، يساعدني الجمهور على أن أؤلف القصيدة تأليفاً مختلفاً من كتابتها. إذن عندما ألتقي بجمهور مسرح محمد الخامس، لا أشعر بأنني أقرأ نصاً شعرياً مكتوباً، بل أشعر بأنني، أنا والناس، نعيد إنتاج وكتابة هذا النص بشكل احتفالي أو مسرحي”.

في هذا الملف نستحضر روح صاحب “أثر الفراشة” و”لماذا تركت الحصان وحيداًو”مديح الظل العالي” و”كزهر اللوز وأبعد”، و”عاشق من فلسطين”، و”لاعب النرد”. ونجالس بعض أصدقاء محمود درويش في المغرب ليدلوا لنا بشهادات نادرة في حق هذا الفقيد و”العَلامة الفارقة” في الشعر العربي.

هو السبب

يقول الشاعر والناقد المغربي الدكتور عبدالسلام المساوي: لا يمكن لشاعر عربي من جيلنا أو من الجيل الذي سبقنا إلا أن يقر بالدور الكبير الذي لعبه شاعران في حياته، وهما: نزار قباني ومحمود درويش. فهذان المبدعان الكبيران حببا إلي الشعر وحفزاني على الإقبال عليه قراءة وكتابة.

ويضيف المساوي: ما أزال أذكر إلى الآن النشوة التي أحسست بها، وأنا اقرأ قصيدتي محمود درويش الشهيرتين: “أحمد الزعتر” و”سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا”.. قصيدتان تعطيانك من المعنى الإيديولوجي حتى تشبع، وتعطيانك من الإحساس بجماليات الإبداع ما لا تستطيع أن تستقصيه. أشهد أنني أحببت الشعر وكتبته بسبب من محمود درويش.. ولذلك حين فكرت في إنجاز أطروحة دكتوراه الدولة عن الموت في الشعر العربي المعاصر كان محمود أول الشعراء الذين انتدبتهم لتمثيل الشعراء في هذه الموضوعة، وفيما بعد خصصته بكتاب مستقل هو “جماليات الموت في شعر محمود درويش” الصادر عن دار الساقي ببيروت، سنة 2009.

كان لي حظ اللقاء محمود درويش مرتين؛ الأولى عندما نظمنا له في مكتب فاس لاتحاد كتاب المغرب أمسية شعرية حاشدة، فاضت فيها جنبات القاعة الكبرى لعمالة فاس بمحبي شعره.. كان ذلك عام 1995، ولكنني ظللت بعيداً عنه كفراشة تخشى الاحتراق إن هي اقتربت من المصباح.. واكتفيت منه بمصافحة عابرة. أما في المرة الثانية، فقد كان لقاءً حقيقياً مكنني من الانفراد به والحديث إليه لوقتٍ كافٍ.

كان ذلك بالقاهرة سنة 2003 عندما شاركنا معاً في إحياء الذكرى العشرين لرحيل الشاعر أمل دُنقُل؛ حيث قضينا أسبوعاً كاملاً في فندق واحد.. وأذكر أنني حدثته عن مشروعي في الكتابة عنه، وكنت بصدد وضع اللمسات الأخيرة عليه. وسألني عن الموضوع، ولما أخبرته به قال لي: أحب مقاربة الشعر من جانب الموضوع والدلالات، وأكره تحويل القصائد إلى معادلات رياضية ورسوم بيانية بلا روح، ولذلك سأكون سعيداً بقراءة عملك عن الموت عندما تنشره.

ولم يُكتب له أن يقرأه، فقد سبقت حقيقة الموت إلى جسده، وبقيت رمزية الموت يتيمةً في كتابي.. فليرحمه الله.

أما الناقد والمترجم المغربي الدكتور بنعيسى بوحمالة، فيقول في شهادته: كان تعرّفي إلى الشاعر الراحل محمود درويش، أوّلاً، من خلال ديوانيه المبكّرين أوراق الزيتون” و”عاشق من فلسطين”، وثانياً بفضل الكتاب النقدي المائز، إن لم أقل الاستثنائي، “محمود درويش شاعر الأرض المحتلة” للناقد المصري الراحل رجاء النقاش، وهو الكتاب الذي سيلعب دوراً فاعلاً في بلورة شهرة محمود درويش وذيوعه في العالم العربي، وبالتالي في انتباه المثقفين والقرّاء العرب إلى ثلّة من الشعراء الفلسطينيين الشبان، كسميح القاسم و توفيق زياد.. الذين التصقوا بأرضهم الأمّ وصمّموا على الدفاع عن هويتهم الوطنية وتأجيج آمال شعبهم من داخل فلسطين المغتصبة.

حقّاً سيحدث أن تضيع مني فرصة لقائه مباشرة إثر زيارته الأولى للمغرب، مطلع سبعينيات القرن المنصرم، وكان ساعتها قد خرج من وطنه في اتجاه موسكو ثم القاهرة، بيد أني سأعمل، مواظباً، على متابعة إصداراته الشعرية المتلاحقة، مثل: “آخر الليل، العصافير تموت في الجليل”، “حبيبتي تنهض من نومها”، “أحبّك أو لا أحبّك، محاولة رقم 7”، “تلك صورتها وهذا انتحار العاشق”، “أعراس”.. ريثما تتأتّى زيارته الموالية للمغرب، وتحديدا لمدينة مكناس التي احتضنت آنذاك فعاليات ندوة القصة العربية القصيرة التي نظّمها اتحاد كتاب المغرب، في بداية الثمانينيات، ليقدّم قراءة طقوسية مذهلة لقصيدته الملحمية “مديح الظل العالي” التي كان قد كتبها عقب خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.

بعدها ستتواتر لقاءاتي به، سواء ضمن الندوة التكريميّة التي أقامها له اتحاد كتاب المغرب، ضمن فقرات المهرجان الثقافي والفني الدولي للرباط عام 2000، وحضرها هو شخصياً، بحيث ساهمت بدراسة عن تجربته الشعرية منحتها عنوان “أيّة أرض.. لأيّة قصيدة” وسعيت عبرها إلى معالجة موضوع عودته إلى فلسطين بعد مرور سنوات على اتفاقية أوسلو، أو عند مجيئه، لمرة أخرى، إلى الرباط، عام 2003، ليقرأ شعره، رفقة شعراء عرب آخرين، منهم سعدي يوسف ومحمد عفيفي مطر ومحمد بنيس ونزيه أبو عفش وعبد اللطيف اللعبي والمنصف الوهايبي وغسان زقطان بمناسبة اختيار الرباط عاصمة للثقافة العربية.

إن قراءاته الشعرية شكّلت دوماً حدثاً ثقافياً وإعلامياً كبيراً، إذ كان مسرح محمد الخامس بالرباط يغصّ عن آخره بجمهور واسع يجمع بين النّخبة الثقافية والطلبة ورجال السياسة والنّقابيين والإعلاميين وممثلي السلك الدبلوماسي وعموم الناس... جمهور يجد نفسه أمام شاعر بقدر ما يقرأ شعره بمهارة وحرفيّة عاليتين لا يتنازل، في المقابل، عن المشترطات الجمالية والتخييلية والرؤيوية الصارمة لقصيدته. أفليس هو من قال، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكان قد تبرّم ساعتها من المجاملة المفرطة التي يتعاطى بها الرأي العام الثقافي والإيديولوجي، باسم نبل القضية الفلسطينية وأولويّتها، مع الشعر الفلسطيني “أنقذونا من هذا الحبّ القاسي”، بمعنى عاملونا كشعراء، أوّلاً، وكفلسطينيين، ثانياً. ولتقديره للمغرب، وثقته في مثقفيه وقرّائه، سينشر، على سبيل التمثيل، ديوانين من أهمّ دواوينه، ألا وهما “ورد أقلّ” و”أحد عشر كوكبا”، لدى دار توبقال المغربية التي يديرها الشاعر المغربي محمد بنيس.

أمّا قراءتنا نحن لشعره فتضعنا، للتّو، في صلب مشروع شعري لافت يمتلك صاحبه ما يكفي من الكاريزما الثقافية والذكاء والتمثّل المتأنق للوجود، زائد جرعة مستحقة من تراجيديا شعبه، الشيء الذي سيمنحه مكانة نادرة في الشعر العربي المعاصر. فعلى يديه ستدرك لا القصيدة العربية الراهنة ولا اللغة العربية، في حدّ ذاتها، درجة من العمق والجمال.. الشّفوف والمرونة.. الحيويّة والتعبيرية.. وذلك دفعة واحدة، ممّا لم يتحقّق مع أيّ شاعر عربي معاصر آخر، وهو ما تتكشّف عنه، بخاصة، أعماله الشعرية المتأخرة، مثل “مأساة النرجس وملهاة الفضة”، “أرى ما أريد”، “سرير الغريبة”، “جدارية”، “حالة حصار”، “لا تعتذر عمّا فعلت”.. من هنا، إذن، قوة انتشار شعره ليس في العالم العربي لوحده بل وفي بقاع أخرى كثيرة من العالم، بحيث سيترجم شعره إلى أكثر من ثلاثين لغة. وفي هذا الصدد، وباقتراح من صديقي الشاعر البلجيكي جيرمان دروغنبرودت، سنتعاون معا على ترجمة ديوانه “ورد أقلّ” وقصائد بعينها من ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيداً” إلى اللغة الهولاندية (صدرت في كتاب أنيق عن دار لينيك عام 2005) عاملاً، في هذا الإطار، على كتابة مقدّمة موسّعة أبنت فيها عن خواصّ شعريّة محمود درويش، لغة وموضوعات ومجازات ورؤيات، وكذا عن تمفصلاتها الأساسية وتحوّلاتها الفارقة.

وبالمناسبة، ولكونه منفتحا على الثقافة العربية ومتعاطفا مع رموزها، فلسوف لن يتلكّأ هذا الشاعر الصديق، ولو لبرهة، عن تفعيل نداء مهرجان برلين الأدبي الداعي إلى إقامة أنشطة شعرية وفنّية في مختلف أنحاء العالم احتفاء بشخص محمود درويش وشعره. فبمجرد ما وافيته بنص النداء، الذي كان قد أمدّني به الصديق الشاعر البحريني قاسم حداد، حتى سارع إلى مراسلة أصدقائه هنا وهناك.. من المكسيك إلى تايوان مرورا بليتوانيا.. مدعّماً، هكذا، تلك البادرة الرمزية المعبّرة التي استجاب لها ما يربو على أربعين بلداً يوم خامس أكتوبر 2008 فأثمرت قراءات شعرية وندوات وعروضاً موسيقية ومسرحية وكوريغرافية كانت بمثابة تراتيل استذكار، بل استرحام، كونية مهداة إلى روح عاشق فلسطين وسادنها الذي لا يتكرّر.

تعاقد ثقافي

أما الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري، فيقول: في المغرب، كان لقصيدة محمود درويش تاريخٌ به كانت تتجدّد علاقة القارئ المغربي بشعره، وهو ما أرسى تعاقداً ثقافيّاً وجماليّاً بينهما كانت تترجمه الأمسيات الجماهيرية الحاشدة التي أحياها الشاعر خلال السنوات الماضية في البلد، وحرّر كثيراً من قصائده الجديدة في هوائها. وأذكر أنّه، في أواخر التسعينيات، كم كان محمود درويش، حتى في لحظة مرضه وإعيائه، يطير من الصّفاء وهو يُنْشد قصيدته التراجيدية المطوّلة “جداريّةلأوّل مرة، وبالصفاء نفسه يواسيه جمهوره بمسرح محمد الخامس حتّى عُوفي.

وقد احتفظت لنا ذاكرة الشاعر النصّية، بأريحيّتها الخاصة، وجوهاً وطيوباً وأيقوناتٍ وروائح مغربيّة اِلتقطها غناؤُه في طريقه إلي تغريبتِنا، بما في ذلك “شبابٌ مغاربةٌ يلعبون الكرة”. وبالقدر نفسه، تحتفظ لنا الجامعة المغربيّة ببحوث وأطاريح قيّمة أنجزها باحثون مغاربة عن شعر درويش وتجربته المتوتّرة بين السياسي والشعري على مدار سنواتٍ، بمناهج نقديّة لا تأسر أغلبها شخصيّته القالبية. إلى ذلك، تحتفظ لنا شوارع عريضة في مدن مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وتطوان ووجدة وأغادير والجديدة بذكرياتٍ من مظاهرات عارمة وعامرة بالحبّ خرج فيها النّاس متضامنين مع قضيّة فلسطين التي اكْتشف معظمهم جراحاتِها من شعر الشاعر أكثر من أدبيّات السياسة والنّضال المباشر، ومن خلاله تماهتْ ذائقتهم مع القضيّة بوصفها قضيّتهم الإنسانيّة، بمنأى عن كلّ أيديولوجيا أو مناورة.

ويضيف الوراري: لا يختلف الدّارسون في أنّ ديوان “ورد أقل” يؤرّخ لواحدٍ من أهمّ التحوُّلات الّتي اجتازتّها شعريّة درويش، وذلك عندما شرع في فهمٍ عميقٍ لمعنى أن تُقيم غِنائيّته الجديدة علي حوافّ الأسطورة الّتي حرّرتها من ثقل الحادثة وضغطها السياسي والتّاريخي، ووضعت مأساة الوجود الفلسطيني في بؤرة الحياة الدّاخلية للشاعر. ذلك الدّيوان خرج إلي النّاس من المغرب أواسط الثمانينيّات، مازِجاً بين دَمٍ وحِبْرٍ أخوَيْن. ولكم كان طريفاً أنّك إذا سألت الناس في الشارع، بمن فيهم طلاب الثّانوية والجامعة، عن أهمّ شعراء المغرب، فإنّهم يذكرون لك اثنيْن، هما: محمد الحلوي الشاعر الذي سكن الكتاب المدرسي لعقود خلتْ، ومحمود درويش الذي يحسبون مسقط رأسه ناحية البحر، ومنه تعلّم الإيقاع، وأخذ الأسطورة.

اِرتبط تاريخ قراءتي للشّعر باكتشاف شعر محمود درويش نفسه، في أواخر الثمانينيات. كان التعرُّف إلى محمود درويش في بدايات كتابتي الشعرية ضروريّاً، لأنّ شاعراً مثله كان لا يتوانى عن أن يحفر في جماليّات اللغة العربية، ويصرّ علي الإيقاع العابر للأزمنة، وينذر قصيدته للذاتي بقدر ما للجمعيّ، ولا يفصل كتابته عن الأخلاقيات والتاريخ. كان لشعره على وجداني ووعيي أثرُ الصّعق. ولا أنسى أن تجربته الشعرية بظلالها وأبعادها كان كثيرٌ من أبناء جيلي وقع في أسرها، وقليلُ منهم استطاع أن ينفكّ عنها فيما بعد؛ وأمّا من وقع في أسر ترجمات الشّعر واستغرقه “النَثْريات” الباردة التي لا ماء فيها فقد كان ينظر إلى شعره من خارج. تعلّمْتُ من محمود درويش الدّربة علي البناء الذي يعبره الإيقاع، والقدرة علي الإصغاء إلى حركة المعني في اللّغة، وبذل الجهد الفنّي الذي لا يبخس الموهبة، والمعرفة بالشّعر كصفة لا كماهية، واقتناص الشّعرية المتناثرة في حياتنا اليوميّة، مثلما تعلّمت منه فضيلة القلق المثمر الّذي يحمي العميق والجوهري، ولا يستسلم للمجمع عليه وفرقعات الموضة. ولا أزال، إلى اليوم، أتعلّم منه وأصغي إليه.

الشريان واللسان

أما الشاعر والكاتب والناقد المغربي إبراهيم الحجري، فيقول: يشكل الشاعر محمود درويش وحده مدرسة شعرية لها أركانها ومسوغاتها وبنياتها الشعرية. شاعر أفرزته قضية فصار لها الدم والشريان واللسان الناطق. شاعر ليس من السهل تكرره، لذلك فقد شكل رحيله خسارة مزدوجة أولاً للقضية العربية الفلسطينية، وثانياً للشعرية العربية الحداثية؛ لأنه كان عصبها النابض بالحيوية والتجديد. لقد ظهر شعراء كثر بعده صنعتهم قضايا مختلفة، وكرسوا جهودهم لرسم مساراتهم الشخصية وحفر طرقهم السالكة، لكنهم بقوا مجرد نجوم تحلق حول قمر يستعصي على النسيان. ترك تراثاً شعرياً كبيراً، ما يزال في حاجة إلى الدراسة والبحث، بالرغم مما أنجز حوله من أعمال قيمة. ومع الرحيل المادي للشاعر كبر حضوره المعنوي من خلال السجال الذي يدور يومياً حول تركته الفذة. ومن خلال امتداد صوته في ظهور أجيال جديدة تستلهم تجربته ونصوصه وتتناص مع تراثه الشعري. وبالجملة محمود درويش شاعر أسطورة صنعته القضية الفلسطينية وصنعها، وسيظل رمزها الخالد. ورغم مرور الزمن وتجدد الأجيال، لن يدول اسم محمود درويش.

غموض الأمكنة

أما الشاعر المغربي محمود عبدالغني، فقول: كنا نعرف أن محمود درويش هو شاعر يجيء من كل الأمكنة، من كل البلدان. كنا نعرف أنه يقيم في عمّان. في ذلك البيت الذي نقلته وسائل الإعلام. لكن كنا نجده يجيء من اتجاهات كثيرة. من المسؤول عن هذا الإحساس الغامض؟ إنها قصيدته، طليعيته، حداثته، هذا المصطلح الذي ربما أكثر المصطلحات غياباً في مصطلحيته. وعندما يقف على منصات القراءة كنا نرى بوضوح أن “الإنسانية تنقسم إلى صنفين: الشعراء والآخرون” حسب تعبير المفكر البرتغالي أورتيغا إيغاسي. وهي مقولة تتصادى مع فكرة طرد أفلاطون للشعراء من المدينة.

لذلك عندما ينشد محمود درويش شعره في مدننا نشعر أنه رفيق لكل الشعراء، لفيكتور هيغو الذي يرى أن الشعر يضيء الإنسانية ويقودها في الليل. لمالارمي الذي كان يعطي معنى جديد للكلمة التي هي وحدها القادرة على كشف المعنى الأورفيوسي المحجوب. لكن حالة محمود درويش استثنايئة، لا يجاريها في هذا الاستثناء سوى حالة أوكثافيو باث، وبابلو نيرودا، وغابرييلا ميسترال، وإدغار ألن بو القائل بأن الأصالة الشعرية لا تتكون فقط من خلال القصائد.

لكننا كنا نحار كيف نجيب عن هذه الأسئلة: كيف كتب محمود درويش هذه القصيدة؟ كيف أتقن إلقاءها أمام الناس؟ لا نجد أفضل من جواب إدغار ألان بو:”لا بد لكل شيء، في قصيدة مثلما في رواية، في مقطوعة مثلما في قصة قصيرة، أن يسهم في الحل. فالكاتب الجيد هو الذي يكون، مسبقا، في ذهنه السطر الأخير عندما يكتب الأول”. مثل هذا المنهج العجيب نجده عند محمود درويش. فما أن يكتب، أو يلقي، السطر الأول، حتى نتبيّن السطر الأخير. فكنا نتابعه، قراءة وإنصاتاً، وهو ذاهب إلى ذلك السطر النهائي، السطر الحدّ. لنتابع مثلاً كيف كان أبو عمار (ياسر عرفات) ينصت إليه رفقة العديد من القيادات الفلسطينية، وهو يلقي شعره مستغرقاً في تلك الرحلة الممتعة والعجيبة بين السطر الأول والأخير. كان أبو عمار مستغرقا في الإنصات إلى الحل”، حسب مفهوم إدغار ألان بو. ولنتأمل كيف كان الفيلسوف جاك ديريدا ينصت إليه وهو يقرأ في باريس. وتلك كانت وضعية كل الجالسين أمامه وهو ينشد، أو الذين يقرؤون شعره في كتاب.

لكن السؤال هو كيف كان يختار محمود درويش قصائده التي يلقيها أمام الجمهور؟ هل هو معيار الاختيار نفسه في عمّان أو بيروت أو الرباط أو القاهرة أو دمشق أو باريس أو لندن أو تونس أو الجزائر؟ لا لم يكن يختار قصائد وفق معيار واحد. كان يطلع الناس على فلسطين والشعر بشكل دائم من خلال حالات نفسية وعقلية مختلفة. كان في الرباط يقرأ من قصائده المعروفة، ثم يعود إلى قصيدة من بداياته، ثم يقرأ قصيدة عن الموت، ثم أخرى عن وطنه، ثم أخرى عن الحب، ثم أخرى عن المعنى، وذلك أمر مسموح به دائما لعبقري مثله، شيء من الخداع لزعزعة المعاني والدلالات. وذلك كان يناسبه. فقصيدة فريدة من بين قصائد أقل فرادة، هي التي تجعل الإنسان يبصر اللانهائي الذي ينعم محمود فيه الآن.

الوجه الجسد

أما الشاعر المغربي بوجمعة العوفي، فقول في شهادته: أيقونة الشاعر أو مديح الوجه العالي ليست تجربة درويش الحياتية، ومساراته المضنية والفرحانة أيضاً ـ في ليل الكتابة ـ أمراً مستحيلاً أو مستعصياً على القبض. إذ تعمل العديد من الرؤى والمقاربات ـ في ارتباكات النقد العربي خصوصاً أو “قصوره” ـ على تشهيق ظل الرجل عمدا كي تسقط وجهه الطفولي في الاستحالة والعدم. ومن المؤكد أيضاً أن كل القراءات التي أنجزت حول درويش، هنا وهناك، لم ولن تستنفذ أبداً ممكنها التعبيري والجمالي في تجربة هذا الشاعر.

ولم تتبين بعد لممكن هذه القراءات بما يكفي من القرب والضوء والعمق الكثير من الملامح الخاصة لوجه درويش العالق والمتألق في الغياب كذلك. مازالت تجربته الكبرى في الكتابة والحياة في أمس الحاجة إلى أشكال وصيغ أخرى من الحفر والتقصي والمحاورة. ليس بمبضع النقد المهووس بالمعنى، والباحث أيضاً عن وجه الالتزام والقضية لدرويش فقط. بل بالممكن الإنساني والجمالي لو يصح القول؟ هذا الممكن الذي يتماهى أيضاً، جمالياً، بوجه الشاعر وصورته الماثلة للعين وللضوء. مطمح هذه التحويمة الخفيفة مهووس بالدلالة أكثر من هوسه بالمعنى. لكن ليس بصوت درويش المقروء والمسموع ومحموله، بل بالدليل أو السند البصري للوجه الذي جعل الصوت والقصيدة الدرويشية «تَنْوجد».

الغاية، هنا، هي أن أقترب قليلا من صورة الشاعر، وأحدق بالكثير من الأسئلة والدهشة والاحتمال كذلك، مادام درويش نفسه رجل الاحتمالات بامتياز، في وجه درويش الممنوح للبصر، للفن وللفوتوغرافيا تحديداً. هذا الوجه الذي أصبح (خصوصاً في الغياب) مثل صاحبه، في الصورة الضوئية أيقونة وعلامة فارقة تشير بالكثير من الدهشة إلى الشبيه.

ليست هذه المحاولة تطبيقاً صارماً لدرس السيميولوجيا في تقعيد الدلالة أو إثباتها في المنطوق البصري لوجه الشاعر، بقدر ما هي استقصاء لما يمكن أن يعنيه حضور الشاعر في الصورة، خصوصاً أن درويش رجل الصورة بامتياز: الذهني منها والمرئي. رجل بحضور فيزيقي خاص وجاذبية تزيد من تضعيف أشكال حضوره الأخرى: في النص، في القراءة وفي لحظة ارتطام جسد الشاعر ووجه بمتلقيه. الصورة هنا (صورة الشاعر) إبدال آخر لتجربته الغنية والمفعمة بالوسامة والفرح والشرود والتقاسيم التي عمق الألم أخاديدها في المرحلة الناضجة من العمر. إذ يؤسس الوجه الباذخ لدرويش في الصورة ــ كما جسده الذي يشبه قشة في مهب الريح ــ لجمالية خاصة تستحق التوقف والقراءة.

في هذه التحويمة ما يشبه نصاً موازياً أو مصاحباً لصورة درويش ووجهه، أو هويته البصرية تحديداً. ولو أن الوجه وحده ليس بالضرورة كافياً للتأشير إلى هوية ما. للجسد أيضاً (جسد الشاعر) دوره في صنع هويته. والهوية “إبداع صاحبها، لا وراثة ماض” على حد قول درويش نفسه في آخر المطاف. ووجه درويش في حد ذاته قصيدة بصرية. ضاجة بالمعاني والانزياحات. عمل الشاعر بالكثير من الذوق والوعي والعشق والمكابدة على نحت ملامحه وظلاله اليانعة، ليصبح دالا ومدلولاً، علامة ومؤشراً في نفس الوقت. رمزا لقضية ولشعب بأكمله. شامخ مثل سروة وجميل مثل زهرة غاردينيا.

ما الفرق إذن، أو ما العلاقة بالأحرى، بين صورة درويش وقصيدته؟ وما معنى أن يتحول وجه درويش إلى دليل بصري يقود إليه؟ كيف يحضر درويش ـ أو بالأحرى ـ كيف يرتب حضور وجهه وجسده في الصورة وفي العين؟ ماذا استطاعت عين الفوتوغرافي أو الكاميرا التقاطه والقبض عليه في وجه هذا الشاعر الذي يكفي أن ترى صورته لتتذكر قصائده وملحمة أو تراجيديا شعب بأكمله؟ ثم ألا يكون درويش ـ بهذا المعنى ـ هو الشاعر العربي الوحيد الذي تسمع قصائده بالعين؟ هذه أيضاً واحدة من فضائل الصورة أو معجزاتها. إذ استطاع هذا الشاعر أن يجعل صوته وصورته غير منفصلين بتاتا.

أي بمعنى أنك حتى حين تسمعه ـ ولو من غير مشاهدة ـ فلا مناص لك من استحضار وجهه وصورته ذات الدلالات أو الرسائل القوية: جاذبيته، وسامته، أناقته، ابتسامته، حزنه، نخوته، شروده، ذكاؤه، دلاله الخاص، نرجسيته، بساطته، تعاليه أو استعلاؤه الجميل الذي يشبه نشوة العظماء، سهوه، قسماته، أساريره، عينه الصقرية ونظرته المسهبة، الساهية، الثاقبة، المتشهية، العاشقة، المشرعة على الحب والأرض والمتعة والألم والنشيد خلف النظارات التي لم تغير تقليعات الحداثة والموضة من شكلها سوى بشكل طفيف.

كيف يحضر درويش في وجهه؟ وليس في صورته إن صح القول؟ هل هو الذي صنع بمكره الجميل وبوعي مسبق منه هذه الصورة كي نمجدها بعد رحيله، أم نحن الذين نتوهم أو نصر على أن يكون وجه درويش في الصورة أثرا فنيا وإنسانيا بهذه القيمة، وفقط داخل تبجيل العين والقصيدة التي شيدت لهذا الوجه ـ كما التراجيديا المعاصرة لأرض فلسطين العزيزة والسليبة ـ دلالته الباذخة ورسخت سطوته في النظر؟

هذه أيضاً كانت رؤية درويش المشبعة عينه وروحه بضوء الحضارات المشمسة والفارهة. وقبل أن يغادر أو يطلق نظرته الأخيرة” على الأصح. كان قد قال فيما يشبه التأكيد لصورته ولوجه “نرسيس” الجميل في الماء وفي القصيدة:

كن نرجسيا إذا لزم الأمر”.

وقال أيضاً: “أنا ما أنا/ وأنا آخري/ في ثنائية/ تناغم بين الكلام وبين الإشارة”.


ـ المصدر: الملحق الثقافي لجريدة "الاتحاد" الإماراتية، العدد 336، الخميس 19 شتنبر2013

http://www.alittihad.ae/details.php?id=87734&y=2013

09:44 |  Facebook | |

02/09/2013

:::

 

الشعر العربي المعاصر في المغرب: رهاناته ومنطقة تلاقي أشكاله

bilhaj.jpg

أحمد بلحاج آية وارهام 

1. شعر بصيغة الجمع:

الشعر المعاصر في المغرب أشعارٌ، تتسم بتعدد لغاتها وألوانها وأشكالها واتجاهاتها، وبتمثلاتها للكون. فهناك الشعر المكتوب بالعربية الناسجُ لقطاع من الحساسية الشعرية عريضٍ، وهنالك الشعر المكتوب بالفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية، والأمازيغية بشعبها الثلاث. ولم نكن في حاجة إلى ذكر هذه البَدهية لولا استشعارنا ما قد تُوحيه كلمة "العربي" من إيحاءات لا نقصد إليها في هذه الرؤية للشعر في المغرب. إذ كلما اشتعل الحديث عن الشعر ثار نحل الأسئلة من قفيره مُذكِّرا بأزهار أخرى برية عذراءَ، ما كان ذلك الحديث بالغافل عنها؛ ولكنه أعرض عنها لكونها لا تدخل في مِدْمَاك أطروحته. وقد سبق لهذا النحل البصير بحقول الشعر المعاصر، وجغرافيته السرية أن ساجَلَنَا بوعي شفاف وعميق حين عرضنا صُوى هذه الأطروحة في أحد الملتقيات الأدبية خارج المغرب. ونروم بعد هذا الحدث السجالي الجادِّ والمخصب أن يأتي نحلٌ جديد بأسئلة جديدة تُحرض على إفراز عسل جديد.

2. شعرٌ يكفُرُ به راهنه:

وإذن؛ فللمغرب شعرٌ عربي معاصرٌ، لا تستطيع القراءة الراصدة لجسد الإبداع الشعري في الجغرافيا العربية أن تمحوه أو تكابر فيه... شعرٌ له خصوصياته وتميزاتُه التي تنآى به عن التصادي مع الآخر الشرقي أو الغربي، وله أسماؤه التي تمتدُّ قاماتها الفارهة في فضاء الابتكار والإضافة باقتدار بصير، ودأَب مضيء. غير أن هذه النظرة لا ينبغي لها أن توقعنا في شرك الاطمئنان الساذج، والاغتباط الضرير، وجاذبية الرِّضا الزائف، ونحنُ نتحدث عن هذا الشعر. إنه بأشكاله المتعايشة/المُتنابذة، وتياراته المتجلية / المحتجبة، يدعونا إلى الإصغاء الجادِّ لنبضه السِّرِّي، وإلى الكشف عن منطقة استتاره، وآليات تلاقي أشكاله وتبايُنها، قصدَ الإمساك بميكانيزمات استمراره وإواليات انتعاشه وتجدُّدِهِ في راهنٍ يكفر به. عن كل هذا سندير الحديثَ مُقسِّمين إياه إلى فصلين تقدُمُهما فاتحة، وتعقبهما خاتمة. فالأول: يتطرق إلى رهاناته المتوترة بالوعد، وبمهجوس الآتي. والثاني:يتناول تعايش أشكاله، ومنطقةَ تلاقيها، ومنطقة اختلافها، ولغة شعرياتها، وأزمنتها الدالة. آملين من كل هذا أن نكون قد زرعنا شجرة طيبة يستظل بها مَنْ لم تَبْتُرْ صحراء العولمة وجداناتهم، فهي قد قطعت كلَّ شجر يُنعش العين والوجدان، ويثْري الذاكرة، ويُحيي التفرُّدَ، ويُرْخي ظلال الحب والجمال والحرية على الإنسان.

الفصل الأول: رهانـاتــه 

1ـ طريقان لإدراك العالم:

لا شيء أكثر فاعلية في الإنسانية من الشعر، فهو الذي يُطهرها من الابتذالات والتصنُّعات، وبلادة اللامبالاة، ويحيلها جسدا يتألق بإشراقة إلهية عظيمة، لم تخلقها الأنوار ولا الألوان، وإنما خلقتها اللغة المتجددة حياتُها، المشبعةُ بسر التكوين الذي ما انفك يُبدع أكوانه البعيدةَ شكلاً ورؤيةً وجمالاً. ومن هنا تتعقل كينونتنا خطوتها، وتنتصب أمامنا طريقان لإدراك العالم: الأولى: طريق الشعر المشيرة إلى التوحد المنسجم للكون رغم فوضاه الظاهرة، وتشظياته ومفارقاته المداهمة للبصر والبصيرة. الثانية: طريق العلم الباردةُ المفتوحةُ على دهاليز التحليل الارتيابية، ومتاهات التجزيئية المتورم منطقُها.

2ـ الشعر والجسدُ:

وإدراك العالم عن طريق الشعر يبتديءُ بإدراك الجسَدِ الذي منه تنبع الرؤية الفاحصة، والرؤيا الناسجة. لكننا؛ ومع التراكم الملفت في الشعر المغربي وتوهج انفلاتاته؛ نجد هذا الشعر محتشما في احتفائه بالجسد إلى حَدِّ الحُبْسَةِ بالقياس إلى تعاطيه مع التشكيل المهووس باحتمالات الجسد واكتمالاته، بمكبوتاته وأشواقه، بأزمنةِ رغباته وأمكنة كتابتهِ. فأسطورة الجسد وقودٌ للشعر المُعافى، لا يَتَأتَّى له الانفصالُ عنها ولا فصلُها عن مداره الأُنطُولوجي. فهو حين يخلقُ أساطيره الخاصة لا يَفْصِمُ الأساطيرَ العامة عن الكون، بل يرى إليها على أنها جزء منه حميم، إذا بُتر أو تُجُوهِلَ فَقَدَ الكونُ ملمحا من ملامح تسميته، ورعشةً من رعشات بهائه.فما يوجد في الكون يوجد كذلك في الإنسان؛ هذا الذي انطوى فيه العالم الأكبر، حسب إضاءة آسرةٍ لبعض سَلفنا الشعري الصالح.

إنّ الشعر ككون أسطوري يتخلَّقُ على الدوام مُناقضٌ في مساره المُتَلَظِّي لمسار النزوع الإيديولوجي والمُعتقدي. فهذا يُبدي نوعا متلونا من التشهير بالجسد الإنساني عبر فكرة الحُوب والإثم، والعيبِ والعارِ، والخيانة والخطيئة، ويهينه بأنه مسكنُ الشيطان، وأنه مُنطوٍ على براكين الشَّرِّ.وذاك يحتفل به على أنه قيمة من القيم الجمالية العُليا خُلقت بصورة إلهية، قد ينغمس في الضلالِ... ولكنه ليس خلقًا مَعيبًا من الأصل أو شكلا صُنِع بطريقة غير ناجحةٍ فاشتطَّ في "الفجور".

3 . الشعر والتقنيةُ :

فماذا نأملُ كذاتٍ مغربية من شعرنا الذي كاد الجسدُ يغيبُ عنه ؟

إننا في ظلِّ حياةٍ تسحب المعنى من الإنسان، وترى فيه أحد أخطاء التطور الذي لوث الوجودَ بدمِ انحرافاته الغاسقة. في ظِلِّ حياةٍ كهاته ماذا على شعرنا أن يفعل؟! وكيف يُعيد المعنى للإنسان؟! ويُحسِّسُهُ بطبيعته وجوهره؟ ويوقفه على مغزى الحياة وقيمتها؟ ويُشعل فيه نار التساؤل عن الوجود الإنساني وقضاياه الأساسية التي لا تزداد إلا تشابكا وتعقيدا وتناسُلا بفعل هيمنة التقنيةِ، وسحق الهُويات تحت حذاء العولمةِ، حتى لكأنهما سيفٌ مصلت على الذات والعقلِ والروح لا مناص من الانحناء لسطوته؟!

لقد جهدت فلسفة التقنية حتى فصلت بين الطبيعة والإنسان، وجعلتِ الإنسانَ عدوًّا لها وخارجا عنها. ثم انثنت إلى الشعر فعزلته عن الوجدان بدعوى غموضه وعدم اتفاق الفهم على معنى واحدٍ ووحيد له. ودعت إلى شعرٍ لا يقدم إلا ما هو معروف سلفا. وهنا ينمحي كل سؤال عن جدوى الشعر، ولا يبقى سوى مسألة تتعلق بفنية الإيصال، وهي مسألة تمَّحي بها ومعها الفروقاتُ الخاصة بما يميز الشعرَ عن غيره من الكتابات، وتُفصِحُ عن الرغبة في استخدام الشعر لغاياتٍ غير شعرية، وهو استخدامٌ يؤدي عمليا إلى القضاء على الشعر، لأنه يجعلُ منه كلاما شائعا ككلِّ كلامٍ لا ميزة لهُ غير الانتظام في نسق لفظي "شعري" 1.

إن الشعر تجلٍّ للفرادة والتميز، وتجسيدٌ لكشف معرفي لا يقدر أن يحققه أي شكل آخر من أشكال المعرفة. فهو يعانق الكون وتجربة الإنسان فيه، ولا يُسقط من المغامرة الإنسانية شيئا، عكس الفلسفات التي تدمن الفصل والتجزيء، وتكرسُ السير في نفق البُعدِ الواحدِ؛ الذي هو بُعدٌ ضد الشهوة المؤَسِّسَةِ للشعر.

4. سرداب المألوف... وغواياتُ اللامألوف:

المألوف سِرْدابٌ تتحلَّلُ فيه الذات بأنفاس وزَغِ الطاعة والشعر تحريض على الخروج من السرداب، والانقذاف في اللامألوف قصدَ ممارسة الغوايات الجميلة التي يأْسَنُ بها الوجود. وبهذا يكون الشعر ضوءا مُناقضا لكل الأضوية الاصطناعية، ولكل العوائد والمظاهر التحديثية الصمَّاء التي قتلت / تقتلُ فينا الإحساسَ بجوهر الحياة وحميميتها، فهو إذن ضد أن يصبح الإنسانُ عَتلة في آلة كبيرة. 

5 .أودية متأبية على فخِّ التحقيب:

نحن هنا، والآن، نسبَحُ في كثير من الأودية الشعرية التي سالتْ بِقَدَرِهَا، وحفرت مجراها بطريقة أو بأخرى. لا أسميها أجيالا، كما أني لا أنجذب ـ تحت سلطة إغراءاتها ـ إلى السقوط في فخ التحقيب. فهي أنهار شعرية تجري في المشهد الثقافي بإيقاعاتٍ متباينة، وزخم لا ينكر، أتواصل معها وأتقاطع. وفي كل الحالات أبقى وفيا لذلك الذي شق طريقه خارج تضاريس التَّدجين والاعتياد بمياه رفض ثقافي متعجِّبٍ مؤسِّسٍ.. متعجبٍ من عدم وجود شيء إنساني في عالمٍ يضج فيه الإنسان بـ"أنا"ه إلى حد الإبادة، وبكوجيطو التقنية الشرسة.. ومؤسس لقيم شعرية تتواصلُ معها وبها الحياة في إطار بانوراما الوعي بالاختلاف، كامتداد مضمَرٍ للذات، ومن أجل الذات. 2

6. صورةٌ إيكوغرافيةٌ للأعماق:

إن هذه الأنهار تُمارس في خفاء ما يمكن أن نُطلق عليه"تكنولوجيا العلاقات الشعرية" التي لا تراها العينُ المُدجَّجَةُ بمنظار القطيعة، ولا الذهنية المسكونة بفكرة التحقيب في مُطْلَقِيَّتِها التي تُصنف القول الشعري إلى: شعر خمسيني، شعر ستِّيني، شعر سبعيني، شعر ثمانيني، شعر تسعيني، صاعدةً بفكرتها المطلقة تلك في سُلَّمِ العقود، وكأن آخر درجة فيه هي الشعر وما عداها هراءٌ منبوذٌ، وتُقسِّمُ الحداثة إلى حداثاتٍ فسيفسائية في مرحلةٍ زمنيةٍ ضيقةٍ وصغيرةٍ حتى على الحداثة الأولى.

وهذا الاعتقادُ الراشحُ نرجسية وسذاجةً وتسرعًا لا يدري أنه حين يُلغي درجات السّلم التحقيبي غير التي يقف عليها أو يتعاطف معها يكون قد ألغى نفسه لا شعوريا، إذ كيف نصعدُ إذا ألغينا كلام البدايات؟! وكيف يتوهج دمُنا بحرارة الخلق المتفرِّدِ إذا نحن أطفأنا دمها؟!

لا يُخصب التحقيبُ إلا في بيئة يسودها تحولٌ فكريٌّ جذريٌّ مقترن قليلا أو كثيرا بتحول اجتماعي ـ ثقافي. فلا تحقيب حقيقيا في مجتمع وثفاقة لا تتسمان بالحيوية الخلاقة، والاختلاف الباني. 3

ففي شرطنا التاريخي، وسياقنا الثقافي يبقى كل تصنيف معطوبا ويكون الشعر وحده هو الصورة الإيكوغرافية لأعماقنا مبدعين ومتلقين. ولن يستطيع أحد أن يحقره أو يذله أبدا، لأنه لحظات آمنة تسكن قلوب الناس، ومنطقة النقاء التي يلتجئون إليها بعد أن تلوث العالم وتشوه الحلم فيه. كما لن يستطيع أن يُلْجمَ أو يُفَسِّخَ الشعراء الحقيقيين، لأنهم نذروا أرواحهم للجوهر الأسمى، و"لأنهم يفضلون فقدان رؤوسهم على أن ينحنوا أمام أولئك الذين يجدُّون في سَكِّ دماغ الإنسان كما تسك النقود، أو طبع الأفكار مثلما يطبع القماش". 4

7. رهاناته في سياقنا :

إذا كان الشعر بحثا عن الممكن، وسعيا لتحفيز الخيال على التطلع إلى المستقبل الثاوي خلف الحاضر، فإن تحقق هذا المسعى لن يتم إلا في مناخ مشروط بالحرية وأولوية السؤال إذ في ظل الحرية اللامشروطة يتولد السؤال الشعري؛ الذي لا يُشبع الظاهرُ نَهَمَهُ، ولا تُسكت الطمأنينة بؤرته التي تتفاعل فيها الأزمنةُ لتخلقَ زمنَ التحولات الأمثل. فهو كمبدإ جوهري لا يكف عن التأمل في عوالمَ تظل دائما في حاجةٍ إلى التجلية والتعرية، وفي حاجةٍ إلى الاكتمال والتجدُّد اللذين لا يتأتيان إلا بتعميق السؤال وتجذيره، وتحرِّي ما لا تتحراه العيون. ولذا أرى أن خصيصة الشعر المغربي العُليا هي قدرته على الكشف عن وعودِ المستقبل، وعلى خلخلة الذاكرة والوجدان وبثِّ لهب الشك المُعافى فيهما للخروج من بَرْدِ اليقين الغَرُورِ، والدخولِ في حوار مع الذات ومع الآخر.

وبهذا خلق معرفته، وربطَ وجوده المتجدِّدَ أشكالا وإيقاعًا بسياقه الحضاري، فكان معنى يَعْمُرُ به الكونُ الشعري وتتقوَّى به الحياةُ. فتنوع أشكاله، وتعدد إيقاعاته، وتعالقاتُ همومه، كلها تُواصل الحفاظ - وإن بدرجاتٍ متفاوتة - على النار المقدسة الموروثة عن الأسلاف بِطُرُق تتضح فيها الروح الخالصةُ والطابع الفريدُ. فالتقاليد الشعريةُ - في المشهد الشعري المغربي هي نقيض للتقليد والاجترار، ودخول في تخوم الإبداع الذي لا ينهض على الاتباع، وإنما على الاتصال والانفصال اللذين تُزهر في المسافة بينهما شجرة الإضافة وشجرة الحضور المتجدِّدِ. أما خارج هذا فلن تكون الخطوات سوى تكرارٍ جامدٍ، وتبعيةٍ مُقفرة للروح.

وإذن؛ فرهانُ الشعر في المغرب هو رهانُ التوتر بالوعد.

مفارقاته تجمع في علاقات خصبة ومتنامية ما بين المؤتلف والمختلف، المتداني والمتنائي، المتناغم واللامتناغم. وبهذه الإمكانية أصبح مسكنا خاصًّا ومتميزا؛ في البناء الشعري العربي؛ يضم الأجيال المتباينةَ، ويمنحها لذة التساكن. والتيارات المتولدة المتدافعةَ، ويعلمها فضيلة الإنصاتِ والتحاور والتفاعل، لاستشراف الحلم الذي تسعى إليه كلالأطراف الشعرية بمختلف وسائلها الثقافية ومنظوماتها المعرفية. فالجري وراء وعد المستقبل ومُستقبلِ الوعد هو الهاجس الناظم لتعدد الأصوات الشعرية المغربية، والمُفَجِّرُ لتنوع أدواتها. فمن قوس التنوع الشعري هذه يندفع سهم الحُلم نحو قارة الحلم، ويبدأ تحرير الروح والوجدان والذاكرةِ والحساسية. 5

في الصمت يولدُ.. وفي العتمة يضيءُ:

البوصلة هي حرية التجدد، وكل تغيير لها، أو تقييد أو تحريف لن يكون إلا إعلانا بموت الفكر والوجدان. فالشعر حرية ومغامرة... ولكن للأسف هناك قيود يصنعها المبدعون أنفسهم، وحروب يشنونها على مناطق من وطنهم الشعري لإعلاء نزعة انفصالية مصابة بوهم امتلاك الحقيقة الشعرية، أو لقتل أب لم يتشربوا ملامحه الشعرية، تحت ذريعة أنه نهر عجوز لم يعد جديرا بتأمل الأرض التي يجري فيها، ولا ممثلا لزمنها*.

لدينا هنا في المغرب شعر معاصر، وكل تغيير لها، أو تقييد أو تحريف لن يكون إلا إعلانا بموت الفكر والوجدان. إن الشعر الحقيقي يولد في الصمت والعتمة والتواضع لا في الضوء الباهر، وإعلان الحروب في غير مكانها، وتصدر الكرنفالات. والشاعر الفذ هو من يضيف إلى ما أنجزه الآخرون دون أن يفجره أو يلغيه.6

ولكن بعضه غريب عن دم العربية إن استعمل كلماتها، وغريب عن الذائقة التي لاتقرأ الكون في الألفاظ، ولا الألفاظ في الكون، بل ترى بينهما مسافة من الانزياح شاسعة لا يتحقق الشعر إلا بها، وكل طمس لها لخلق لحظة تطابق بين هذين الطرفين لا يعدو أن يكون قريبا إلى الأشياء اليومية المعتادة، وفي مستواها. لغته لغة حكائية، مباشرة خرساء، أو هي شبه ميتة، تستنسخ "حياة" هذه الأشياء، دون أن تعي أنها"تخلق" الموت في اللغة نفسها.7

وفنيا يبدو شعراء هذا الضرب من الشعر كأنهم يلصقون وجوه الكلمات على مرايا الأشياء، فتنحجب عنهم الرؤية في الوقت الذي يظنون فيه أنهم يرون كل شيء. وخداع الرؤية هذا يؤدي إلى حالة بدائية تكون فيها اللغة والإنسان والأشياء عبارة عن سطح واحد تتساوى فيما بينها، بحيث ينعدم الاختلاف بين هذه العناصر. وإذا ارتفع الاختلاف بين الأشياء واللغة والإنسان خالق اللغة اختنق البعد الشعري، ومات الإنسان في زنزانة التشييء الماسخة!

أليس عجيبا أن يكون هذا الشعر الذي يتباهى بامتطاء صهوة الاختلاف هو نفسه الذي تمحو ممارستُه الاختلاف؟ إن شهوة القراءة الخلاقة تدعونا إلى الفرار من هذا الشعر المطابق المتآلف مع الوجود العادي وأشيائه، ومع مفردات الكون، لأنه شعر يقتل المخيال والمخيلة، ويقص أجنحة اللغة، ويحول الكلمات إلى مخلوقات كسيحة تدب على الأرض. 8

9 . سؤال يرقص فوق بركان

سؤال الشعر في المغرب هو سؤال القبض على لحظات جميلة في الآتي، وهو سؤال يفرض ذاته في كل اتجاه خاصة مع اقتراب مطلع الألف الثالثة. ولذلك فإن الإلحاح على جدوى الشعر في هذا المنعطف الزمني ليس في العمق سوى سؤال عميق عن جدوى المستقبل؛ التي لا أحد يشك فيها. ومن ثمة كان على الشعر أن يبرر حضوره، وذلك باجتراح صيغ جديدة تحدد علاقته بالمستقبل، وتتجاوز الإجابات التبريرية والإيديولوجية المألوفة.

لم يعد الشاعر رسولا مبشرا، ولا بطلا منقذا، وإنما هو إنسان مسكون بالرفض البصير، يتحكم في دواخله مهجوس به، وتجري كلماته صوب محلوم به، يعرف أن الإجابة قيد، والسؤال تحرر منه، وأن توليد الأسئلة من الأسئلة هو سر التجديد وهو الطريق السالك إلى المستقبل، وهو ماء الحضور المستمر.

لا اطمئنان له في يقين بارد، ولا عافية له إلا في شك ملتهب، يمزج الإيقاع باللاإيقاع، واللغة باللالغة، والصوت باللاصوت، والحقيقة بالأسطورة، والذروة بالهاوية، والألوان بالإنفعالات، والممكن بالمستحيل، والأزمنة بالذاكرة، وهو في كل ذلك يدرك أنه فوق بركان يرقص، وأنه في زمن كل ما فيه لا يستجيب له إلا إذا قاربه بشمس السؤال؛ التي تنصهر فيها الإجابة وتتشظى إلى أسئلة أخرى عميقة ومغايرة، جديدة وبانية.9

10. جدلية الشعر المكون Poésie constituante والشعر المكون Poésie constituée

وإذا استعرنا من الفيلسوف العقلاني الفرنسي أندريه لالاند A. Lalande مفاهيمه الإجرائية التي استعملها في بناء نظريته عن العقل، وأدخلناها بمدلول آخر في حقل الشعر أمكننا أن نقول إن هناك "شعرا مُكوِّنا Poésies constituante" أو "شعرا فاعلا" على غرار "العقل المكوِّن Raison constituante" و"شعرا مكوَّناً Poésie constituée" أو "شعرا سائدا" على غرار "العقل المكوَّنRaison constituée"، تتم بينهما علاقة التأثير والتأثر باستمرار. 10.فالشعر المكوَّن أو السائد ليس شيئا آخر سوى تلك الشحنة من الخيال والرؤى والأساليب التي أنشأها وينشئها الشعر المكوِّن أو الفاعل باعتباره تراثا مستمرا في الحياة. وعليه فإن الشعر السائد؛ أي جملة الأشكال الوجدانية والخيالية وأساليب التعبير المهيمنة في فترة زمنية أو جيل من الأجيال؛ ما هو إلا وجه خفي متولد من الشعر المكوِّن أو الفاعل، أي ذلك التراث الإنساني الذي تتميز به الذاتُ الحضارية العربية، وسواء أكان تراثا بعيدا أم قريبا عربيا أم كونيا فهو يفترض ويستوجبُ شعرا مُكوَّنا سائدا في كل منعرج من منعرجات التطور.

والشعر المكوِّن الفاعل؛ من حيث هو فاعليةٌ تراثية ذهنيةٌ ووجدانيةٌ، وملكَة تأسيسية وتشريعيةٌ للنشاط الشعري؛ يبقى دائما متسما بالديمومة والمعياريةِ تحت ظلاله ينسج الشعرُ المكوَّن فضاءاته، ويُمارس دوره الكبيرَ في تناسل الحساسيات وتلاحمها وفي إفراز أجيالٍ يوحدها "مطلق الحقيقة الشعرية.

الشعر المكوِّنُ أو الفاعل هو الرحمُ التي يتكون فيها الشعر المكوَّنُ أو السائد، وبخاصة حين يتخذ من نفسه موقفا نقديا. فالشعرُ؛ خلافا للدَّعاوى الجيليَّةِ؛ ليس له "طابع ثابت ومطلق" وأيا ما تكون أوهام الشعراء في كل الحقب فإنَّ "شعر جيلٍ ما ليس هو قطُّ الشعر الأسمى". ووحدهم أولئك الذين لم يكتسبوا في مجرة الشعر الحسَّ اللازمَ يُمكنُ أن يتراءى لهم أن الشعر المُكوَّن أو السائدَ في جيلهم هو الشعر الأجدى والأحق بالمعانقة.

فعندما تتراكمُ في المشهد الشعري الأشكالُ، وتدعو مؤشرات الحاجة النقدية إلى "التحقيب" يكون الشعر قد دخل في مرحلة أزمة مفتوحةٍ.والواقع أن "الاستقرارَ في الأزمة أو استحداث الأزمات" -على حد تعبير غاستون باشلار - 11 هو بالضبط ما يجعل الشعر يُجدِّدُ مساره.وعندما يُراجع الشعرُ ذاته وأشكاله، وينتفضُ ضد سيرورته في حقْبَةٍ مَا فإنَّ أزمته تكون دليل حيوية ومؤشرَ انتقالٍ إلى تأسيس الذات في مشروعية جديدةٍ. إنها خطوةٌ في الصيرورة يُمكن أن نطلق عليها اسم "حركية الشعر" التي هي بطبيعة الحال "حركية الحياة". فقانون الشعر ـ إن أمكنَ أن يكون له قانونٌ ـ هو التقدم وتفعيلُ سؤال وعْدِ المستقبل، ورفعُ مشعل الحُلمِ.

فالتلاقح بين الأشكال الشعرية لِشعرنة الحياة الموغلة في ماديتها أمسى أمرا بديهيا ومُلِحًّا. فالشعر لم يعد جزرا كما كان سابقا في الجغرافية الشعرية العربية، وكل شكل من الأشكال الشعرية يعتبر نفسه جزيرة مطلقة لا بُدَّ أن يموت في عزلته، ففي عالم الشعر اليوْمَ لا محل للجزر والأرخبيلات، والمراكز والهوامش، وإنما المحل للإبداع في درجةِ الشعرية بأي شكل من الأشكال.

و إذا كانت القطائع الكبرى التي تحدث في العلم تغنيه وتُطوره، فإنها في الشعر تُفقره وتَطمس هوية سلالته. فكل حديثٍ عن القطيعة في الشعر مع شجرة نسبه هو قفز في هوة الوهم، و إعلاء للنرجسية التي يتراءى لها شبحُ العقم، وتؤرِّقها عافية واستمرارية سُلالةِ شكل شعري غير شكلها.

الفصل الثاني: منطقة تلاقي أشكاله

1 ـ تعايش أشكاله:

مما يستوقف الدارس في الشعر المغربي تعدُّدُ الأصوات،وتنوعُ الأشكال والإيقاعات، وتدافُعُ التيارات في مضمارٍ يسوده التعايش وقلما يُعكره التنابذ. فالشعراء يؤمنون بالحق في الاختلاف وبقيمةِ التعدُّدية على مستوى الأشكال، وأغلبهم مَارسَ شعريتَهُ في شكلٍ أو آخر، أو جلاَّها في مختلف الأشكال وزنية وغير وزنية.

فهم يختلفون على الوزن، ويتفقون على الإيقاع؛ الذي هو نغمٌ زعمت الفلاسفة أنه "فضلٌ بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة على الترجيع، لا على التقطيعِ، فلما ظهر عشقته النفسُ، وحَنَّتْ إليه الروحُ". 12 واتخذته عمودا فقريا للشعر؛ به تقوَّت الذائقة الشعريةُ، وتوهجت الذاكرة على مدى أزمنتها. فقد كان في بدايته الأولى يتجسد في النسق العمودي، ثم تطور إلى النسق التفعيلي، وليس ذلك نشازا في النغم، فقد رُوي عن الزمخشري أن "النظم على وزنٍ مخترَعٍ خارج على أوزان الخليل لا يقدحُ في كونه شعرًا، ولا يخرج عن كونه شعرًا"13. وأخيرا تحول إلى شعرية النسق اللاوزني.

هذه الأنساق الثلاثة عرفها الشعر العربي على التعاقب وضمنه الشعر المغربي. فما هي الصُّوى التي تُحدِّدُها؟ والتمفْصُلَاتُ التي ترتكز عليها؟ والوشومات الفارقة في جسدها؟

I. الشعرية العمودية:

تتحرك في مظهرانيتها وجوانيتها وفق شعريةِ البيت التي تتضمن آلية البناء التام؛ الذي ينخرط فيه المتلقي بكل آلياته النفسية والذهنية والذوقية والجماليةِ، بمجرد تلفظِ الشاعر بمقوله الشعري، حيث يتحفَّزُ إلى إتمام بناء البيت قبل النطق بنهايته، وبهذا يكون مُساهما في عملية الخَلق الشعري عن طريق الإتمام.

هي إذن شعريةٌ تتعامل تعاملاً خاصًّا مع اللغة وقوانينها، ومع أنظمة التواصل الشعري كما هي متفشية في الجسد الثقافي العربي منذ قرون.وهي قوانين وأنظمة تقيس الشعرية بدرجة التوقع التي تفترضُ أن التأثير يزداد كلما كان المتلقي متوقعا لما يظهر في بنيات النصِّ الأدائية والإبلاغيةِ والفنية والإبداعية بمعنى أن هذا المتلقي يرتاح لاستجابة الشاعر لأفق انتظاره والدخول معه فيه بطرائق أسلوبية لا تُعمق فيه الخيبة والدهشة.

إنها شعرية نسقيةٌ بامتياز، لا تتأتى فيها للشاعر فسحةُ الإبداع إلا إذا ركَّبَ الأبيات في بُنى نحويةٍ وبلاغيةٍ ودلاليةٍ وصوتيةٍ تُوحي للسامع بخواتمها قبل الإفضاء بهاته الخواتم، وبذلك يكون مستحِقا لأن يوصف بالفحولة، لأن آليات ذائقته تطابقت مع آليات ذائقة سامعه. وهو مؤشر بقدر ما يدل ظاهره على الإجادة يدل باطنه على نُكوص الإبداعِ وعلى الوقوعِ في وهدَةِ المألوف التي لا تُناقض قانون التوقع، بل تُزكيه وتتماهى معه. فالشعر الحق منطقته اللامألوفُ واللاتطابقُ، واللاتوقعُ، فهناك..وهناك وحده يتمُّ كسر أفق الانتظار بانزياحاتٍ أسلوبيةٍ تُعمق الدهشةَ والحيرةَ في المتلقي، وتُسكنه في أعالي وجودٍ غيرِ مبتذلٍ وغير مكرور. 14

II. الشعرية التفعيلية:

هي انكسارٌ في معمار الشعرية العمودية؛ ذات النسَق المتواتر على الذاكرة من سُلالة المنظومة الشعرية العريقةِ في ماضيها؛ وانسلاخٌ عن المألوفية التي يتواطؤ فيها الشاعر مع المتلقي على إتمام البيت في لحظة المواجهةِ.

إنها شعرية تستند على ما تُولده التفعيلةُ من تشكيلات إيقاعيةٍ ودلاليةٍ مُغايرة للمنظومة الإيقاعية العمودية. فمع التفعيلة أصبحنا نلج بناءا إيقاعيا مناقضا للبناء الإيقاعي العمودي الذي ألفت ذاكرتنا بكل آلياتها التخييلية والذوقية والنفسية والجمالية السُّكنى فيه.وبالتالي فنحنُ أمام شعرية مناقضةٍ ومخترقة؛ هاجسها البحثُ عن أفق اللامألوف والسباحةُ فيه بوعي يعلم مقدما أن المألوف الشعري مُنجزٌ قارٌّ لا يسمح بإمكانية التحول والتجدّد، ولا بتوالد تياراتٍ من داخله جديدةٍ.

III. الشعرية اللاوزنية:

وتحديدا نقصدُ ما اصطلح عليه بـ "قصيدة النثر"التي اشتعلت بسببها الحروبُ بين الشعراء من جهة، وبين النقاد من جهة ثانية، وما كان ينبغي لها أن تشتعل. فمعمار الشعر في جوهره الأعمق لا يعرف الثبات، فهو مشروط بإيقاع التطور الحضاري والثقافي والنفسي والذوقي للمجتمع، ودرجة انفراج زاوية الرؤية/الرؤيا لديه على التنوع والاختلاف. وما ظهور "قصيدة اللاوزن")= قصيدة النثر(إلا تأكيد لذلك، فهي نقلة نوعية دالةٌ على إمكانية تغيير معمار الشعر دون المسَاسِ بروحه تَمْتَحُ إيقاعاتها من خارج النسقين: العمودي والتفعيلي، وتؤسِّسُ كينونتها على شعرية الصورة كبديل مفارق، وبناء مترافد يعتمد المُخايلةَ بكل توهجِها وعُنفها وتعالقاتها المستَفِزَّةِ باستمرار.

2ـ شعرياته ولغاته:

1.2 لغةُ فضاء التخييل... ولغة فضاء الخيال:

إن هذه التحولات في الشعرية: من نسقية عمودية إيقاعية تتماهى مع أُفق انتظار القارىء، ونسقيةٍ تفعيلية إيقاعية تشكيلية مخالفة تنبني على التمفصل ومُغايرة المألوف، إلى نسقية انفتاحية لاوزنية تقومُ على إيقاع الصورة وطاقة الصدمة. ليست سوى خروج من فضاء الشعر كتخييل إلى فضاء الشعر كخيال، إذ كلما زادت كثافة الخيال في النص ترقرق ماء شعريته، وكلما قلت فيه هذه الكثافة أو انحرفت إلى التخييل جفَّ ماؤه ولو سكنته بحور الوزن.

فالوزن؛ باعتباره معيارا؛ سابق في الذهن للقصيدة، وموجه لها، ومتحكم في حركية إدراك مُبدعها وتوتره النفسي، يدفعه لا شعوريا إلى ملء فجواتها وسراديبها بالتخييل المُتصالح مع اللغة. بينما في القصيدة اللاوزنية )=النثرية(يكون الإبداع مغامرةً من الخيال، وانسراحًا فيه، بحرية لا سند لها إلا أجنحةُ لغتها الدافعة.

2.2لغة جاذبة... ولغة دافعة :

في الشعرية العمودية نكون إزاء لغةٍ ذات قوة جاذبةٍ أمَّا في الشعرية التفعيلية والشعرية اللاوزنية فإننا نكون أمام لغة ذات قوة دافعةٍ.15

3 ـ أزمنتها الدالة:

1.3- الشعرية العمودية:

مع الشعرية العمودية، بقوالبها ونسقيتها، نسبح في زمن واحدٍ لا يتغيرُ، رغمَ ما يطفو على السطح من ألوان تشِي بعكس ذلك. فهو زمن يتوالى ولا يتجدد، موشوم بالتكرار، والاستعادة والاستشهاد والرواية؛ الشعر فيه متماهٍ مع زمن إنشاده الأول. ولهذا فإن كل قصيدة عمودية لا تتم دورةُ إنتاجها إلا في طقس زمنها الشعري الأول الذي هو زمن البدايات.

2.3 ـ زمن الشعرية التفعيلية والشعرية اللاوزنية:

إن تبدل آليات الشعر وتطورها محكوم بتغير المرجعيات الثقافية، وتجدد الحساسيات الفكرية والجمالية، ودرجات التهيؤ النفسي والحضاري لتقبُّل الاختلاف.

فحين تبدَّلت قوالب الشعر من السيميترية العروضية الخليلية إلى التنوع الإيقاعي التفعيلي واللاتفعيلي أصبح للقصيدة زمنها الذي هو زمن إنشائها الفعلي، أصبح لتقبلها أزمنة تتعدد بتعدد طرق استقبالها، وإوالياتمُكاشفتها.

ومن هنا يتجلى لنا أن زمن الشعرية العمودية زمنٌ مُقفلٌ ومسورٌ بالتقاليد المعيارية، ومكهربةٌ خطوطه الدائرية بصرامة التشكيلات الوزنية. أما زمن الشعريتين: التفعيلية واللاوزنية فهو زمنٌ مفتوحٌ ومنفتحٌ لا على الماضي، وإنما على الآتي. وبذلك يكون زمنَ دهشةٍ وإدهاشٍ. والدهشة الشعريةُ لا يغتصبها زمنٌ وحيد، فقد كان لها زمنٌ يسبح وسط أمواج بحور دائرية مغلقةٍ، ولما استنفد قواه انسرب إلى مياه التفعيلة الدافئة المنفتحة تشكيلاتها على الحياة ليبدأ بنفس جديد مسارًا جديدا، ولكنه مع "القصيدة اللاوزنية" خرجَ من مياه الوزن الخارجية إلى مياه الإيقاع الداخلية التي لا تبحث عن التسمية، وإنما عن سرِّ التسمية.

4ـ شعرية مُحايثة... وشعرية مفارقة:

هما إذن شعريتان متغايرتان: شعرية مُحايثةٌ تستدعي مُتلقيها إلى عالمها الذاتي المُكْتَمِلِ وتُوهمه بالتطابق معها، وتُدخله إلى غرفها. وشعرية مفارقةٌ تترك متقبِّلها أمام الأبواب المفتوحة مصدوما بمعماريتها، وتراكب صورها التي تحتاج إلى إقامة جسورٍ بينها وبين العالم الخارجي قصْدَ القبض على اللحظات: الجمالية، والانتشائية، والإيقاعية، القائمةِ على خطِّ التماسِّ بين عالم القصيدةِ والعالم الخارج عنها.16

1.4 سمات الشعرية المحايثَة :

تبدو القصيدة المحايِثَةُ، بنسقيتها ومعماريتها، كما مسكنٌ مؤثث، كامل المرافق، مهيأ لإقامة الزائر فيه. وهو حين يستقرُّ داخله تتنامى آليات دهشته، وآلياتُ انتشائه فتتجسَّدُ في شحنة من الزفرات والصيحات تُعبر عن طاقته الانفعالية، وعن انخراطه المباشر في طقوس هذا المَسكن، واستعذاب غنائيته التي تتجدَّدُ بالإعادة والتكرار.

تلك هي شعرية المُحايثة في بعض سماتها. فما هي ملامح شعرية المفارقة؟ وكيف يتمُّ دخول الزائر إليها؟

2.4سماتُ الشعرية المُفارقة:

تظهرُ الشعرية المُفارقة، بشكليها التفعيلي واللاوزني، كمسكنٍ تامِّ البناء...ولكنه غير مؤثثٍ، وغير مُدَوْكَر )من الديكور(.والقارئ الذي يودُّ غشيانه مُطالب بأن يستكمل ـ بحسب ذوقه ومزاجه وثرائه المعرفي ـ ما تبقى من ضرورات الإقامة ومرافق الاستجمام ولن يبعث فيه هذا الغشيان آهاتٍ وتصْدياتٍ ومُكَاء استحسانٍ، وإنما مشاعر كثيفة ومتشابكة، وصدمة محفزة على مساءلةِ مخزونه الذهني والنفسي بحُرقةٍ واعيةٍ.

إن وجود هاتين الشعريتين المختلفتين آتٍ من تبدل النظرة إلى الشعر، ومن انبناء القصيدة على أسس جمالية وذوقية ونفسية متغايرةٍ، وعلى مفهوم للزمن منفتح. 17

5ـ منطقة تلاقيهما ومنطقة اختلافهما:

إذا انطلقنا من وجهة النظر اللسانية التي ترى أن الدلالة اللغوية هي نقطة الارتكاز في كل تواصلٍ، وأن الدلالات برمتها ما هي إلا مرجعياتٌ يرجع إليها المتواصلون لضبط سيرِ التواصل في منطقةٍ دلاليةٍ معينة ـ فإننا سنجد أن مناطق الدلالة تنحصر في ثلاثٍ؛ هي:

1.5 منطقة الدلالة المعجمية: وهي بمثابة رصيد ومخزونٍ لغوي، تتحدد فيه النواة الدلالية الأولى لكل كلمة تحديدا تجريديا صارما.

2.5 منطقة الدلالة السياقية:وفيها لا تتسيج الكلمة ذات الدلالة المعجمية إلا في ضوء ما قبلها وما بعدها ضمن البنية التركيبية؛ وعندئذ تنسحب من دائرة الاحتمال كل المعاني المُمكنة لتلك الكلمة، ولا يبقى إلا معنى واحدٌ ينجذب إليه السياقُ ويتمسك به.

3.5 منطقة الدلالة الحالية: ونعني بها ذلك الوضعَ الفعلي الذي يتم فيه تداول الكلام بشكلٍ عيني مُجسم لا بشكل احتمالي أو افتراضي. وهو ما عبر عنه البلاغيون القدماءُ بـ "مُقتضى دلالة الحال".

إن هذه المناطق الدلالية الثلاث هي التي تكتملُ بها حركة انبثاق المعنى، ومعنى المعنى. وبالاعتماد عليها يمكن أن نقول: إن الشعرية المُحايثة تتكيء وتستند على منطقتي: الدلالة المعجمية والدلالة السياقية. بينما تقوم الشعرية المُفارقة على منطقتي: الدلالة السياقية والدلالة الحالية. 18

ومن هنا يتضح لنا أن الشعريتين المذكورتين تلتقيان في منطقة الدلالة السياقية، وتتمركزان فيها.وتختلفان بعد ذلك، حيث تتجهُ الشعرية المفارقة صوبَ منطقة الدلالة الحالية، وتبقَى الشعرية المُحايثة مراوحةً بين منطقة الدلالة المعجمية ومنطقة الدلالة السياقية، هكذا :

الدلالة المعجمية(منطقة الانطلاق) ـــشعرية محايثة ــ الدلالة السياقية (منطقة التلاقي ) ــ شعرية مفارقة ـــ الدلالة الحالية (منطقة الاختلاف)

فما الذي ينجم عن هذا التلاقي على مستوى الاستقبال؟ وما هي آليات التقبل في كل شعرية من هاتين الشعريتين اللتين تستغرقان الشعر العربي المعاصر وضمنه الشعر المغربي؟

6 ـ الشعراء شاعران:

أ ـ شاعر يمتحنه المُتلقي: وهو الذي يصوغُ شعره على نسق عمودي يتناغم فيه مع الذات ومع المتلقي في لحظة الإنشاد.فهو في حلبةِ الإيقاع يستسلم للوزن الذي يأخذه إلى استبطان صورة من نفسه يقيس بها درجة التقبل من طرف السامع الذي هو حكمُ الشاعرية، فكلما انفعل مع الشاعر وتقبل إيقاعاته كانت نتيجة الحكم لصالح الباثِّ.

ب ـ شاعر يمتحن المُتلقي: وهو الذي يصوغ شعره على نسق غير عمودي؛ لا يتناغم فيه مع الذات، ولا يستبطن من نفسه صورةً تثير المتلقي، وإنما على استشراف ردود هذا المتلقي كي يُسقط على شعره الأداء الأوفق. فهو في لحظة الإلقاء يختبر مدى اهتداء المتلقي إلى شحنة الخيال التي قذفه بها.

إنهما آليتان من آليات التلقي، واحدةٌ تضع الشاعر في موضع الامتحان، حيث يقف أمام متلق حاضر هو بمثابة لجنة الامتحان. والثانية تقلب الوضع السابق، حيث تجعل الباثَّ ممتحنا للمتلقي.19

خاتمة لماء السنبلة: بالشعر تُبصر الحياة، وتحلم، وتتقدم صوب الضوء الراعش في البعيد الأبعد، فهو إرضاؤها الرمزي. هكذا نتصوره، ونتصور ماء سنبلته. وهكذا نراه في المغرب من خلال رهاناته المتوترة بوعود عُليا ممثلة في إدراك العالم عن طريق الجسد الذي تنبع منه الرؤية الفاحصة والرؤيا الناسجة. فأسطورة الجسد هي وقوده المُعافى، ومداره الأونطولوجي، لا يفصلها عن الأساطير العامة للكون، فما يوجد في الكون يوجد كذلك في الجسد الإنساني. وبهذا خرج من سرداب المألوف إلى غوايات اللامألوف، واجترح حيوات جديدة وجميلة لا يأسن بها الوجود، ومارس "تكنولوجيا العلاقات الشعرية" التي لا تراها العينُ المدجَّجة بمنظار القطيعة. فهو كمبدإجوهري لا يكف عن التأمل في عوالم تظل دائما في حاجة إلى التجلية والتعرية، وفي حاجة إلى الاكتمال والتجدد اللذين لا يتأتيان إلا بتعميق السؤال وتجذيره، وتحرِّي ما لا تتحراه العيونُ، والرقصِ فوق بركانٍ في زمن لا يستجيب له إلا بشمس السؤال الحارقة. وهو رقص تتلاقح فيه الأشكال الشعرية لشعرنة الحياة الموغلة في ماديتها، وتتعايش وتتفاعل. تتحرك أشكاله الثلاثة: العمودية والتفعيلية واللاوزنية )=قصيدة النثر( وفق جدلية الشعر المُكَوِّن والشعر المكَوَّن بلغات متمايزة: لغة فضاء التخييل، ولغة فضاء الخيال، ولغة الجذب، ولغة الدفع، مما يولد أزمنة دالة خاصة بكل شكل، ويؤشر على منطقة الانطلاق ومنطقة التلاقي، ومنطقة الاختلاف،وعلى إمكانية إرجاع هذه الأشكال الشعرية الثلاثة إلى شعريتين متغايرتين؛ هما:ــ 

أ ـشعرية محايثة: تبدو كما مسكنٌ مؤثث، كامل المرافق لإقامة الزائر فيه.

ب ـ شعرية مفارقة: تظهر كمسكن تامِّ البناء، ولكنه غير مؤثث، وغير مُدوكر) من الديوكور(، وعلى القارىء الذي يود غِشيانه أن يستكمل ما تبقى من ضرورات الإقامة ومرافق الاستجمام.

ويتجلى من هذا أن هاتين الشعريتين تلتقيان في منطقة الدلالة السياقية، وتختلفان بعد ذلك، كما تُجسد ذلك الخطاطة التالية:

الشعرية المحايثة = الدلالة المعجمية + الدلالة السياقية.

الشعرية المفارقة = الدلالة المعجمية + الدلالة السياقية + الدلالة الحالية.

فنقطة تلاقيهما هي الدلالة السياقية، ومن ثمة كانت حركية انبثاق المعنى، ومعنى المعنى متفاوتة بينهما، وكان الشعراء فيهما على ضربين: شاعر يمتحنه المتلقي، وشاعر يمتحن المتلقي. فالأول يضع نفسه في موضع الامتحان، والثاني يقلب الوضع السابق حيث يجعل الذات مُمتحنا للمتلقي، وهي درجة ترفع الشعر إلى مصافِّ المعرفة العليا للوجود.

هي إذن نغْبة طائر في يم الشعر العربي المعاصر في المغرب، تتغيا تحفيز المتلقي على الشعر باعتباره ضرورة أونطولوجية لا تستعيد الذاتُ وجودها إلا بها.

وفي الأخير؛ لا يمنعنا كل ما سلف من الإشارة إلى أن في راهن المشهد الشعري المغربي ـ كما في أخيه المشرقي ـ فئة من الشعراء أقل ما يقال عنهم:إن الشيطان رشهم بماء الشعر... ولكنه نسيَ أن يطعمهم الوزن والقافيةَ، وفاكهة الإيقاع السليم، ووهجَ اللغة. ولذلك جاءت نصوصهم ذابلة لا يمتحنها القاريء، ولا تمتحنُه، ولا تنبت في الوجدان، ولا تضيء الذاكرة.

وهذا من أسباب كُفر هذا الراهن بالشعر.

هوامش:

1.أدونيس:التقنية والشعر، جريدة {الحياة}، العدد: 12494،15 ماي1997، لندن، ص: 20.

2.محمد بنيس: شطحات لمنتصف النهار، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1996، ص ص: 150، 151.

3.أدونيس:الشعر العربي الحديث وفكرة {التحقيب}،جريدة{الحياة}،العدد:12648،16 أكتوبر 1997م، لندن، ص: 20.

4.بَاوِيرْ سِيفَاك {1924ـ 1971م}: ليحل النور... وقصائد أخرى، ترجمة: مهران ميناسيانْ، ط1، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية/سوريا 1995م، ص:18.

5.د.جابر عصفور: الشعر ووعد المستقبل، مجلة {فصول}، المجلد 16، العدد:1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، صيف 1997م، ص ص: 6، 7.

6.شوقي بزيغ: التأسيس على قرع الطبول، مجلة {النور}، العدد: 78، نونبر 1997م، لندن، ص: 76.

* لقد سلمت الساحة الشعرية في المغرب من الحروب الشرسة التي كان يشتعل أُوارها في المشرق تحت ذرائع إيديولوجية لا صلة لها بالشعر ولا بالعلم. ففي خضم الأربعينيات من هذا القرن العشرين فجر العقاد أفضليةَ الشعر على القصة والرواية حين قال: إن البيت التاليَ يفوق سُموًّا وتصويرا وتعبيرا عشرات القصص والروايات:

وَتَلَفَّتَت عَيْنِي، فَمُذْ خَفِيَتْعَنِّي اُلطُّلُولُ تَلَفَّتَ اُلْقَلْبُ

فرد عليه نجيب محفوظ بأن" القصة هي شعر الدنيا الحديثة؛ ومن ذلك التاريخ امتدت حمَّى السجالات حول زمن الشعر وزمن الرواية، وأي منهما سرق المشعل من الآخر. إنها مباراة تجري في مضمار الوهم، وتصَعِّدُ نرجسية الأجناس إلى ذروة الاقتتال المقيت؛ الذي لا يجني منه الإبداع الحق سوى مرارات وجراحات وخيبات تُباعد بين مسافة الحلم والوعد، وتبذُرُ بُذور المستقبل في رحم الرماد. وهكذا تُشَنُّ الغارات بضراوة على كل شكل إبداعي أعلن عن ولادته، فقد اتُّهمَ أصحابُ الشكل الشعري التفعيلي بتخريب العربية، والعمالةِ للصهيونية، والسعي لنسف القومية العربية لصالح الشيوعية. وكانت ردودُ المتهمين أقسى وأوجعَ، وكان تيارهم يمتد، ويكتسب الأنصار والمعانقين. ولما تجذر وترسَّخَ، صار بعضٌ من ممثليه يحارب الشكل الجديدَ المتمثلَ في قصيدة اللاوزن {= قصيدة النثر}، وينعتها بالقصيدة الأمبريالية التي تريد فرض هيمنتها على الذوق والعصر، وإرغامَ الشعراء على إنتاج "ماركة مسجلة" على نمط ما تنتجه معاملُها"الشعرية"، وإلا أسقطت عنه التسمية!... من كل هذا سلمت مملكة الشعر عندنا في المغرب، فتعايشت فيها الأشكال، وتحاورت، وتفاعلت دون أن تزِلَّ بها القدم في فتنة الإلغاء والإقصاءِ، ودون أن تشوش قناعتها بقيمة الاختلاف طلقاتٌ يُطلقها بعض الشعراء حين يقومون بـ "غارة شعرية" لإثبات الذات على حساب الحقيقة والموضوعية.

7. أدونيس:الشعر العربي وفكرة (التحقيب)، مذكور، ص: 20.

8. المرجع السابق، بالمعطيات ذاتها.

9.د. جابر عصفور: مرجع مذكور، ص ص: 8، 9.

10. A .Lalande : la raison et les normes, 2eed,Hachette, Paris 1963,P : 229.

11. قولة غاستون باشلار هاته أوردها جورج غُوسْدُوفْ في كتابه: الأسطورة والميتافيزيقا.

Mythe et Métaphysique, ED, Flammarion, Paris 1984, P : 329.

12. أحمد بن عبد ربه: العقد الفريد، تحقيق: أحمد أمين ومن معه، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1956م، 3/177.

13. نقلا عن: )القصيدة الحرة:مُعضلاتها الفنية، وشرعيتها التراثية( لمُحيي الدين اللاذقاني، في مجلة "فصول"، العدد: 1، المجلد 16، ص: 44.

14. عبد السلام المسدي: شعرنا العربي المعاصر والزمن المضاد، مجلة "فصول"، العدد: 1، المجلد 16، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، صيف 1997م، ص ص : 18،19.

15. المسدي:المرجع السابق، ص: 19.

16. نفسه، ص: 21.

17. نفسه، بالمعطيات ذاتها.

18. نفسه، ص: 22.

19. نفسه، ص ص: 22، 23.

 

المصادر والمراجع

* بالعربية:

1. أدونيس: التقنية والشعر، جريدة {الحياة}، العدد: 12494، 15 ماي 1997، لندن.

2. محمد بنيس: شطحات لمنتصف النهار، ط 1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1996.

3. أدونيس: الشعر العربي الحديث وفكرة {التحقيب}، جريدة {الحياة}، العدد: 12648، 16 أكتوبر 1997م، لندن.

4. بَاوِيرْ سِيفَاك {1924ـ 1971م}:ليحل النور... وقصائد أخرى، ترجمة: مهران ميناسيانْ، ط1، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية/سوريا 1995م.

5. د. جابر عصفور: الشعر ووعد المستقبل، مجلة {فصول}، المجلد 16، العدد: 1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، صيف 1997م.

6. شوقي بزيغ: التأسيس على قرع الطبول، مجلة )النور(، العدد: 78، نونبر 1997م، لندن.

7. أحمد بن عبد ربه: العقد الفريد، تحقيق أحمد أمين ومن معه، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1956م.

8. مُحيي الدين اللاذقاني: القصيدة الحرة: مُعضلاتها الفنية وشرعيتها التراثية، مجلة )فصول(، المجلد: 16 العدد 1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة صيف1997م.

9. عبد السلام المسدي: شعرنا العربي المعاصر والزمن المضاد، مجلة (فصول(، المجلد: 16، العدد 1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، صيف 1997م

 

* En français :

1 - A. Lalande : la raison et les normes, 2eed, Hachette, Paris 1963, P : 229.

2 – Gusdorf. Georges : Mythe et Métaphysique, Ed, Flammarion, Paris 1984, P : 329.

 

11:30 |  Facebook | |

:::

 

    "بين ماءين": مائية الشّعر وفيض الكتابة

idrissi.jpg

    حورية الخمليشي

صدر للشاعر مزوار الإدريسي ديوان جديد بعنوان بين ماءين عن منشورات اتحاد كتاب المغرب لعام 2013م. وكانت لوحة الغلاف للفنان المغربي خليل غريب. وفي ديوان بين ماءين نوع من انسياب الماء والكتابة في تفاعل الذات مع إيقاع الماء وتموُّجاته.حيث استطاع الشاعر أن يؤجّج نار العشق الذي كان متوقّداً تحت الرماد ليفيض ماء الكتابة، فبدا ماء القصيدة غزيراً ومتدفّقاً يسير في جغرافيات وأمكنة متعددة في انصهار تام مع الوجود والكون. ومزوار الإدريسي ناقد وباحث ومترجم ومؤسس لجمعية أصدقاء لوركا بتطوان، ورئيس جمعية "ملتقى الشعر الإيبيرومغربي". عمل الشاعر على التعريف بالقصيدة المغربية في الضفة الأخرى. فترجم دواوين شعرية مغربية إلى اللغة الإسبانية. كما عمل على ترجمة العديد من القصائد والأعمال الشعرية لكبار الشعراء الأسبان كفيثنتي ألكسندري، وأندريس سانشيث روباينا، ولويس غارثيا مونتيرو، وسالفادور لوبيث بيثرّا، وغوستافو ادولفو بكر، وجوردي فيرايونغا وغيرهم.

وتتميّز القصيدة عند الشاعر بشعرية الانفتاح التي تحمل فيه القصيدة المغربية وخاصة في شمال المغرب نفحة من جمالية الشعر الإيبيري الذي يحمل في طياته الكثير من الوهج العربي ممزوجاً بماء بحر لوركا. وشعر مزوار الإدريسي يحمل تاريخ مدينته التي احتفت بشعراء الضفّة الأخرى ويُحيلنا الاصطحاب بين العنوان وعتبة الإهداء إلى جغرافية النص وسلالاته الشعرية. وتشمل الإهداءات أسماء شعراء مغاربة وهم عبد اللطيف شهبون والمهدي أخريف ومنير بولعيش والشاعر الإسباني بيثنطي ألكسندري. وورود اسم بيثنطي ألكسندري كجزء من إسبانيا الشعرية ورمز لقبول الآخر واستضافة الغريب والمحافظة على آداب وطقوس الضيافة. لا أدري مدى تأثر الشاعر بشعر بيثنطي ألكسندري. لكن الأرجح أنه ينتمي إلى شجرة أنسابه الشعرية وهذه الإهداءات هي نوع من الاحتفاء بالشعر المغربي والشعر الإسباني لكون هذا الأخير يحمل الكثير من الملامح الجمالية للشعر العربي، كما أن الشعر العربي يحمل في طياته العديد من سمات الحداثة ووهج الشعر الإسباني. وقد فتحت الترجمة للشاعر نافذة واسعة لقراءة الشعر الإسباني وفهم الآخر واستيعابه ما يُكسب أشعاره أفقاً جديداً فحظيت القصيدة عنده بمرتعها الخاص.

وهنا يمكن أن نتحدث عن أثر الترجمة في انفتاح القصيدة المغربية المعاصرة. وما صاحب تاريخ هذه القصيدة من تغيرات في أبنية القصيدة ومعانيها. نعلم أن أهمّ بوادر التحديث الشعري في القصيدة المغربية ظهرت في مجلة المعتمد التي أسّستها الشاعرة الإسبانية ترينا مكادير. فكان لهذه المجلة أثر كبير في ازدهار الحركة الثقافية والانفتاح على الشعر الإسباني في فترة الثلاثينات والأربعينات، كما كانت نافذة لمختلف التيارات الشعرية الحديثة في العالم، معنى هذا أن الشعر المغربي الحديث وُجِد له حضور كبير بشمال المغرب خصوصاً وأن معظم الشعراء يتقنون اللغة الإسبانية. ما مكّنهم من الاطلاع على روائع الشعر الإسباني وما يحمله من تيارات الحداثة. وقد كانت هذه الفترة أهم مرحلة في تاريخ الشعر المغربي حيث تمكّن الشعراء المغاربة من الاطلاع على تجارب رائدة في الشعر الإسباني مترجمة إلى العربية كسالفادور دالي ولوركا وبيثنطي ألكسندري الحائز على جائزة نوبل... ومساهمة شعراء إسبان في مجلة المعتمد عملت على تحديث الشعر المغربي. فكانت النصوص تنشر في المجلة مع ترجماتها. وكان التأثير  العربي حاضراً في أشعار هؤلاء، فقد عمد لوركا في شعره إلى توظيف العديد من الكلمات العربية.

لقد أصبح للترجمات الشعرية دور بارز في صنع الحداثة الشعرية العربية في العالم. فلا نستحضر شاعراً من الشعراء الكبار إلا ونستحضر معه اسماً من أسماء شعراء عالميين من أمثال لوركا ونيرودا ووايتمان ورومبو وريلكه وملارمي وإيليوت وبيرس وبوند ونوفاليس وشيلر وبودلير وغيرهم في كل لغات العالم. فقد اقترن مثلاً اسم السياب بسيتويل ويوسف الخال ببوند وأدونيس ببيرس والمهدي أخريف ببيسوا... ما يعني أن الترجمة أصبحت سمة الحداثة والتحديث الشعري. فهي التي تنقل تجارب الحداثة الشعرية في العالم.

وفي ديوان بين ماءين طُهر وصفاء منبثق من صفاء اللحظة الشعرية المتدفّقة في تعانق بين الماء والحياة. فالنصوص الشعرية عبارة عن لوحات تشكيلية مائية، إذ كما يعسر القبض على الماء يعسر على المتلقي القبض على دلالاته، فشعراء الماء حسب لوركا هم الذين تأمّلوا ما أهملته الأنهار الواسعة.

ومزوار الإدريسي عاشقٌ للماء خارج أسوار الزمان والمكان، هذا السائل السحري الذي لا حياة بدونه، ولا تستقيم الحياة إلا به. لم يوضح الشاعر مصدر الماء ولا منبعه، ولكنه كما يبدو ماء سحري يتدفّق باستمرار للإبحار في مجهول القصيدة. إنها شعرية جديدة، شعرية معاناة ذات الشاعر من عنفوان الكتابة وقساوتها فهي تسأل وتُقلق وتُهادن لتصبح وليدة شعرية المنتهى الكوني الممتد في عروق الأرض. وليس أكثر بداهة من كلام الشاعر عن الشعر. فالشعر عنده له امتدادات عالمية في الكون والحياة والأرض والتراب. يقول في قصيدة "شعرية" التي يفتتح بها ديوانه الشعري (ص. 3):

قريبا من خطايَ،

أرى امتدادي

في عروق الأرض،

في عطش التراب،

وفي هشاشة فكرة

تستدرج المعنى إلى مبنى،

وتنسى ظلَّها

يطفو على صمتي.    

إنها إقامة شعرية مضنية في المابيْن، بين ماءين، بين لسانين، بين حضارتين تحملان تراثاً ثقافياً مشتركاً بجُدران شعرية عربية مغربية أندلسية امتدّ منذ الحضور العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية. إنها صورة الأنا والآخر، وصورة المغرب والأندلس، حيث تغفو يديْ الشاعر وترتبك الروح ويصهل البحر. يقول في قصيدة "بين ماءين" (ص.8):

يصهلُ البحرُ

أصغي إليه

يغازلُ مملكةً

زَبَدٌ صوْتُها

وَجَعٌ حرْفُها

كلَّما خاتلَتْني

أغَنِّي لها: 

ضيَّعَني الشِّعْرُ

بين لسانيْن. 

وتعالق الشعر والماء يُلفت انتباه القارئ للتأمل في النصوص الشعرية، حيث تحضر لغة الماء والصمت، والماء والحُلُم، والماء والفراغ. يقول في قصيدة "دهشة" (ص. 15):

تُطَوِّقني الكلماتُ

بِحِبْرِ الفُجاءةِ

والصمْتِ

أغفو على دهشةٍ

لأرى أحرُفاً

تعتلي شَفتيَّ 

وقد كان الماء العنصر المهيمن في الثقافات الشعبية الإنسانية. وفي الأساطير القديمة تمّوز وعُشتار وأوزيريس وإيزيس كان الماء رمزاً للصراع بين الخير والشر، والموت والحياة، والمقدّس والمدنّس. والأدب العربي غني بالنصوص المائية شعراً ونثراً. وكان الماء مصدر إلهام الشعراء في مختلف العصور الأدبية.ولم يخلُ الشعر العربي من وصف الرعد والبرق والمطر والسحاب والغيوم والبرَك والأنهار والبحار والسواقي. لكن الشاعر خرج عن كل ما هو تقليدي ومألوف حينما جعل القصيدة تدور في حلقة دائرية مائية بلّورية حالمة وقد تحدث باشلار عن الماء والأحلام التي تجعل منه وطناً كونياً، فمِن خلال حُلُم انعكاسات الماء ينزع العالم إلى الجمال. يقول الشاعر في قصيدة "حلم" (ص. 59.):

القصيدة

إذ تعبر البحر

بحر الكلام،                                                     

وتجتاز دغل الحروف،

وتنساب بين السطور

تجوب الكؤوس

وترسم دهشتها في الرؤوس.

بين شعرية الماء، والبحث عن المعنى لا تُتاح الرؤية بسهولة، وقد جعل الشاعر القصيدة امرأته الشعرية التي وُلدت من رحم القصيدة. فشهرزاد القصيدة ترتوي من شرايين الصمت وتنتمي لسُلالة آلهة اللّيل وهي عاشقة للجمال. إنها زمن القصيدة ومكانها أينما حلّت وارتحلت. يقول في قصيدة "شهرزاد" (ص65):

ثمة امرأة

ترتوي

من شرايين صمتي...

هي امرأة من سلالةِ

آلهةِ الليلِ...

سارحةٌ في المدى

تتوارى وتأتي

نيازكَ ملآى بغيمِ النبوءةِ 

ويوضح الشاعر كيف يصير الشعر بحثاً عن الشعر والشاعر وكيف يصير فكراً ومعرفة. فشهرزاد القصيدة الرّمز امرأة رسمت خريطة العشق لكل الشعراء منذ قرون، وعاشت الحضارة الأوروبية قبل أن تعود إلى الشرق. وشهرزاد امرأة أسطورية فجّرت ماء القصيدة وجابت كل القارّات بحكاياتها، فعبَرت الحدود وانفتحت على الثقافة العالمية وتُرجمت إلى معظم لغات العالم بعد أن تحرّرت من أسر المعنى النهائي فتقلّدت عند الشاعر كل القوافي. إنها صورة المعرفة والانتصار للإنسانية وللثقافة الواسعة ولحوار الحضارات. فهي نيازك النبوّة والجمال والكلام المباح. فهي آفاق الجمال المتمدِّد في القصيدة، يقول الشاعر في نفس القصيدة (ص.66):

هي امرأةٌ

تتمدَّدُ فوق القصيدةِ

ملءَ البحورِ

وفي رغوةِ الاستعارة،

... هي امرأةٌ تتقلَّدُ كُلَّ القوافي

... خلّي ظلالَ الحروفِ

طريقي إليكِ

إلى الكلامِ المُباحِ.

ويبدو مفهوم القصيدة عند الشاعر مزجاً بين الذاكرة والإحساس، وبين ظلال الحروف ورائحة الأرض وانكسار الضّوء.  كلمات لا دليل لها في قاموس اللغة إلا لغة القصيدة وهي لغة لا يعرف عزفها إلا الشعراء. يقول في قصيدة "الشعراء" (ص.49):

غجرٌ

على وتر الفجيعة،

يعزفون بلاغةً

أخرى

تحاكي حُلمَهم

وجاءت قصيدة "خمس لوحات بلا ألوان" في خمس صفحات. اللوحة الأولى عن ستار الصمت، والثانية عن الإقامة في الذّات، والثالثة عن مغامرة البحث عن المعنى، والرابعة عن مملكة الحروف، والخامسة عن مغامرة الكتابة. وهي لوحات يحوّل فيها الشاعر فاعلية الشعر إلى سؤال يحاول فيه استنطاق ستار الصمت. يقول في هذه القصيدة (ص.70): 

أَأَنا أنا؟

أّأُقيمُ في ذاتي

وفي أُخرى؟

امرأتي القصيدة؟

مَنْ رأى راياتِ أسئلتي

تُرَفْرفُ بيننا؟ 

والإقامة في الذّات ويقينها بوجودها الرّاهن هو سرّ مغامرة الكتابة في النص الشعري. في هذا السياق يأتي استعمال الشاعر للاستفهام الدّال على التكثير وتعدّد الأسئلة. فمِحنة عذاب سؤال الذّات هو سؤال الآخر ضمنياً الذي يبدو عاجزاً عن الإقامة في الذّات، وهو نوع من المصالحة مع الذّات، ومع ذاكرة الجسد، وذاكرة الكتابة، لاختراق جدار الصمت، لأن الكتابة هي قراءة الذّات التي تستقي من الذاكرة وتعمد إلى فضح الأنا بتعبير بارت في محاولتها التجرّد من رقابة الأنا والآخر. يقول الشاعر في نفس القصيدة (ص.71):

أأنا هنا

...هل عسَلُ الحياةِ قصيدةٌ؟

هل هجرةُ الألفاظ ملحمةٌ؟

وهل بَلَلُ الحروفِ

يُعيدُ للمعنى السَّنا؟ 

إن سُلالات الإبداع الشعري عند الشاعر كسُلالات نحل متأقلمة مهما اختلفت جغرافيتها وطبائعها وصفاتها. فهي في النهاية تُنتج عسلاً حلو المذاق وإن اختلفت أنواعه في كل بقاع الأرض باختلاف نوع الرّحيق ومصدره. إلا أن هناك أنواع مُتعارف عليها عالمياً. فحلاوة العسل وصفاؤه من صفاء القصيدة وألَقها لأنها تنتمي لسلالات متصلة رغم اختلافها، فهي تنتمي لسلالات شعرية إنسانية باذخة سواء في الشعريات الأوروبية أو الصينية أو اليابانية أو الأمريكية أو في مختلف بقاع العالم.

وهكذا ترحل القصيدة عند الشاعر في آفاق وعوالم القرن الجديد والعولمة وتأثيرات الحراك العربي في زمن احتاج فيه الإنسان إلى الإعلاء من شأن القيم الإنسانية الكونية. ويرى الشاعر في قصيدة "ثورات" أن هذه الثورات لم تنجح في إزالة سوداوية المياه الراكدة. لأن ظلال الموت المائي ظلّ يسكن الحدائق التي لم تستطع أن تسكن وقت الشاعر. فكل صورة في المتن الشعري هي في جوهرها صراع بين الذات والماء. فالحدائق والزهور والياسمين والقرنفل والأقحوان، إحالات مائية منفتحة على مجموعة من الدلالات. فثورة الياسمين التونسية ذكّرت الشاعر بثورة القرنفل البرتغالية. إلا أنه ينتصر دائماً لأزهار لغة القصيدة التي لا تخشى الحرّية وترفض الظّلم لأنها آلهة القصيدة التي لا تذبل ولا تنهزم ولا تموت. فظلّت ترفض "أزهار الدّم" بتعبير محمود درويش، يقول الشاعر (ص.81):

لا حدائقَ تسكن وقتي

لذلك لا أعرفُ الزُّهورَ

إلا في القصائدِ

لكنْ تونسَ نبّهتْ عينيّ

إلى الياسمين

وذكّرتني بقُرنفلِ البرتغال

ولأنني سليلُ الخساراتِ

فسأصدِّق اللغةَ

إنْ غَمَرَ تُرابيَ الأقحوانُ.

 وهكذا تحمل قصائد الشاعر شغف السؤال، وشغف الإبحار في عوالم القصيدة. والتساؤل عن ماء الشعر لا بوصفه استعارة لكن بوصفه أيضاً طرح لقضايا الشعر في ظلّ الرّاهن الثقافي الذي أصبحت فيه الترجمة انقلاباً في ثقافة الشاعر الحديث، بينما كانت ثقافة الشاعر القديم تعتمد على معارف تثقيفية أجملَها الأصمعي في الحفظ ورواية أشعار العرب كمصدر التثقيف الأول للشاعر. ما يدعونا إلى التساؤل عن أثر الترجمة في انفتاح القصيدة المغربية المعاصرة، فترجمة الشعر في عصرنا أصبحت عنصراً فاعلاً في تحديث القصيدة العربية. ونحن نعلم ظلال الترجمة على الشاعر العربي وما لها من تأثير في تقنيات بناء القصيدة.

وما يلفتني في ديوان الشاعر هو بناء الصور الشعرية التي جاءت بمثابة مرايا تعكس ما في أعماق نفسه من مشاعر جعلت القصيدة ليست موجة عابرة بل حلماً مائياً يتسامى فيه الماء إلى عناصر كونية. فمهمّة الشعر عنده هي خلق الكلمات التي تخلق العالم، وهذا الكون على امتداده لا تعبّر عنه إلا لغة القصيدة. 

10:51 |  Facebook | |

21/08/2013

!محمد الراشق... وداعاً

 

تعلّق الراحل بفنّ الملحون وساهم في تطوير الزجل المغربي وردّ الاعتبار له

racheck.jpgimages.jpg126000.JPG

  على إثر نوبة في التنفُّس، رحل عنّا، فجر يوم الأحد 18 غشت، الشاعر الزجّال محمد الراشق، وووري الثرى بمسقط رأسه مكناسة الزيتون. وكان الراحل يمرُّ بمعاناة مريرة مع المرض أفقدته كثيراً من عافية الجسد، لكن روحه المتوثّبة ظلّت نشطة، فلا يقعد عن نشاط زجلي أو ثقافي هنا وهناك، حتى فارقَتْه إلى الملكوت الأعلى راضيةً مرضيّةً. وفور نعيه على صفحات موقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك)، حتى تقاطرت رسائل التعزية والمواساة، وبدا تأثُّر مُحبّيه وأصدقائه داخل المغرب وخارجه كببراً لفقدان الراحل الذي كان رجلاً حييّاً، كريماً ومحبوباً في محيطه وبين أوساط الأدباء الذين أشادوا بأخلاقه العالية وعمله الجمعوي وموهبته في قول الشعر العامي.

   ولد محمد الراشق (1955-2013) بمدينة مكناس، وفيها نشأ واشتدّ عوده على شجرة المحبّة، وتناهى إلى سمعه ووجدانه إيقاعات التراث الشعبي ومحكياته وكراماته ممّا كانت تزخر به هذه المدينة العريقة (زوايا، حلقات الذكر والإنشاد، عيساوة، ملحون..)، وعن أمّه التي كانت تحفظ هذا التراث الحيّ أخذ الطفل الذي كانه، كما تشرّبه من حفلات المدرسة التي كانت تُحييها في مناسباتٍ دينية ووطنية.

   كتب محمد الراشق الشعر الفصيح في بداية نبوغه الأدبي، قبل أن ينصرف عنه إلى الشعر العامي أو الزجل الذي استحوذ عليه وأخذ بمجاميع كيانه، فأعطاه وقته وقوته حتى انقاد له، وذلك بعد أن تأثّر بشعراء فنّ الملحون الذين عرفت بهم مكناس، وفي مقدّمتهم حكيمهم سيدي قدور العلمي، والحسين التولالي، وحمود بن إدريس السوسي. ونجد آثار هؤلاء وسواهم بادياً في شعره، وأهمّها معين الحكمة الذي يسري في جُلّ زجله، وغنى الإيقاع، وعتاقة اللغة العامية التي يغرفها من منبع أصيل، لكن لا نعدم أثر شخصيتة القويّ، إذ كان يصهر كلّ ذلك في بوتقة عصره وثقافته الحديثة ورؤيته الذاتية للعالم، فنجده يصرخ ضدّ الظلم والاستبداد ويحتجّ على مظاهر البؤس والحرمان التي طالما تأذّى منها في محيطه الاجتماعي، ولعلّنا تتبّعنا ذلك في ديوانيه الأوّليّن: "الزطمة على الما" (1999)، و"مكسور الجناح" (2005). لكن ديوانه الثالث الذي صدر حديثاً، والمعنون بـ"ثريا د الروح"، يعكس لنا طوراً آخر من تجربته النفسية والوجودية، يتجاوب مع دبيب حياته الداخلية وتهجُّساته الكسيرة، ومع معاناته مع المرض الذي يغنم صمت المبدع وأنفته.

   وفي مجال البحث، سواءٌ في الزجل أو فنّ الملحون أو التراث الشعبي بعامة، فقد تأثّر محمد الراشق بدراسات أشهر الباحثين فيه من أمثال محمد الفاسي، وأحمد سهوم، عباس الجراري ومحمد مفتاح. ولعلّنا نجد ذلك واضحاً في كتابه الموسوم بـ"أنواع الزجل بالمغرب: من الغنائية إلى التفاعلية" (2008)، وفي غيره من مقالات كان ينشرها، بين فينة وأخرى، في منابر ثقافية ورقية وإلكترونية.

  واليوم، يمكن أن تُشكّل هذه الأعمال، الزجلية والبحثية، حقل إلهام لا ينضب بالنسبة للباحثين وطلاب الجامعة الذي عليهم واجب إظهار تراثنا الشعبي المغربي، وتطويره ونشره داخل المغرب وخارجه.

23:57 |  Facebook | |

13/08/2013

:::

 

 

المهدي أخريف: الشعر المغربي عرف تحوُّلات مذهلة منذ الثمانينيات إلى اليوم

 Media_96667.JPGMedia_96672.JPGimages.jpg






حاوره: عبدالرحيم العلام

يعتبر الشاعر المغربي المهدي أخريف أحد أهم الأصوات الشعرية في المغرب وفي العالم العربي، وأحد مؤسسي الحداثة الشعرية فيالمغرب. نشر أشعاره الأولى في نهاية ستينيات القرن الماضي، وساهم منذالسبعينيات في تحديث المشهد الشعري المغربي والعربي، بكتاباته ودواوينهالشعرية، سواء المنشورة ضمن أعماله الشعرية الكاملة، أو الصادرة في مرحلةزمنية تالية. بدأ الشاعر المهدي أخريف الكتابة عام 1964، ونشر أول نص له في جريدة «العلم» المغربية عام 1967، قبل أن يتوالى ظهور نصوصه الشعرية والنثرية في عديد المنابر الصحفية والثقافية، المغربية والعربية والأجنبية. وللشاعر أخريف عديد المشاركات في مؤتمرات ومهرجانات أدبية في العالم العربي وأوربا وأمريكا اللاتينية. ترجمت بعض أشعار أخريف وكتاباته النثرية إلى لغات أجنبية عدة، من بينها الألمانية والإسبانية والإنجليزية والإيطالية والفرنسية واليونانية والهولندية والبرتغالية. وظهرت أعماله الإبداعية ضمن سلسلة الأعمال الشعرية الكاملة التي تصدرها وزارة الثقافة المغربية، حيث أعيد نشر عديد أعماله الشعرية المنشورة سلفا في دواوين شعرية في جزأين العام 2003، والشاعر المهدي أخريف، إلى جانب ذلك كله، هو مترجم وناثر وناقد أدبي وجمالي، افتتن بترجمة الشعر العالمي، من ذلك ترجمته الشهيرة والرصينة للأعمال الشعرية الكاملة للشاعر البرتغالي الكبير فيرناندو بيسوا، المنشورة تحت عنوان «كتاب اللاطمأنينة»، والصادر في عدة طبعات في المغرب ومصر، فضلا عن ترجمات شعرية عديدة لشعراء آخرين من أمريكا اللاتينية وأوربا، صدرت بالمغرب وخارجه، وهي لفيرناندو بيسوا، وأكتافيو باث، وخوستو خورخي بادرون، وألبيرتو كاييرو، وأنطونيو جامونيدا، وألبارو دي كامبوس، وخوان خيلمان، وغيرهم. في هذا الحوار، يقربنا الناقد المغربي عبد الرحيم علام من فضاءات الشاعر أخريف من عديد المجالات التي تشغل اهتماماته الشعرية والفكرية والنقدية والتأملية، كما يسلط الضوء على محطات أساسية في تجربته الحياتية والإبداعية.

ما الذي يعنيه بالنسبة لك - كشاعر -الانتماء إلى مدينةساحلية وهادئة كأصيلة، باختيارك لها فضاء للإقامة والإبداع، وبلورة سؤالالثقافة والفن والجمال؟ وهل لهذا الفضاء الشاعري بامتياز تأثير ما على ذلكالطفل الذي كنته لمعانقة عالم الشعر والجمال؟

- لم أولد في وسط شعري. لا أحد في عائلتي كانت له صلة بالشعر لا من قريب ولا من بعيد.. من أين جاءتني بذرة الشعر لا أدري.. لعلها ولدت معي كما ولدت مع آلاف الآلاف من الناس ممن لم يكتب لهم أن يكونوا شعراء بالفعل، فاكتفوا بأن يكونو شعراء بالقوة، شعراء بالصمت أو بالذوق أو ماشاءوا. مولد البذرة فيَ جرى في فردوس طفولتي الأولى في«خندق الأجنة»، فردوس مازالت طبيعته الجبلية البليكية (نسبة إلى وليم بليك) حية، مرسومة في وجداني إلى اليوم، لكن فقط في أصيلة أمكن لبذرة الشعر في أن تزهر وتثمر.

في أصيلة كتبت قصائدي الأولى في سن مبكرة جدا، استلهمت فيها الطبيعة البحرية، وقلدت الشابي وجبران ومحمود حسن إسماعيل ومصطفى المعداوي... لكن مدخلي الحقيقي إلى الشعر وإلى الكتابة عموما كان هو الحب والعشق. لقد دفعني دفعا إلى كتابة رسائل ملتهبة، ملتاعة كنت أضع فيها كل ما يخالجني وما لايخالجني أيضا من أحاسيس وخيالات، وأصبها في لغة مختلفة عن الإنشاءات المدرسية الأسبوعية. هذه الرسائل التي كنت أكتبها لتصل إلى الفتاة التي أحببتها (أو ظننت ذلك وهي لم تصل أبدًا إليها) تحولت بالتدريج إلى كتابات مستقلة نثرية تارة وشعرية تارة أخرى، كتابات كل غايتي منها هو مايتحقق لي فيها من متعة واندهاش وألم أيضا.هكذا اكتشفت عالم الشعر وعالم الكتابة في منتصف الستينيات في أصيلة ثم في مدينة القصر الكبير، وفي أمكنة وجغرافيات أخرى حقيقية ومتخيلة. لكن أصيلة بالذات قبل وبعد غيرها من الأمكنة هي التي صنعتني شاعرا وكاتبا ومترجما أيضا، صنعتني وصنعتها أنا، خلقتها وخلقتني. علاقتي بها علاقة خلاقة وغير اعتيادية أو روتينية على الإطلاق، أنا أعيد اكتشافها في كل لحظة تقريبا أرى فيها مالا أراه فيها، أعيد بناء علاقتي مع مدن العالم التي أحبها، مع القاهرة أولا، مع مدريد، باريس، بغداد، دمشق، قرطبة، الرباط ، الصويرة، العرائش. جئت إلى أصيلة في سن الخامسة، لم أعش فيها سوى سبع أو ثماني سنوات متصلة، إذ أجبرتني سنوات الدراسة - الثانوية والجامعية، ثم العمل بالتدريس لعدة سنوات في مدن أخرى - على ترك المدينة لما يقرب من خمس عشرة سنة. وحينما عدت إليها مع مطلع الثمانينيات عدت مزودا بخبرة من سافر إلى إيثاكا، عدت إليها هذه المرة لا لأصارع وأنافس، بل فقط لأحلم وأتامل وأعيش بطريقتي الخاصة الحصة المتبقية لي من الحياة، ذلك أن السفر الإثاكي الصعب منحني كنزا عظيما هو القناعة: قناعة الشغف الخالص بالأشياء لذاتها بالقراءة بالمعرفة، بالكتابة بالترجمة وبكل الأشياء الصغيرة وخصوصا الإصغاء الدائم للمعلم الأكبر: البحر الأطلنطيكي الذي علمني أسرار الإيقاعات وأسرار اللغات، وخاصة لغات الصمت الكامنة في ملفوظاته الصاخبة.

أما «باب البحر» فهو أول أعمالي الشعرية المنشورة (صدر عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 1988)، ومن المصادفات العجيبة أن أول مقال صدر عنه قبل أن أتوصل بنسخي منه ظهر في الكويت بالذات في مجلة «الطليعة». بالمناسبة لدي ديوانان سابقان لـ «باب البحر» زمنيا، لم يكتب لهما النشر، أولهما «عشق بدائي» وثانيهما «وردة في الرماد»، وثمة ديوان ثالث كتبت قصائده بعد «باب البحر»، «اختطفه» مني ناشر تونسي ولم يظهر له أثر إلى اليوم، ولم أتحمس لنشره هنا بعد ظهورعملي الشعري الثاني «سماء خفيضة.»

ديوانك الأثير هذا، أقصد «باب البحر» أثار بعد صدورهردود فعل ومواقف نقدية لافتة، منها اعتباره من قبل الشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح أنه يشكل تجربة رائدة في مجال قصيدة النثر في المغرب؟

- إذا كان عبد العزيز المقالح قد رأى في «باب البحر» تجربة مغربية رائدة في قصيدة النثر، فأنا لا أقاسمه الرأي، وأحسبه كان كريماً معي ومجاملاً إلى حد كبير، ذلك أن قصائد هذا الديوان تفتقر تماما إلى المقومات الأساسية لقصيدة النثر التي أعتبرها فنا شعريا صعبا وشديد الخصوصية. قصائدي تلك هي تمرينات ثرثارة نثرية شعرية في آن في الاحتفال بالمكان والتأريخ له، وكنت وقتها حديث عهد بالعودة، عودة الابن الضال إلى حضن والده البحر.

في هذا الإطار نفسه، وكما هو معلوم انشغل الشعراءوالنقاد العرب، على حد سواء، بقصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، وذلك بين منتصرلهذه أو لتلك. نود في هذا الحوار أن نقترب من رأيك أنت في هذا الخلافالمتشعب حول هذا الموضوع؟

- الخلاف النقدي الرائج منذ عقدين على الأقل عندنا حول قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة مفيد وحتمي، يفرضه الواقع الشعري الطافح بالتجارب والتحولات. أنا مع هذا الانشغال النقدي سواء أتى من النقاد أم من الشعراء، أتابع وأصغي، غير أنني مع الشعر قصيدة نثر كان أم تفعيلة، وفي الوقت نفسه ألاحظ أننا نضيق على أنفسنا كثيرا في هذا الجدال الخصيب حينما نحصر الصراع أو الخلاف بين نوعين أو شكلين من الشعر بينما الواقع - الواقع الشعري ذاته - يظهر لنا أن ثمة تجارب شعرية وأنماطا وأشكالا أخرى عديدة كائنة وممكنة تتخلق يوميا من داخل ومن خارج التفعيلة وقصيدة النثر. مثلا إذا كان مايكتبه الشاعر المغربي مبارك وساط يندرج تماما في قصيدة النثر، فإن ماكتبه الشاعر المصري المرحوم محمد صالح في أعماله الشعرية اللا تفعيلية يؤسس لكتابة شعرية مغايرة لقصيدة النثر، وكذلك الشاعر المغربي محمد بنطلحة يكتب قصيدة مجاوزة في تصوري قصيدة النثر. ثم لماذا هذا الدفاع المستميت عن هذا الشكل أو ذاك كما لو كان عقيدة أو دوغما؟ لماذا اعتبار قصيدة النثر هي الشكل الوحيد المؤهل لامتلاك مستقبل الشعر؟ قصيدة النثر التي حققت مكتسبات كبيرة شعرية عربية، وغيرت الذائقة وسبل تلقي القصيدة، فعلت ذلك بخيارات جذرية، وبالحرية والتجريب، وبالتحرر من المطلقات والقضايا الكبرى، وبالانحياز للهوامش واليومي، للعب الحر باللغة والنحو والبلاغة والإيقاع، ولكنها ليست المحطة الأخيرة، محطة الوصول.

شخصيّاً، أرى أن المسألة الخلافية ينبغي ألا يكون موضوعها الوزن أو اللا وزن، بل الشعر أو اللا شعر (وهذا أيضا يثير جدلا من مستوى مختلف)، الإيقاع أو اللا إيقاع. سأضرب مثلا بشاعر أساسي في تيار قصيدة النثر هو سركون بولص، فتجربته على جذريتها في الانتماء إلى الشكل الذي اختاره لم تلغ الحدود الفاصلة بين قصيدة النثر والتفعيلة على الأقل من جهة الوزن، إذ لا نعدم في أعماله اللجوء إلى التفعيلة بتنويعات وتوزيعات معينة في قصائد مختلفة، أبرزها استخدامه، في آخر ديوان له وهو «عظمة أخرى لكلب القبيلة» لتفعيلة بحر الكامل (متفاعلن) في أربع صفحات من 49 إلى 53 في قصيدة: (أنا الذي) وفي مقاطع أخرى، ثمة مثال دال آخر هو سعدي يوسف المعروف باستراتيجيته الشعرية في هدم الحدود بين الأشكال، بالانتقال من التفعيلة إلى السرد النثري، إلى الشعر النثري الخالص، إلى تقنية الكولاج، إلى تنويع اللغات والأصوات وتوظيف التنقيط... ومحمود درويش نفسه وهو الملتزم باستخدام الوزن التفعيلي بصرامة، كثيرا ما يلجأ إلى تفجير وتكسير البنية النمطية للإيقاع بما يبثه من فوضى «نثرية » في أوصال النص بفضل قدرته المدهشة على تطويع اللغة والشكل الشعري معا لغنائيته الآسرة المتجددة. وفي نثره الشعري دائما كما في «أثر الفراشة» أو «في حضرة الغياب» مثلا نعثر على صنائع عجيبة لما يمكن أن يفعله شاعر خلاق بالشعر خارج الحدود المصطنعة للشعر.

أما أنا، فبالرغم من أنني محسوب على شعراء التفعيلة. فإنني معني بما هو أبعد من التفعيلة وما بعدها. معني بتعميق السًبر والحفر في مناطق القصيدة وطبقات تشًكلها. أنا مع عبارة الشاعر المغربي محمد الميموني التي تقول: ما تظهره يخفيك. فكثيرا ما يعمل الصوت العالي للقصيدة على إخفاء العمق أو تفتيته، وهذا ما يفتح المجال أمام القارئ لإعادة اكتشاف المخفي أو اللامرئي في العمل الشعري. إن القصيدة تتشكل بين تداخلات نصية عديدة ولغات أيضا، فيها السرد والنقد والشطح والتوهيم والتضمين والميثافيزيقي والميثولوجي الشخصي والعام واليومي والتقطيع والاسترجاع والتكثيف ... إلخ. مجال الكتابة الشعرية أعمق إذن وأوسع من أن يظل حبيس الجدل بين نمطين هما مجرد إمكانيتين شعريتين لا أكثر.

وماذا عن كتاباتك النثرية؟

- كتاباتي النثرية تصب في تجربتي الأدبية بصفة عامة، إنها بدورها تمارين من نمط مختلف، أنا لست محمود درويش الذي تكاد تمحى الحدود بين نثره وشعره بما يطبعهما من غنائية وجمالية.

تمرين النثر عندي غير تمرين الشعر.. تمرين النثر تمارين: منها النقدي، ومنها السردي، منها التأملي، ومنها التحليلي القرائي... إلخ. فكتاب مثل «فقاعات حبرية» ينتمي إلى الكتابة النقدية وهو خليط من «بورتريهات» لشخصيات وقراءات لأعمال أدبية ونصوص تأملية نقدية، بينما كتاب «حديث ومغزل» هو باقة من نصوص سردية تحتفي بشخصيات ووقائع محلية نصف واقعية ونصف خيالية.

لكن أين نصنف كتابًا مثل «بديع الرماد»؟

- هناك من النقاد من رأى في «بديع الرماد» شخصية بيسوية مرآوية. جوابي هو نفسه الذي قدمته في حوار سابق: من حق الناقد والقارئ أن يعتبر بديعا مرآة أوشخصية ثانية للمؤلف. وهناك من القراء النابهين من سلم بالوجود الواقعي لبديع الرماد واستقلاله عن المؤلف مصدقًا تمامًا رواية هذا الأخير. أعتقد أن ثمة التباسًا لاسبيل إلى رفعه بينهما، أولا لأن «بديع» مصر منذ ثلاثين عام أو يزيد على إخفاء قناعه الحقيقي عن الأنظار، والظهور فقط بقناعه الآخر الذي به يوقع أعماله الأدبية.

أعرف أن بعض الكتاب - سامحهم الله - ينظرون إلي بعين الارتياب في هذه الحكاية كلها، لأنهم يعتبرونني متورطا بل متواطئا مع المؤلف في صنع الالتباس إلى الحد الذي جعل كاتبا مثل الصديق الدكتور محمد برادة ينكر وجود شخص اسمه «بديع الرماد» بالرغم من لقائه به مرتين في مدينة العرائش، معتبرا ذلك خدعة مدبرة من جانبي ومن جانب شقيقي الشاعر أحمد هاشم الريسوني.

شخصيًا أرى أن من مصلحة الأدب أن يحتفظ «بديع الرماد» بهذا الغموض المحبوب محجوبا في الواقع، مرئيا تماما في النص. أذكر أن المرحوم محمد شكري سألني قبل وفاته بشهرين عما إذا لم يكن «بديع الرماد» أخا أصغر للشاعر المرحوم المختار الحداد، وكان جوابي: حتى لو وافقت على أنه أخو المرحوم فإن ذلك لن يغير في شيء صورة الأخ المزعوم في النص، نص: «بديع الرماد».

يلاحظ أيضا اهتمامك الخاص بالتشكيل، وأنا، هنا، أستحضر تلك العلاقة الوطيدة القائمة بين الشعر من ناحية والتشكيل من ناحية ثانية. فهل لك أن تقربنا، انطلاقا من تجربتك الشعرية التي حاورت بعضنصوصها هذا الفن المؤثر، برشاقة مبدعة لافتة، من طبيعة هذا التناغم القائمبين هذين العالمين، انطلاقا من تجربتك الخاصة؟

- فأما التشكيل، فأنا مدين لأصيلة بما استقر في نفسي من ولع به مكين منذ الطفولة، مدين لبحر أصيلة وسمائها، لغيومها وصفائها، لحيطانها وألوانها وحقولها أيضا، وأنا مدين كذلك للصداقة التي تجمعني بأبرز فنانيها التشكيليين وعلى رأسهم خليل غريب. طبعا أصيلة باتت مشهورة باعتبارها مدينة الفنون التشكيلية بفضل موسمها الثقافي الدولي الذائع الصيت، لكن مالايعرفه الكثيرون هو أنها أيضا مدينة الشعر بامتياز، لأن عدد الشعراء المعروفين فيها على مستوى المملكة لا يقل عن عدد الرسامين (بالمناسبة فالشاعر أحمد هاشم الريسوني أعد كتابًا كبيرًا يضم دراسات وقراءات عن«شعراء أصيلة» من أحمد عبد السلام البقالي (1931 - 2010) ومحمد البوعناني (مزداد عام 1929) إلى كريم حوماري (1973 - 1997) وحورية غيلان (مزدادة عام 1984)، الكتاب سيصدر أواخر 2010. تجربتي مع التشكيل والتشكيليين في أصيلة انعكست خبراتها وتلاوينها في قصائدي بناء وصورًا ورؤى، من «باب البحر» إلى «محض قناع». تجلت في حواراتي الإبداعية من داخل الشعر مع أعمال بعينها مثل أعمال الفنان خليل غريب في قصائد «تخطيطات» التي تشغل حيزا مهمًا من ديواني «ترانيم لتسلية البحر»، وكذلك في ديواني «قبر هيلين» الذي يحتفي بالتشكيل ومحاورة أعمال سهيل بنعزوز ويونس الخراز والبلجيكي ماغريت. وبالإضافة إلى كتابي «يونس الخراز: نزوات في الرسم والحياة» كتبت عشرات المقالات عن الفن التشكيلي على مدى أربعين سنة بالتمام والكمال (أولى هذه المقالات يعود إلى 1970 نشر في الملحق الثقافي بجريدة «العلم» المغربية، عن رسام من أصيلة اسمه «العربي البوفراحي». هناك بالطبع شعراء مغاربة وعرب كثيرون حاوروا تجارب تشكيلية معينة في أعمالهم أو كتبوا عنها أو أنجزوا مشاريع إبداعية مشتركة مع فنانين تشكيليين معروفين.

تعتبر اليوم من بين أهم مترجمي الشعر العالمي إلى اللغةالعربية، بعد تجاربك مع ترجمة نصوص أساسية من مدونة الشعر الإسبانيوالمكسيكي والأرجنتيني والبرتغالي، وخصوصا بعد نجاح تجربتك العميقةوالممتعة مع ترجمة أشعار الشاعر البرتغالي الكبير فيرناندو بيسوا، التيتركت أصداء طيبة وحققت إقبالا متزايدا عليها، داخل المغرب وخارجه. فلم الانخراط في هذه المغامرة تحديدا، أقصد مغامرة ترجمة الشعر؟ولماذا بيسوا على وجه خاص، وما هي القيمة الشعرية المضافة التي تضيفهاترجمة الشعر عموما لباقي الشعراء؟

- ترجمة الشعر عندي مثلها مثل الكتابة، ضرب من ضروب التمرين، بل إنها كثيرا ما تصبح تمرينا في الكتابة نفسها يستلزم من المكابدة والمعاودة ماتستلزمه الكتابة الإبداعية الشخصية أحيانا، خاصة عندما يتعلق الأمر بنصوص شعرية كبرى تستحق أن تولى ماهي جديرة به من واجبات الضيافة في اللغة العربية. أنا أعتبر نفسي دائمًا مترجمًا هاويًا، معظم ماترجمته، ترجمته لنفسي بدافع الشغف والمتعة، وبما يساير ويخدم تجربتي وخياراتي الجمالية وبما يخدم المصلحة الشعرية العامة أيضا. لكنني في الوقت نفسه مع الترجمة الاحترافية، فردية أو جماعية، فقد مارستها في عمل أو عملين، كما أنني تعلمت الكثير من تجارب خاصة في ترجمة مختارات من شعري مع مترجمين محترفين في فرنسا وإسبانيا. ومما تعلمته في هذه التجارب أن القصائد قصائدي على الأقل التي فشلت في امتحان الترجمة لا تستحق أن تعيش في لغتها الأصلية.

ترجمتي لبيسوا لم تكن حدثا عابرا في حياتي ككاتب ومترجم، كانت لقاء مهمًا ومؤثرا. البعض من الأصدقاء رأوا في «تفرغي» لسنوات عديدة لترجمة أعمال الشاعر البرتغالي إضعافا لعملي الشعري في الصميم. لكنني خيبت التوقعات، فقد خرج شعري معافى وغانما من هذه التجربة. أما شعر بيسوا، فقد ظفر بحياة مشعة تليق به في لغتنا العربية. فهو كاتب استثنائي في الأدب المعاصر كرس حياته بعكس القاعدة السائدة لنفي ذاته وحجبها عن الأنظار خدمة للأثر الأدبي. ولأنه كان يعتبر الشهرة شأنا خاصا بالممثلات والمنتجات الصيدلية فقد زهد في نشر أعماله الأدبية في حياته، باستثناء كتيب شعري بعنوان «رسالة»، تاركا لنا صندوقا كبيرا يحوي عددا هائلا من الأعمال والنصوص والرسائل والمقالات والروايات والمسرحيات والقصص في مجالات ومواضيع متعددة متباينة تمضي من الفلسفة والنقد إلى اللاهوت والتنجيم إلى السياسة والاقتصاد والعلوم الهرمسية، ولعل ما ظهر منها شعرا ونثرا إلى اليوم في أكثر من 17 مجلدا يشمل حوالي 20 ألف صفحة من أثر يتكون حسب المختصين مما يناهز 28 ألف صفحة. ولعل حال بيسوا ينطبق عليه قول المتنبي:

                       أنام ملء جفوني عن شواردها    ويسهر الخلق جرَاها ويختصم

ثمة ترجمات كثيرة للشعر العالمي إلى اللغة العربية،لكنها لا ترقى كلها إلى المستوى المطلوب، إذ كثيرا ما جاءت ترجمات حرفيةوغير وفية للنصوص الأصلية، الأمر الذي يفقدها قيمتها الشعرية الأصلية.

ففي نظرك، وانطلاقا من تجربتك اللافتة في هذا المجال، ما هيطبيعة الأخطاء التي يقع فيها عادة مترجمو الشعر من لغات أخرى، وهل كل شعرقابل لأن يترجم من لغة إلى أخرى؟

- ينبغي الإقرار بأن ترجمة الشعر، وخاصة الأوربي منه في نماذجه العليا في حالتنا هذه، إلى اللغة العربية، ليست بالعمل سهل المضمون والنتائج، فهي تستلزم أحيانا ضروبا من المكابدات والمعاودات لاتقل عما تسلزمه الكتابة الشعرية ذاتها. لذلك كان الشعراء مؤهلين، نظريا على الأقل أكثر من غيرهم لهذه المهمة الجليلة، خاصة إذا سلمنا بأن من أبرز عيوب بعض الترجمات العربية للشعر العالمي عدم احتفالها بالإيقاع الشعري كما ينبغي )أتحدث هنا عن الإيقاع الأكبر للأثر والإيقاعات الصغرى حسب توصيف هنري ميشونيك) أو عدم اكتراثها بتجسيده في الترجمات المنجزة. والأمثلة عندي كثيرة من ترجمات شعرية متداولة للوركا وكفافيس وإليتس و بودلير ونيرودا. كان الشاعر العربي سعدي يوسف قد بشر ذات مرة بأن مستقبلالشعر العربي يوجد في المغرب، كما سبق للشاعر العربي الراحل محمود درويش أنأثنى كثيرا على النقد الشعري في المغرب.

ففي نظرك إلى أي حد كان هذان الشاعران الكبيران محقين فيرأييهما، بالنظر لوضعية الشعر ونقد الشعر في المغرب، مقارنة بالوضع نفسه فيأقطار عربية أخرى؟ وهل لايزال لهذه الأحكام ما يبررها اليوم؟

- وضعية الشعر ونقد الشعر معا متقدمة في المغرب، لأن المعرفة الشعرية والتجربة الشعرية معا تتقدمان على صعيد واحد، على الطريق نفسه.طريق السؤال - طريق الكتابة. وهما معا نجحا في اختراق الحصن الأكاديمي منذ زمن بعيد نسبيا عندما اتخذ شعراء مغاربة حداثيون من المتن الشعري المغربي الحديث موضوعًا لأطروحاتهم الجامعية، ثم من بعد للمقررات الدراسية في كليات الآداب المغربية، بدءا من الرباط إلى مارتيل إلى الجديدة إلى بني ملال وغيرها. إن الانشغال المزدوج لكثير من الشعراء المغاربة البارزين من أجيال مختلفة بالإبداع الشعري والنقد الشعري معًا أغنى وعمق التجربة الشعرية المغربية إلى حدَ بعيد، خصوصا إذا علمنا أن بعضهم يمارس الترجمة الشعرية، كما أن أغلبهم على معرفة واسعة ودقيقة بالشعر الغربي في لغاته الأصلية (الفرنسية والإنجليزية والإسبانية بوجه خاص). لقد كان لمحمد بنيس دور رائد شديد التأثير في هذا السياق، وكذلك لبعض مجايليه، ولنقاد شعراء وشعراء نقاد من أجيال لاحقة حسبي أن أذكر من بينهم: خالد بلقاسم، نبيل منصر، أحمد هاشم الريسوني، عبد اللطيف الوراري.

أما الشعر المغربي، فقد عرف تحولات مذهلة منذ الثمانينيات إلى اليوم على مستوى الكتابة والتجريب والبحث. لم يعد المشرق مرجعًا وحيدًا. الحوار مع شعر العالم أصبح العنوان الأبرز اليوم للشعر المغربي الذي اتسع الاهتمام بترجمة أعمال شعرائه في لغات أوربية كبرى، كما حظي شعراؤه باحتفاءات وتكريمات متعددة في أوربا. وفي العالم العربي أيضا.. مستقبل الشعر العربي إذن يبدو «مشرقا» في المغرب - بعد الفن التشكيلي طبعا- لكن ليس في المغرب وحده، لأنني أعرف على الأقل أن وضعية الشعر ونقد الشعر في بلدان عريقة في «تقاليد» الشعر مثل مصر التي أعتبر نفسي على معرفة جيدة نسبيا بوضعها الشعري، أو لبنان، أو سورية مثلا غنية بالتجارب والمغامرات الجديدة التي يصنعها شعراء جدد ومتجددون.

07:52 |  Facebook | |

08/08/2013

:::

 


متخيل القصيدة المغربية إلى أين؟

    أفق الشعرية المغربية بين جدلية الاستمرار والتفرد

 art.jpg

د. محمد المسعودي

إن طرح سؤال "القصيدة المغربية: إلى أين؟" يضع ما أنجزه الشعر المغربي طيلة العقود الأخيرة تحت طائلة المساءلة وعلى محك الشك، كما أنه يرتهن إلى الاحتمال والافتراض في ربط هذا الشعر بالآتي حسب الصيغة الواردة في عنوان المحور النقدي المطروح للنقاش. ومن ثم يقتضي تناول هذا الإشكال التركيز على الجانبين حتى نتمكن من مقاربته. وفي هذا السياق ارتأت هذه الورقة أن تقف عند مكون من مكونات القصيدة، وهو "تشكيل المتخيل" في النص الشعري المغربي باعتباره أحد أهم أسس الكتابة الشعرية ليكون محورا للوقوف عند بعض مميزات الشعرية المغربية الراهنة، وما تَعِد به فيما سيأتي. فبماذا يتميز تشكيل المتخيل في شعر المرحلة الراهنة؟ وماذا يميزه عن تجارب شعراء  الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات؟ وكيف يبني الشاعر المغربي خلال الألفية الثالثة متخيله الشعري؟ وما تجليات الخاص/ المحلي في هذا المتخيل؟ أو حتى نجمل هذه الأسئلة ونربطها بمحور الورقة المقترح للنقاش: متخيل القصيدة المغربية: إلى أين؟

استنادا إلى هذه الأسئلة، وانطلاقا منها سنسعى إلى مقاربة الموضوع محور النقاش، وذلك بالتركيز على تجليات تشكيل المتخيل في نماذج من القصيدة المغربية الحديثة. والنصوص التي سأشتغل بها باعتبارها عينة لمقاربة الإشكال هي الدواوين التي سأذكر أسماءها، وكلها صادرة خلال سنتي 2011 و 2012:

-غنج المجاز، لجمال أزراغيد، شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، 2011.

-فقدان المناعة، لعبد السلام دخان، مطبعة الخليج العربي، تطوان، 2011.

-صيد الليل، لإسماعيل أزيات، دون إشارة للمطبعة، تطوان، 2011. 

-شاهدة الأحبة، لإدريس علوش، دار النايا، سوريا، 2012.

-وقت بين المديح والرثاء، للزبير خياط، شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، 2012.

-سوناتا الخريف، لمحمد العربي غجو، منشورات سليكي أخوين، طنجة، 2012.

مما لا شك فيه أن تشكيل متخيل القصيدة عملية شيقة وشاقة بالنسبة إلى الشاعر، وهي عملية تتطلب مهارة كبيرة حتى يتمكن من بناء عوالمه الشعرية بما يخدم رؤيته ويمنح نصوصه التميز والفرادة، وهما غاية كل كتابة إبداعية. ومن هنا نحسب أن الاهتمام بالمتخيل الشعري يحظى بالأولوية لدى الشاعر، ومن ثم عند المتلقي الذي يتطلع من خلاله إلى تذوق القصيدة، والإحساس بما يبثها الشاعر من مشاعره ورؤاه، وما تتميز به من صور فنية دالة ومعبرة عن مقاصد الشاعر ومراميه، من جهة، وبما يمنحها نكهة "مغربية" خاصة، من جهة ثانية. انطلاقا من هذه الإشارة البدهية في التعامل مع القصيدة سنلج إلى موضوعنا.

إن أهم ملاحظة لفتت انتباهنا، ونحن نقرأ هذه الدواوين الستة، أن تيمة الموت وتداعياتها تهيمن على نصوصها، بل إن إهداءات أغلبية هذه الدواوين كانت إلى أشخاص أعزاء فقدهم الشاعر، وكانوا من قرابته، أو شخصيات ربطته بها علاقة صداقة، أو شخصيات عامة. يهدي جمال أزراغيد ديوانه بقوله "إلى روح جدتي ينبوع المجاز في زحمة الحياة"، ويهدي عبد السلام دخان ديوانه إلى والده، وبهذه الصيغة: "إلى الذي جعل من الحكم الأندلسية إرثه الوحيد أبي المرحوم الشريف المصباحي دخان"، بينما يتخذ إهداء ديوان "شاهدة الأحبة" لإدريس علوش سمتا عاما: "إلى أناس عمروا الأرض ذات لحظة وانسحبوا...". ويتصدر ديوان "وقت بين المديح والرثاء" للزبير خياط الإهداء الآتي:" إلى روح والدي الكريمين"، وبعده يضيف:"إلى ليلى، وهند ومحمد يواقيت الحياة". ويوجه محمد العربي غجو إهداء ديوانه إلى مبدعين، قائلا:"إلى من عبروا في صمت الأنبياء... المعتصم طائر الشعر الجميل، الطوبي ساحر الكلمة وقديسها الأبهى، عبد الرحمان مايسترو الفن والحب والحكمة". ويخلو ديوان "صيد الليل"  من أي إهداء.

وبعد هذه العتبة الأولى في الدواوين، تطالعنا عناوين القصائد التي ترتبط بالتيمة المشار إليها وترسخها. وهذا يجعلنا نتساءل عن سر الاتجاه إلى هذه الموضوعة في قصيدتنا المغربية الراهنة؟ ما الداعي إلى الاشتغال بهذه التيمة؟ وما طريقة تناولها لدى الشعراء؟ وكيف تشكل متخيل القصيدة؟ وهل كانت هذه التيمة عنصرا فاعلا في بلورة رؤى جديدة في القصيدة المغربية؟ .  

مما لا شك فيه أن التحولات الخطيرة التي يشهدها الواقع الإنساني المعاصر، وخاصة في العالم العربي، بإيقاعها السريع والمتوتر، من بين العوامل المؤثرة في اتجاه القصيدة المغربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة نحو الاشتغال بموضوعة الموت، وبطرح رؤى تتصل بواقع الحرب والدمار والخراب والضياع والشتات.. وغيرها من النويات الدلالية التي تعود في النهاية إلى جذر الموت والفناء. وبذلك نرى القصيدة المغربية الحالية تؤوب مرة ثانية إلى القضايا الكبرى التي بلورتها قصيدة الستينات والسبعينات، قضايا وطنية وقومية وإنسانية، وهي تشكل قسمات أساس في الدواوين التي نشتغل بها. فهل يمكن القول إن القصيدة المغربية تسعى إلى التخلص من التركيز على الذاتي وتفاصيل اليومي كما تمثلت في شعر الثمانينات والتسعينات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة؟

لن أجيب عن السؤال لأن الارتهان إلى اليقين وإلى القطع في مثل هذه الإشكالات يعد ضربا من عدم الوعي بالتحولات المتسارعة التي يشهدها الشعر ويعرفها الإبداع الإنساني في عصرنا الحالي، ولأن العينة التي أشتغل بها لا تشمل كل ما صدر من أعمال شعرية خلال السنتين المشار إليهما.

في ديوان "غنج المجاز" استوقفتنا نصوص عديدة تتخذ من قضايا الوطن، أو قضايا العالم العربي، أو قضايا إنسانية عامة منطلقا لتشكيل عوالمها الشعرية، وبناء متخيلها الفني، من بينها: ليل في كف الوميض، مقاطع في الحرب، شهيق الأرض، أسرى الماء.. وغيرها. وتحضر في هذه النصوص ظلال معان تتخذ من تيمة الموت وتلاوينها منطلقا في بناء دلالات النص وإيحاءاته. يقول الشاعر في المقطع الخامس من قصيدة "مقاطع في الحرب":

"الأرض ملغمة بالحروب

أينما توطنتُ أُسدد موتي"(غنج المجاز، ص.17)

ويقول في المقطع السادس عشر منها:

"ما صحة الوطن

حين تحفره الحرب بإزميل الردى

في رمشة ضوء؟

ما قيمته

حين يتجرعني بحر الرصاص

في أوج الندى؟

هل تكفيني قهوة أمي

-هويتي-

كي أرمم الطريق إلى علتي؟"(غنج المجاز، ص.22)

نستشف من المقطعين أن الشاعر اتخذ الكتابة المقطعية المكثفة وسيلة لتشكيل قصيدته، بحيث نجد الخيط الرابط بين نصوصها هو الارتكاز إلى مشاهد الحرب وتداعيات الموت. في المقطع الأول يلبس المتخيل الشعري لبوس الحقيقة التقريرية بحيث يتخذ تركيب الجملة صيغة الإثبات والإخبار: "الأرض ملغمة بالحروب"، وتليها جملة ثانية لا تقل عنها يقينية وتوكيدا لواقع الحال:"أينما توطنت أسدد موتي"، لكن ما يلفت نظرنا في الجملتين أن المجاز فيهما يولد دلالات متعددة رغم وجازة النص وكثافته. الأرض ملغمة بالموت والدمار والحرب، والشاعر يرصد واقع حال الإنسان الذي يسدد موته ويوجهه أينما استوطن. إن الإنسان المعاصر يعيش موته القسري وسط عالم ملغم بالموت والدمار، وما عليه سوى أن يعمل على تلطيف ظروف موته وتسديدها التسديد الذي يلائمه. وتحتمل الصورة دلالة أخرى إن التسديد قد يراد به الإلقاء والرمي، فالإنسان المعاصر، أينما استوطن فهو يدمر ويرمي بموته ما يعثر عليه أمامه، بحيث صار الموت هو وطنه وشعاره. 

أما في المقطع الثاني فيُتَخذ السؤال منطلقا لتشكيل أفق النص الدلالي، وبناء المتخيل الشعري فيه: إنه استفسار عن جدوى وطن يحفره الموت بإزميله، وعن قيمته حينما يصبح الرصاص منهلا للإنسان يُسقى منه في كل وقت وحين بدل أن يَعل ندى الحب والسلام. وفي  الآن نفسه يتساءل الشاعر عن كيفية الخلاص من الموت والدمار: هل قهوة الأم التي تشكل عنصرا من هويته ستجعله ينسى الموت الذي أفقد الوطن معناه والإنسان قيمته؟.

بهذه الشاكلة يحمل المقطع حس المرارة ونبرة الشعور باللاجدوى والانكسار في العالم المعاصر. وبهذه الكيفية يشكل المقطعان، معا، رؤية الشاعر إلى الواقع المعاصر عبر متخيل يتخذ صيغة الإثبات واليقين، تارة، وصيغة السؤال والاستفسار، تارة أخرى، غير أن الصيغتين معا تولدان صورا ترصد الواقع وتقف عند تجلياته. وفي المقطع الثاني نلمس رسوبات شعريةِ محمود درويش حاضرة في النص عن طريق استحضار "قهوة الأم" وما تحيل إليه من أبعاد دلالية اختزنتها قصيدة "أمي" الشهيرة لدرويش، وهي نفس الأبعاد التي يقدحها متخيل مقطع قصيدة جمال أزراغيد.    

وفي ديوان "فقدان المناعة" نلاحظ العناوين الآتية: بورتريه، سوناتا حامل التابوت، احتضار، ترانيم جسد عليل، شهادة الوفاة. وهي عناوين نصوص تتخذ من موضوعة الموت أساسا لتشكيل رؤيتها إلى الحياة والوجود. فهل استطاع الشاعر أن يتخلص من إرث الشعر العربي أثناء تناوله للموضوع؟ وهل تحرر من مؤثرات منجز القصيدة المغربية قبل الألفية الثالثة؟ .

إذا انطلقنا من قصيدة "بورتريه" يمكننا القول إن الشاعر يميل إلى التجديد في تشكيل متخيله، خاصة أن عنوان هذا النص خادع ماكر يستند إلى لعبة المفارقة والسخرية إذا ربطناه بمحمول القصيدة، حيث إن البورتريه الذي يرسمه الشاعر هو صورة لمقبرة، وليس رسما لشخصية من الشخصيات، كما يوحي العنوان. وبذلك، فإن القارئ يجد نفسه أمام مشاهد تتصل بالمقبرة، وبطقوس الموت وعوالمِه مُشخَّصَة عبر هذا البورتريه الغريب الذي يشكله متخيل القصيدة:

"المقبرة ظل كبير

مشدود دوما

إلى يمين الأرض،

المقبرة سجل

للرماد المقدس

لا تحركها

أحزان الأرامل

ولا نشوة

صباح مثقل 

بالجلبة والريحان

المقبرة مسكن دافئ

يتسع

كلما عاد الموت

مبتسما

من قمة الروح

المقبرة فاتنةٌ

تستدعي اليمام

بيديها الوارفتين

وتفتح صدرها

علنا

لمن أغمض عينيه

وأطفأت الأبدية

فانوسه الوحيد"(فقدان المناعة، ص.24-25)

يقدم الشاعر صورة متكاملة الأبعاد عن المقبرة، عن هذا الفضاء الذي يحتضن الموت، ويفتح صدره لكل من أغمض عينيه إلى الأبد. وتبدو المقبرة في هذا البورتريه مكانا لا يوحي ببشاعة الموت وهول النهاية، إن الشاعر يضفي عليها سمات تمنحها نوعا من الجمال والفتنة، ويجعل منها فضاء يتميز بالحياد في التعامل مع مآسي الإنسان، بل إنها مكان تسكن إليه النفوس وترتاح فيه الأرواح. بهذه الشاكلة يبني الشاعر متخيله الشعري استنادا إلى موضوعة الموت التي ينظر إليها من زاوية تخفف النظرة المأساوية الحزينة التي تتصل بالمقبرة دوما. وقد توسل الشاعر في بناء عوالمه بلغة تطغى عليها صيغ الإخبار وبلاغة التكرار، مع توظيف المجاز والاستعارة والوصف باعتبارها آليات فنية لتشكيل الدلالة وتشكيل متخيل القصيدة.  

وفي ديوان "صيد الليل" تطالعنا أجواء الموت في جل قصائده دلالة وإيحاء، غير أننا نشير إلى النصوص الآتية على سبيل المثال: موت معلن، التراب الدنيوي المقدس، حطام، الوداع، أغنية أندلسية، طوفان، حادث أعمى.. ومن بين هذه النصوص اخترنا قصيدة "الوداع" نموذجا لمقاربة رؤية الشاعر إلى الواقع استنادا إلى موضوعة الموت التي شكلت عنصرا فاعلا في تشكيل متخيل إسماعيل أزيات الشعري الذي يرتبط بصيد الظلام أو الليل، بما يرمز إليه الليل من موت وسكون. يقول الشاعر في قصيدته:

"ادفنوا أمواتكم وانهضوا

إلى خبز مر

وتبغ مر

ورصاص مر

وصلاة واجفة.

ادفنوا أمواتكم وانهضوا إلي

لأرمي عليكم الوداع

وأرمي عليكم الوداع.

ادفنوا أمواتكم ولا تنهضوا إلى الحب

ولا تقعدوا خلف الثلج

لتقتسموا الانتحار.

ادفنوا أمواتكم فيكم

كي لا يرحل الهواء عن الحرب،

كي لا يأكل الحديد ذراعا واقفة.

ادفنوا أمواتكم في كل شيء

ليدفن الموت بقاياكم فينا،

لنحرس بكاء كلام

ومنازل خائفة

ادفنوا أمواتكم في موتكم الأخير

ولا تتذكرونا،

ولا تغبطونا على نهر يخرج من تراب،

أو مهرة تقفز من ظلمة،

فليس في القلب الحنين،

وليس في القلب الرحيل،

وليس لنا ما نحملكم عليه

فادفنوا أمواتكم

وادفنونا في الذكريات،

عسانا نرحل عنكم إلى لغة زائفة،

عسانا نرحل عنا

إلى وداعكم الأخير،

إلى وداعنا الأخير".(صيد الليل، ص.46-47-48).

لا يخفى على قارئ هذا النص ما يؤديه التكرار المعجمي والتركيبي من دور في تشكيل بنيته، وبناء عوالمه. وعبر انسياب اللغة وآلية التوليد الدلالي المنبجس من هذا التكرار تتكون صورة الموت في هذه القصيدة. والمتأمل في النص يلفي متخيله يستند إلى خطاب يتخذ صيغة فعل الأمر، ويتوجه بالحديث إلى الجماعة متطلعا إلى دفن الموتى ودفن الذكريات، والعودة إلى واقع مر، هو الحرب ذاتها، وهو الرحيل والوداع الأخير. يرسم الشاعر صورة قاتمة لما يحياه الإنسان المعاصر عبر هذه الدلالات التي توحي بها القصيدة. وما نلمسه في هذا النص على مستوى الدلالة، لا يختلف كثيرا عما ألفناه في الشعر العربي الحديث من معاني تتصل بتقرير الحال ووصف الواقع، بل إن القصيدة تختزن، بما لا يخفى، نبرة محمود درويش وعوالمه المتخيلة. وهذا الكلام لا يغمط الشاعر حقه، خاصة أن إسماعيل أزيات ابتكر صورا خاصة به لا تخلو من جدة وطرافة مثل قوله في المقطع الآتي:

"ادفنوا أمواتكم في موتكم الأخير

ولا تتذكرونا،

ولا تغبطونا على نهر يخرج من تراب،

أو مهرة تقفز من ظلمة،

فليس في القلب الحنين،

وليس في القلب الرحيل،

وليس لنا ما نحملكم عليه"   

وبالنسبة إلى ديوان "شاهدة الأحبة" نجد جميع قصائده حملت كلمة "موت" ما عدا نصين هما: "كلمات أخرى" الذي يهديه إدريس علوش إلى روح الشاعر المغربي الراحل أحمد بركات، ونص "إرادة الحياة" الذي صدره الشاعر بعبارة موجزة:" إلى موتي...". وكلمة موت جاءت مسندة إلى أشخاص مختلفين منهم من كان معروفا مشهورا في مدينة الشاعر: "أصيلا"، ومنهم من نعرفه من خلال نصوص الديوان، وبعض هؤلاء ربطتهم بالشاعر علاقات مختلفة: النسب: الجد، أو الجوار، أو المعايشة في المكان والزمان: الميكانيكي، بينيتي، الفلاح، البحارة، عائشة.. وتنتمي هذه الشخصيات التي يرثيها الشاعر ويشكل شاهدتها بحروفه وكلماته إلى الطبقات الشعبية في الغالب، وإلى المهمشين من هذه الطبقة. وتسيطر على أجواء الديوان صور الموت القاتمة ممتزجة بحس رافض وساخر. ومن مجموع هذه القصائد نقف عند نص:"إرادة الحياة": 

 "كل شيء يوحي بقفر الحياة:

 -أشلاء الكتب...

 -مراثي الأحبة...

 -قبو الحانات...

 -معول الأنقاض...

 كل شيء في خابية

          (أو قبر...)

 حالات قصوى من الصمت

 موتي، وهلاك الأرصفة، وليل مستريب يغازل خفاشا،

 أسفار ماض سحيق، وأتربة أمكنة ترتل غسق الأشياء،

 وامرأة تشبه دالية هي كل العزاء.."(شاهدة الأحبة، ص. 101-102)

هكذا يصور الشاعر موته، أو بالأحرى حياته الشبيهة بالموت مركزا على الأشياء التي يألفها وتؤثث عالمه ووجوده بحيث لا يرى فيها سوى علامات النهاية: أشلاء الكتب، ومراثي الأحبة، وقبو الحانات، ومعول الأنقاض. ويؤكد الشاعر أن كل شيء في خابية (أو قبر...) يوحي بحالات قصوى من الصمت، بل إن الشاعر يشهد هذا الموت ممتدا إلى الأرصفة وأتربة الأماكن التي تعلن عن غسق الأشياء، أي أفولها وموتها، أما الليل فيغازل خفاشا لا شك أنه يمتص رحيق الحياة، ولا عزاء للشاعر سوى امرأة تشبه دالية، بما ترمز إليه الدالية من محبة للحياة. بهذه الشعرية المستندة إلى الأشياء البسيطة، وإلى مكونات اليومي وطقوسه القريبة من الشاعر يؤكد إدريس علوش ارتباطه بالحياة ورفضه للموت. ولعل هذه الرغبة في التمسك بالحياة ولعن كل مظاهر تدمير إرادة الحياة لدى الإنسان المعاصر من المشترك الذي تشتغل به القصيدة المغربية، ومن ثم كان الحديث عن الموت وعوالمه بابا نحو التمرد والرفض والارتباط بالحياة. وقد توسل إدريس علوش بالتفاصيل والجزئيات واستعمال طفيف للمجاز والتشبيه قصد تشكيل متخيله، وعبر بلاغة الإيجاز والتكثيف أوصل رؤيته إلى المتلقي.

أما الزبير خياط فقد أثبت، بما لا يدع الشك ينتاب القارئ بتاتا، بعنوان ديوانه "وقت بين المديح والرثاء" أنه ينطلق من اتخاذ رثاء الزمن والذات وواقع الحال محورا لكتابته الشعرية المتميزة. وهي شعرية تتكئ على دفق الإيقاع وتراثية اللغة وجمال الصورة قصد تشكيل متخيلها. واستوقفتنا في هذا الديوان عدة قصائد منها:الوعد، موطني، الخروج، طلل الملاحم. وقد وقع اختيارنا على قصيدة "موطني" لبلورة رؤية الشاعر إلى نمط من الموت لا يختلف عما تعامل معه الشعراء في السبعينات، يقول الشاعر: 

"هو ذا بيرق للكلام

على وطن،

أنقض الصمت ظهره.

من يحمل الآن

-والشرفاء نأوا- وزره؟

بين عهدين

عهد الرصاص

ووهم الخلاص

لنا مغرب طغمة خرمت عمره.

ثم ذي طغمة

تتزقم في دعة خيره.

 

لك هند السلام

ثلاثين عاما تياسرتُ

ثم انتهيت إلى بيعة

أرجعت عقرب الوقت للتِّيه

كيف سأشعل

نار الزمان الجميل؟

وصفُّ الخوارج صفان

شقهما البطْر، والجمر.

من ذاق من عسل الحكم

فازاورت عن مداه الأناشيد.

من ضرَّس الويل

في قبو مكونة المرِّ أيامَه.

كيف أختار؟

لي قمر بين عينيك

لي راية للحرب

ولا جند خلفي

خصومة قلبي مع الناس

أسرجت خيلي لأحلامهم

قلت أغزو بهم مدنا

أضع العدل في تاجها.

كلما عسعس القهر كسوا

وضاع الصهيل

سوى القهرِ،

خلفي قهرٌ

على أي جنب أميل؟

خصومة قلبي مع القلب

لو قال:

للبيت رب سيحميه

أحميه من شارب حفه الجهل

أو عِمة شرعها القتل.

ذا وطن دلكت شمسُه

واستراحت على برجها

فوق منزلة القوس.

من سيوتر في حاجبيها الأنوثة

كي تتزوج من قمر أطلسي

هو البعل

يخرج من صُلبه رجل

يغسل الله معدنَه

إسمه الشعب

يخرج من جبه

أجمل الخلق،

أنقى من الصحو

يملك حبا خزائن مصر

فيعطي المساكين

شيئا من القمح

يعطي زليخة 

شيئا من الحب

ثم يحاسب إخوته.

يوسفُ اليومَ

لا يسجد القمران له

لا يشرح الحلم كي تأكل الطير

من رأس صاحبه.

كفه صنجة العدل

في وطن يُسند الحق ظهره

من يحمل الآن..

-والشرفاء معي- وِزره؟"(وقت بين المديح والرثاء، ص. من 51 إلى 57) .

 لا يخفى على القارئ ما تكتنزه هذه القصيدة من صيغ لغوية وبلاغية، ومن أشكال موسيقية إيقاعية، ومن أبعاد دلالية تجعل متخيلَها ضاربا في جذور الشعرية العربية، وفي استثمار التناص مع الخطاب الديني والأدبي قصد تشكيل عوالمها الشعرية التي تعبر عن حالة الموت التي يعيشها الوطن، وفي نفس الآن تعبر عن ارتباطها بالمحتمل وبالأمل عن طريق تشوفها إلى فارس يغير مجرى الواقع، وينشق من رحم الموت ليحمل الحياة إلى الوطن، ويحرر الناس، ويمنحهم الحب والعدل، وينشر قيم الخير بينهم. بهذه الدلالات تشكل القصيدة رؤيتها إلى واقع الحال، واقع طغى عليه الدمار والموت والزيف وغياب كل جميل. إن الشاعر يتطلع إلى من يحمي الناس والوطن "من شارب حفه الجهل، أو عِمة شرعها القتل". وهل هناك أبلغ من هذه الصورة الجميلة لتلخيص رؤية الشاعر، ولاختزال رفضه وتمرده على ما يجري في عالمنا المعاصر، وفي لحظتنا الراهنة؟. 

بالانتقال إلى محمد العربي غجو نلاحظ أن بعض نصوص ديوانه "سوناتا الخريف" حملت عناوين تحيل على موضوعة الموت مباشرة، بينما حملت أخرى عناوين تلمح إلى التيمة من طرف خفي، نذكر منها: عطش، خلجات، الشاعر الجميل، طائر الرعب، هوية، موت. ومن بين هذه النصوص اخترنا القصيدة الأخيرة في الديوان، وهي بعنوان "موت"، يقول محمد العربي غجو:

"يندس بين المفاصل والعظام

يربض خلف حفيف الورق

يندفع بين السطور كجندي مهزوم

يجلس على ناصية الطريق

في منعطف درب طويل

في الصفحة الأخيرة لجريدة الغد

يغفو في رقدة أبدية بين الضلوع والعظام

ينام في السرير

في مجسات الحرير

في ألبوم الصور

في غبار البيانو

يرقد بين تذاكر السفر

في تلويحة الغجر

في منقار 

طائر

في حقيبة

مهاجر..."(سوناتا الخريف، ص.96-97)

يرسم محمد العربي غجو صورة متكاملة عن الموت الذي صار يسكن عناصر الحياة والوجود الإنسانيين. إن الموت-حسب هذه الصورة- يتغلغل في كل ما يحيط بالإنسان، فأينما وليت وجهك في زمننا المعاصر لا تجد إلا وجهه البشع. فهو يسكن العظام والمفاصل، ويُسمع صوته من خلال حفيف الورق. وهو ينام في السرير، وفي مجسات الحرير، وفي ألبوم الصور، وفي غبار البيانو، ويرقد بين تذاكر السفر..إلخ. بل إن الشاعر يجعل الموت كائنا مشخصا يجلس على ناصية الطريق، وفي منعطف درب طويل يتربص بالناس وبالأشياء. بهذه الشاكلة يبني الشاعر متخيله الشعري، ويشكل عوالمه استنادا إلى بلاغة التفاصيل والجزئيات التي تعود إلى اليومي وترتبط به، ومن خلال صور تتراكم لتقدم مشهدا بانوراميا عن حضور الموت الذي يسكن كل شيء، ويربض في أغوار الإنسان، وينام في سريره، وينسل طي كل أشيائه. وهو الكائن الذي يشاركه حِله وترحاله، ويعايشه حتى في أفراحه ويقتسم معه ما يثير بهجته ويؤجج ذكرياته الجميلة (تلويحة الغجر- غبار البيانو- ألبوم الصور..). وعبر هذا المتخيل يقدم الشاعر رؤيته التي لا تخلو من نبرة قلق وتعبير عن رفض وتمرد، تماما كما لمسنا عند الشعراء السابقين الذين عبروا، كل بطريقته الخاصة، عن موقف من الموت وحالات الدمار والسكون والخراب التي يحياها الإنسان المعاصر.  

ومن يقرأ النصوص المشتغل بها يلفي الشاعر المغربي يعمل على تكوين أفق جديد لمتخيله، لكنه على الرغم من ذلك لم يتخلص، كليا، من إرث القصيدة العربية، ومن رسوبات القصيدة المغربية التي تتسلل إلى النص، إن بشكل أو بآخر، عبر الصور واللغة، وآليات تشكيل الموسيقى في النص الشعري. فهل يمكننا القول إن القصيدة المغربية الحديثة على مستوى المنطوق لم تبارح ما طرحته خلال العقود الأربعة السابقة؟ وأنها على المستوى الفني ما تزال تبحث عن خصوصيتها وفرادتها، بما في ذلك طرائق تشكيل متخيلها وابتكار صورها الطازجة غير المطروقة؟. 

لعل هذا ما توحي به النصوص والدواوين التي تعاملنا معها في هذه القراءة.

انطلاقا من كل ما سبق يمكننا أن ننتهي إلى تأكيد الملاحظات التي لمسناها من خلال تحليلنا للنصوص السالفة، وتلخيصها في عدد من النقط والاستنتاجات على الشكل الآتي:

1-توحد موضوعة "الموت" ونوياتها الدلالية وما يدور في فلكها من أبعاد بين الدواوين المشتغل بها.

2- عودة الشاعر المغربي مرة أخرى، إلى القضايا الكبرى تماما كما كان حال شاعر الستينات والسبعينات، مع عدم الإغضاء عن الذات ومعاناتها، لكن من خلال وصلها بإشكالات الإنسان المعاصر.

3- الاحتفاء بالمتخيل الشعري وفسح المجال أمام ابتكار الصور وانسيابها، ودفق اللغة وجمالها، وسحر بلاغة التداعي وأسرها.

4-الاهتمام بالبعد الموسيقي في النص الشعري بشتى تمظهراته، وربطه بدفق اللغة وانسيابية التعبير وجمالية تشكيل المتخيل.

5-الاستعانة بالمقروء، إلى جانب الابتكار في التصوير، قصد تشكيل النص الشعري. ويتمثل هذا المقروء في الشعر العربي قديمه وحديثه، بما في ذلك الشعر المغربي الذي تتسلل رسوباته إلى نسغ القصيدة، إن من خلال التناص، أو الاستشهاد المباشر، أو من خلال التمثل وإعادة الإنتاج.

6-استحضار النموذج العالمي عبر نفس الصيغ، لكنه يبدو محتشما أمام هيمنة استدعاء الموروث العربي، وكأن الشاعر المغربي يعلن عن ردة فعل على الثرثرة التي طغت على القصيدة المغربية باسم التجريب والتحديث، وهذا ما جعلها بعيدة عن التلقي في فترة من الفترات.

7-التخلص من الصراخ الإيديولوجي والدلالة المباشرة، والعناية بتشكيل النص الشعري المتميز جماليا المعبر عن الذات والآخر، وعن الواقع والمحتمل، والحياة والموت.. وغيرها من الثنائيات التي تختزنها النصوص الشعرية.

 

 

10:17 |  Facebook | |

07/08/2013

:::

 

تطوُّر الشعر المغربي الحديث

من منظور عباس الجراري

abbesjirari_1.jpg
 

الحسين الإدريسي

أول سؤال يتبادر إلى الذهن بعد قراءة هذا العنوان هو: لماذا يتناول هذا الموضوع تطور الشعر المغربي من منظور الدكتور العلامة عباس الجراري دون غيره من الدارسين والباحثين والعلماء، وهو سؤال موضوعي يتطلب إجابة واضحة، والجواب عنه يمكن أن ألخصه في العناصر التالية التي تجعلني أخص بالذكر منظور العلامة الجراري دون غيره.

-1-
انتماؤه إلى المدرسة المغربية الأصيلة: وهو ما يلمسه الدارسون والنقاد بجلاء في الكتابات الأكاديمية للأستاذ الجليل، خلافاً لغيره من الدارسين الذين ينتمون إلى المغرب في بعده الجغرافي، لكنهم يعيشون على مستوى الكتابة والإبداع التشريق والتغريب، لم يفارق هم التأصيل المغربي الأستاذ الجليل في كل كتاباته على اختلاف أنواعها ومواضيعها، وهو ما نقرأ بعضه في قوله: «هذا همّ بدأ يراودني منذ فترة الطلب الأولى، وقد أتيح لي في جزء من هذه الفترة، فترة الطلب أن أحتك بإخواننا في المشرق، وألاحظ أنهم لا يعيرون أي اهتمام لما ينتجه المغرب.. ثم إن هذا الهم لم يكن محصوراً في الأدب أو في الشعر أو في النثر، ولكنه كان داخلاً في إطار فكري وفي إطار البحث عن ثقافة هذه الأمة المغربية، ومدى خصوصية هذه الثقافة، أي هل هناك هوية متميزة بخصوصيات ومميزات»(1)، ولا يجب أن نفهم من كلام الأستاذ الجليل عباس الجراري أنه مجرد إحساس ذاتي، ذلك بأن ما يثبت موضوعيته وعلميته اعتراف المشارقة أنفسهم بذلك العزوف، وهو ما نقرؤه في قول الأستاذ محمد الصادق العفيفي: «ولا يخفى على القارئ أن أدبنا العربي، في شمال إفريقية، لقد لقي كثيراً من إهمال الدارسين في عالمنا العربي، قد يكون إعراض بعض هؤلاء الأدباء عن درس الأدب العربي في المغرب بحجة أنه لم يأت بجديد، وأنه ليس إلا صورة للأدب المشرقي، ومحاكاة له.. وهذا غير صحيح»(2)، والأدهى في هذا الإهمال والتجاهل أنه لم يتوقف عند المشارقة، بل امتد إلى المغاربة أنفسهم، وهو ما آلم الدكتور عباس الجراري، وعبر عنه في قوله: «والأمر لم يكن سهلاً، إذ ووجهت الفكرة المغربية بمناهضة كبيرة، ليس فقط من إخواننا المشارقة الذين كانوا يعينوننا في تأسيس الجامعة، ولكن حتى من أطرنا المغربية الشابة التي كانت في بداية الطريق، وكان لها دور في تأسيس هذه الجامعة»(3).

-2 –

شمولية الرؤية: أي ابتعاد الأستاذ العلامة الجراري عن الرؤى التجزيئية إلى الأدب المغربي، وهي شمولية تلمس النوع والجنس، التي ظلت غائبة عند جل الدارسين المغاربة، الذين بتروا عن عمد عناصر فاعلة في كيان الأدب المغربي، ومنها الأدب الشعبي بمختلف صيغه الفنية وتعبيراته اللغوية واللهجية، ولقد كان لذلك نتائج كارثية في قراءة أولئك الدارسين للمسار التطوري للأدب المغربي. ولم تكن هذه الشمولية في رؤية الأستاذ عباس الجراري سهلة المنال في بعدها التطبيقي، بل كانت صعبة، ذلك ما يعبر عنه في قوله: «ولا يمكن لي أن أتحدث عن الأدب المغربي، ثم لا أتحدث إلا عما كتب باللغة العربية المدرسية أو المعربة، فحين كتبت كتابي (الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه) أقحمت في بعض فصوله مسائل تتعلق بالملحون وتتعلق ببعض الأدوات التعبيرية غير العربية حتى أكون منسجماً مع نفسي.. ولهذا فالأدب المغربي متسم بشيء من الشمولية. وقد حاولت في الكلية، ولا سيما في المرحلة الأولى لتأسيس الدرس الأدبي بكلية الآداب بفاس خاصة، إدخال مادة الأدب الشعبي والآداب المحلية الأخرى، لكني وجدت صعوبة كبيرة ومعارضة شديدة. ولا ننسى أن سنوات الستين ليست كسنوات آخر القرن العشرين أو هذه السنة. فالموقف كان شديداً ومتعصباً ضد كل ما هو عامي وضد ما هو شعبي أو محلي، من ثم كنت أتحايل على الدرس الأدبي المغربي، فأدمج فيه بعض النماذج إما من الشعر الملحون، وإما من الأمثال العامية، أو مما يتيسر من الآداب الشعبية التي عبرت عنها لهجات عامية»(4)، وما يثبت إخلاص العلامة الجراري لرؤيته الشمولية تجاه الأدب المغربي ومكوناته الهوياتية، هو أنه على الرغم من تعهده في كتاب (تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990م) بألا يورد إلا الأدب الذي كتب باللغة العربية، فقد أورد نصوصاً شعرية مغربية باللغة الأمازيغية(5)، وبالدارجة المغربية(6) وباللغة الفرنسية(6)، على اعتبار أن عنصر المغربية هو الجامع لهذه التمثلات اللغوية، وحتى إذا تجاوزنا القضايا اللغوية في الأدب المغربي إلى ما قد يبدو أنه أهم منها، فإننا سنقف مع الدكتور الجراري في رصده مظاهر التطور في الشعر المغربي من خلال فن الملحون، حينما ضعف الشعر المكتوب باللغة العربية، وهي التفاتة في غاية الأهمية تنصف الأدب المغربي في أحد أوجهه الوطنية المزدهرة، وتعبر في الآن ذاته عن الشمولية في الرؤية للأدب المغربي، حيث يقول العلامة الجراري: «ولأمر ما ـ لعله راجع إلى واقع الثقافة والأدب والذوق ـ انتقل مشعل الشعر من يد هؤلاء إلى فئة خاصة من الشعراء أتيح لهم أن يبدعوا في المعرب والملحون»(8).

-3-
موضوعيته وبعده عن الزوايا الأيديولوجية الحادة والمنفرجة: وهي قضية تمنح لأستاذنا الفاضل التميز الكامل في رصده مظاهر التطور في الشعر المغربي، وفي تعامله مع المادة الشعرية المغربية، فلطالما تتبعنا كثيراً من الدارسين المغاربة ـ ودون ذكر الأسماء ـ يخلطون في دراساتهم بين منطلقاتهم الأيديولوجية ونظراتهم إلى المادة الشعرية، مما يجعل المنظور النقدي يبتعد عن الأدب والأدبية. فقد تناول العلامة الجراري أشعار كثير من الشيوخ والفقهاء، هذا الشعر الذي ظل ينظر إليه من لدن كثير من الدارسين بازدراء كبير، بل إن منهم من كان يقفز على السنوات حتى يتجنب الحديث عن أشعار هؤلاء، ولعل كثيراً من الدارسين قد توهموا حينما قرؤوا كتاب (تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990) بأن الدكتور الجراري بصدد التأريخ للشعر المغربي، وهو ما نقضه العلامة الجراري في قوله: «هذا الكتاب يدخل في الإطار التعريفي المتحدث عنه، لكن ليس من باب محاولة التاريخ، وهذا لا يعني أني لا أؤمن بالتاريخ، ولكن التاريخ في المغرب تاريخ معقد ومتشعب، وأنت لا تستطيع أن تتابع تاريخ الأدب في المغرب تتبعاً زمنياً، لأنك إن حاولت ذلك سوف تصادف عثرات وفجوات وهزات، بحيث سيضطر الباحث الذي يعتمد التاريخ إلى القفز، وهذا ما يتضح في بعض المؤلفات، كما هو الأمر في كتاب النبوغ المغربي للمرحوم العلامة عبدالله كنون.. هناك قفزات للوقوف على عصور معينة دون عصور أخرى.. ولهذا كان علي أن أتخير من هذا الأدب، إما بعض الظواهر المتميزة وإما بعض القضايا المتفردة التي من خلالها يمكن أن يلخص الإبداع المغربي في عصر من العصور.. إذاً يأتي هذا الكتاب ليتناول قضايا معينة، يتتبعها خلال فترة طويلة، وهي المرحلة الحديثة والمعاصرة»(9)، فقد ظل كثير من الدارسين ينظرون إلى الحقبة الماقبل الأخيرة في الأدب المغربي نظرة ازدراء، لأنها لا تتماشى وآلياتهم النقدية الأيديولوجية المستوردة، ومن مظاهر الموضوعية والحياد عند العلامة الجراري في رصده مظاهر التطور في الشعر المغربي الحديث والمعاصر، وقوفه مع الشعر الديني الذي ظل النقاد المؤدلجون ينظرون إليه نظرة لاأدبية، حيث يقول العلامة الجراري: «على أن التجلي الديني سيأخذ بعداً جديداً في الشعر المغربي المعاصر متبلوراً في اتجاه متميز، بما يفعمه من ارتباط بالقيم الإسلامية والمعاني الإنسانية السامية»(10)، كما قدم أمثلة على هذا الشعر قصيدة «المجنون» للدكتور حسن الأمراني، وقصيدة «الله أكبر» للشاعر الدكتور محمد علي الرباوي(11)، وهذا البعد عن التخندق الأيديولوجي في قضايا أدبية فنية، هو ما يعمق الأبعاد الشمولية في رصد المتن المدروس وتنويعه وتعدديته، ولعل ضيقها الأيديولوجي عند غيره كان له أكبر الأثر على النتائج، وهو ما أشار إليه الدكتور محمد علي الرباوي في قوله: «ثمة دراسات حددت المتن المدروس وحصرته، ويمثل هذا الصنف ما أنجزه محمد بنيس، وعبدالله راجع، ومصطفى الشليح. فالأول اقتصر على أحد عشر شاعراً كلهم يمثل اليسار المغربي، وحصر المتن في جعله يمثل الشعر المعاصر، وهو مفهوم مرتبط بالمعيار الثاني. الثاني: اقتصر على ثمانية شعراء يمثلون ما كان يدعى في سنوات السبعين الأولى بجماعة فاس، وهي الجماعة التي تلقت التأثير الثقافي والفكري المشترك. أما الدراسة الثالثة فقد جعلت العدد يصل إلى أربعة عشر شاعراً لا تمثل نصوصهم متناً منسجماً»(12)، ولم يفت العلامة الجراري نقض هذه النظرة في قوله: «فإن ذلك لا يعني أننا نربط التعبير الشعري بفترة تاريخية محددة يكون وليدها»(13).
هذه بعض العناصر التي تجعلنا نرصد تطور الشعر المغربي عند الدكتور عباس الجراري دون غيره من الدارسين، وقد ضمنت كثيراً من مفاهيم ومؤشرات تطور الشعر المغربي الخاص به، والتي يمكن التوسع في ذكرها.

سمات تطور الشعر المغربي ومظاهره عند الدكتور الجراري: اعتبر كثير من الدارسين والنقاد كتاب العلامة الجراري (تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830  إلى 1990) عملاً نقدياً موسوعياً يستحق هذا الوصف بجدارة، وذلك لاستطاعته دون غيره تغطية مساحة زمنية شاسعة امتدت على ما يزيد على ستين ومائة سنة، وهي المدة الزمنية التي يستطيع فيها الناقد الحصيف رصد مظاهر التطور في الشعر بصورتيه الإيجابية والسلبية، وهو ما لا نجده عند أصحاب التحقيب العشري الذي نقده العلامة الجراري، واعتبره ممارسة متعسفة وكابتة للشعر والشعراء وهو ما نقرؤه في قوله: «وهذا ما يجعلنا لا نرى ما شاع في أوساط الشعرية والنقدية من أن هناك ظواهر مرتبطة بعقود معينة، كشعر سنوات الستين والسبعين أو الثمانين، باعتبار تميز هذه العقود وشعرها بسمات متفردة. وهو تحديد غير سليم، لا سيما حين يطرح بحدة وصرامة، لأن الإبداع ـ خاصة في سياق التطور ـ ليس وليد مرحلة تاريخية محددة، ولا يمكن أن يكون كذلك، فضلاً عن أن يخنق داخل إطارها، ويكون مجرد وثيقة لها، طالما أنه في تعامله مع الواقع ـ سواء بالسلب أو الإيجاب ـ يظل مشدوداً إلى الماضي بكل مكوناته الفكرية والنفسية والفنية، ومتطلعاً إلى آفاق مستقبلية تدفع إلى التنبؤ والإرهاص وإعمال رؤاه، مما يجعله ـ أي يجعل هذا الإبداع ـ يتسم في مسيرته بالاتصال والالتقاء إلى حد التداخل، ولكنه في نفس الوقت قد يبرز حلقات متمايزة ومتغايرة، إذا ما تسنى لها ما يمنحها سمة الاختلاف، ولو بشكل جزئي»(14). وقد كانت هذه المدة الزمنية الشاسعة عند الدكتور الجراري في قراءته ودراسته كافية لممارسة مسح شامل لا يستثني شاعراً ولا قصيدة، قد تبدو في نظر الانتقائيين لاشعرية، أو قديمة على أقل تقدير في نظرهم، مما يكشف الممارسة النقدية الفوقية في تحديد الجدة والتطور، ذلك ما أشار إليه الدكتور الجراري في قوله: «على أن الشعراء ـ أو بعضهم على الأقل ـ قد تسرعوا في تحديد مفاهيم شعرهم الجديد وتقنياته بتعامل فوقي، جعلهم ينحصرون فيما تمرسوا هم به من أساليب وأنماط، ويغلقون الباب عما سوى ذلك. ولعله لم يتح حتى للنقاد أن يتدخلوا، مما أثار كثيراً من هؤلاء عليهم، بالإضافة إلى غيرهم ممن يختلفون معهم ـ والشعراء أنفسهم مختلفون ـ حول تلك المفاهيم والتقنيات، وربما كان في طليعة ما تباينت آراؤهم فيه مدلول الحداثة التي نسبوا إليها هذا الشعر، ونسي هؤلاء الشعراء ومن سايرهم من النقاد أن القضية ـ وكل قضية تطورية مثلها ـ هي أعمق من أن يفتح ملفها ويغلق بهذا البت الحاسم السريع»(15). والظاهر أن القاعدة التي حكمت العلامة الجراري في ضبط مظاهر التطور في الشعر المغربي الحديث والمعاصر، كانت قاعدة فلسفية دقيقة، حتى وإن لم يخصص لها الأستاذ الجليل مناقشة فلسفية، عمودها الفقري يقوم على أن رصد مظاهر التطور يقتضي الانفتاح ويتعارض والثبات الذي يقوم على القطع والحسم في ظاهرة تأبى ذلك، في علاقتها بالحركة الإنسانية المتسمة في صيرورتها التطورية بالبطء الشديد، حتى وإن ظهرت للعامة بأنها سريعة الحركة والتبدل، وما يثبت ذلك عند العلامة الجراري هو أنه لا يقطع القول بخلاصات سريعة، بل يدعها مفتوحة ومرفوقة بتعاليق خفيفة الوطء. ولهذا أعتبر أن العامل الزمني الذي يؤطر دراسة العلامة الجراري الرامية إلى كشف بواطن التطور وظواهره، ليست مسألة عرضية، كما أنها ليست فعلاً تاريخياً كما بدت للبعض بحكم عمقها التاريخي، بل هي جزء نظري أصيل في فلسفة التطور.

من سمات فلسفة التطور عند العلامة الجراري قاعدة الانطلاق من الخاص إلى العام، والقائمة على الأسس المنطقية للاستقراء التي تمزج بين المنطق الصوري لاكتشاف صيغ التلازم بين أشكال القضايا الشعرية المطروحة، لجعل طرق التوليد الموضوعي معقولة، وبين الأبعاد الروحانية الممزوجة بالتخييل، وقد كان هذا الطرح المنهجي عند العلامة الجراري كفيلاً بإحداث انقلاب على مناهج القياس الأرسطي التي ظلت تتعامل مع الشعر عامة والمغربي منه بصورة أخص بمنهج مادي يتذرع بالعلمية. ولن نمر دون الاستدلال على هذا المذهب الذي تدرج في رصد التطور إلى درجتين في المعالجة: الأولى منها نفسية: وقد رصد فيها العلامة الجراري مظاهر التطور على الصعيد الوجداني، لا باعتباره قضية نفسية خالصة تؤدي بصاحبها إلى الهلوسة، بل باعتبارها مقدمة ضرورية للوصول إلى البعد الاجتماعي، ومحركاً رئيساً في ضبط العلاقات العامة، وهو ما يحدده الأستاذ الجليل في إطاره النظري قائلاً: «الشعر باعتباره إبداعاً ينطلق من التجربة، لا يكون صادراً إلا من الوجدان ومفضياً إليه، سواء أكانت موضوعاته عامة أو خاصة، طالما أنها ترتبط بذات الشاعر وتنصهر في بوتقة انفعال نفسه»(16).

أما الدرجة الثانية في رصد التطورية فهي اجتماعية، ولا تنفصل عن الدرجة الوجدانية إلا من جهة المنهج، لكنها ليست نتيجة خالصة لها، على اعتبار أن المؤثرات الاجتماعية تتدخل بقوة لتشكيل مادتها الأدبية وإنتاجها وفق الظروف العامة، مع أن العلامة الجراري يضيف إليها عامل التنبؤ، وهو ما اعتبرناه في رصد فلسفة التطور الشعري عند الأستاذ الجليل مزجاً بين المنطق الصوري والبعد الروحاني، حي يقول العلامة الجراري: «يتوقع من الشاعر ـ في حال حضوره وممارسته ـ أن ينشغل بقضايا أمته، والاجتماعية منها خاصة، ساعياً إلى التحسيس بها والتوعية.. وهي وظيفة لا تعني بحال أن التعبير الشعري يقدم وصفات جاهزة لمشكلات يعالجها، ولكنه بالتنبؤ والإرهاص يستطيع توجيه العمل في المجتمع»(17).
ولم يتوقف المنهج الاستقرائي عند العلامة الجراري في انتقاله من الخاص إلى العام على المستويين النفسي والاجتماعي، بل انتقل إلى البعد الجغرافي أيضاً، من الخاص إلى العام أيضاً، فشكل التعبير الوطني البعد الخاص في رصد التطور، لأنه الأقوى في التأثير على الشاعر، ومنه إلى البعد القومي باعتباره الإطار العام لحركة الشاعر. ولم ينقطع المنهج الاستقرائي للدكتور الجراري عند هذا الحد، بل استمر فغطى الجانب الفني أيضاً، وداخل المقومات الفنية نفسها انطلق من الخاص إلى العام، بدءاً من اللغة فالإيقاع ثم الصورة الجامعة للمكونات الصغرى، ليصل بعد ذلك إلى التناص ليس بالمعنى الذي تذهب إليه بعض الرؤى المعاصرة، بل وفق النظرة التراثية لهذا الموضوع، والتي اعتبرها الدكتور الجراري أكثر تحديداً للمفهوم من غيرها في قوله: «من هنا يبدو أن النقد العربي القديم كان أكثر ضبطاً وتحديداً حين نظر إلى التناص ـ وهو مصطلح حديث ـ من زوايا متعددة تثبت نوع هذا التناص ودرجته، فعبر بالتضمين والاقتباس والنظر والإحالة والمعارضة والمحاكاة والمجاورة والترجيع والمناقضة والمفاخرة والمنافرة والانتزاع»(18).

الخلاصة:
ويمكن القول إن نهج الدكتور الجراري كان موفقاً في رصد التطور في الشعر المغربي، من خلال النهج الاستقرائي الذي جعله يمارس تمشيطاً أدبياً، انتقل في حركته من الخاص إلى العام دون ترك أي ثغرة في المعالجة، كما أن الحيز الزمني الشاسع الذي خصصه للدراسة كان كافياً لرصد مظاهر التطور المتسمة في حركتها بالبطء الشديد، وقد كانت نتائج الدكتور الجراري حذرة مناسبة لنهجه في الدراسة، من ذلك ما عبر عنه بقوله: «ومع ذلك، فإن هذا الاحتكاك أحدث أثراً ثقافياً أسعف في دخول معارك توسل الشعراء فيها بالقصيدة الجديدة التي يعتمد فيها على التقليد تارة وعلى المغامرة تارة أخرى. وقد ارتبط مجال المغامرة بالتجريب الذي ما أظن إلا أنه مازال في فترة المخاض، رغم كثرة العطاء»(19)، ولا يجب أن يفهم من هذا الاستخلاص بأنه لا يستند إلى رؤية فنية أدبية عند الدكتور الجراري، بل إنه يصرح بها في تأمله واستنتاجه قائلاً: «إن الإبداع الحق يبدأ عند الشاعر ـ والفنان عامة ـ من نقطة البدء الأولى، وهي القدرة على التقاط موضوعه كيفما كان هذا الموضوع، شريطة أن يكون انفعل به وتجاوب معه. ونعتقد بأن مدى انفعاله وتجاوبه يؤثران إلى حد كبير في تشكل الموضوع في ذهن الشاعر، وكذا في الصيغة التي يخرجه عليها، أي في التعبير»(20).

الهوامش:
(1)
قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب للدكتور عباس الجراري، يوم دراسي إعداد: الدكتور مصطفى الغديري، منشورات كلية الآداب بوجدة، سنة 2001، ص 172. (2) الأدب المغربي: لمحمد بن تاويت، ومحمد الصادق عفيفي، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت ط1، سنة 1960، ص 3. (3)قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب، ص 172 - 173. (4) نفسه، ص 173. (5) تطور الشعر المغربي الحديث والمعاصر في المغرب، من 1830 إلى 1990م، للدكتور عباس الجراري، منشورات النادي الجراري، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، سنة 1997، ص 332. (6) نفسه، ص 535 - 478 - 477 - 479. (7) نفسه، ص 592 - 593 - 594 - 595 - 596. (8) تطور الشعر المغربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990 للدكتور عباس الجراري، ص 47. (9) قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب للدكتور عباس الجراري، ص 176. (10) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990 للدكتور عباس الجراري، ص 547. (11) نفسه، ص 545 - 546 - 547. (12) تطور الشعر العربي الحديث بين الاختلاف والائتلاف، الدكتور علي العرباوي، من أعمال اليوم الدراسي، قراءة في كتاب تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب، للدكتور عباس الجراري، ص 69. (13) نفسه، ص 614. (14) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990 للدكتور عباس الجراري، ص 614. (15) نفسه، ص 615. (16) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990، ص 97. 17) ) نفسه، ص 193. (18) نفسه، ص 542. (19) تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830 إلى 1990، ص 614. (20) نفسه، ص 616

 

10:43 |  Facebook | |

02/08/2013

إصدارات شعرية جديدة

 

ديوان "لا أحد اليوم ولا سبت" .. شاعر يخاصم الزمن والعالم:

info_111192012110824AM1.gifعن دار توبقال، صدرت للشاعر المهدي أخريف ديوان شعري بعنوان: "لا أحد اليوم ولا سبت"، يقع الديوان في 147 صفحة من الحجم المتوسط، يضم الديوان 22 قصيدة تتوزع بين قصائد رئيسية وأخرى فرعية وهي على التوالي "من تماريس": "جني نسيم"، "من بحر تماريس"، "لا تتريث". "خمسة أطلال": "سيدي والو"،"كارل فيك"، "طامة غيلانة"، "برج الغولة"، "دار الشمع". "هذه الحياة": "الحياة هذه الحياة"، " من هذه الحياة"، "لا يعنيني"، "جرب حظك"، "أول الفارين"، "صدق أو لا تصدق"، "ها نحن قيام". "تنويه لابد منه"، إضافة إلى حواشي لا احد (نصوص نثرية): "حاشية تماريس"، "حاشية علم الأطلال"، "حاشية برج الغولة"، "حاشية العنوان".
وقد جاء في الغلاف مقطع من قصيدة "لا تتريت":

"وحين تذكّرتُ
قصائديَ الأولى عوّلتُ
على الريحِ وَ لاشيء سوى الريحِ
فـَطِرْتُ على الريح إلى سنتياغو
أمَلاً في معجزةٍ أو كَارِثةٍ (حَصَلتْ من بَعْد)
لتنقذني من ورطةِ نسياني أو تُرديني.
وكذلك كان
تنقـّلتُ بلا أمْل وسْط شعابٍ
مُشتبكاتٍ عَلِّي ألقى طرقاً
تُفضي لنُصوصٍ رُبَّتما كنا كتبناها
غونزالو وأنا تحت عناوينٍ لا أذكرها
طبعاً
لا أذكر منها
غيرَ "وسادة كيبيدو"

صباح الدبي من "سدرة الضوء" تكتب إشراقاتها:

1368138201.jpgوعن منشورات اتحاد كتاب المغرب صدر للشاعرة المغربية صباح الدبي ديوان جديد بعنوان "سِدرة الضَّوء" ، الديوان من الحجم المتوسط ، يقع في تسعين صفحة و يضم ثماني عشرة قصيدة : معالرج الارتواء، مقام الكشف، مشارف البياض،شعلة في أطلس الروح ،الليلة الثانية بعد الألف، سِدرة الضوء، هل ستعصمني منك أيها السؤال ، صلوات في المهب، لواعج المزاد، أجنحة تشق العتمة ، أول الضوء، اعتراف عند باب ابن حزم، نبأمن مواطن الشروق، شمعة الأرض، رحيل على صهوة الصمت ، فتنة الربيع، حين يشتعل الرماد، الطريق إلى العراق. وجدير بالذكر أنه ثاني إصدار للشاعرة المتألقة وطنيا و عربيا بعد ديوان "حين يهب الماء" لسنة 2007، و لها دراسات معدة للطبع حول "البنية و الدلالة في الشعر المغربي المعاصر".

محمد بشكار يطلق "عَبَثاً كَمْ أُريد"..

info_11172013101621AM1.gifوأطلق الشاعر محمد بشكار، ديوانا جديدا تحت عنوان "عبثا كم أريد.."عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء (2013)، يحتوي على ست عشرة قصيدة، تحمل الأسماء التالية: أناشيد بديع الزمان الهذياني، قال كن فامحى، أيقونات، قامة الرمح، قطة، بكاء الحديد، المُتمرْودُ حتى غسق المُقلتين، الإزارية بكل العراء، الخُطوط على ليل أحمرها، و فاطم تفطمني، طي امرأة للأرض حين.. القيامة، أملو، عبثا كم أريد، كم ساعة في الساعة؟، جاءت نبيذة، ذاكرة لو يريد الفراغ. يقع هذا الديوان في ثمان و ثمانين صفحة(88) من الحجم المتوسط.


عزيز الحاكم و"الشامان الأخير":

08m15.jpgبعد ديوانيه ‘عطر الذاكرة’ الصادر سنة 2000 عن منشورات جائزة فاس للثقافة والإعلام ، و’مقعد بين حلمين’ الصادر عن منشورات بيت الشعر في المغرب سنة 2010، صدر عن منشورات اتحاد كتاب المغرب الديوان الشعري الثالث للشاعر عزيز الحاكم بعنوان ‘الشامان الأخيرفي طبعة أنيقة (مطبعة عكاظ الجديدة) ولوحة غلاف من توقيع الشاعر والفنان التشكيلي عزيز أزغاي. في هذا الديوان (100 صفحة من الحجم المتوسط)، الذي يضم سبع قصائد: وشاح أفروديث رتاج المشيئة في مرتبع الطمأنينة طاطا الشامان الأخير مضلات كارمن، يواصل الشاعر البحث عن اللفظة المواتية لاختزال المسافة بين المعيش والمتخيل، ساعيا إلى المجاورة بين التذكر والتبصر، بين الأسطورة والواقع، في صور شعرية أشبه ما تكون بصفحة ماء هادئة باطنها يخفي ما قد يشي به ظاهرها، بلغة تنهض على بلاغة التكتم والمفارقة، وتستقي نبراتها من إيقاع الرؤيا على نحو شبيه بتنويعات موسيقى الجاز.

(فتر العابر) للشاعر ياسين عدنان : سفر شعري بين دفء التاريخ وصقيع الجغرافيا:

info_112192012124847PM1.gifصدرت للشاعر المغربي ياسين عدنان قبل أيام قليلة مجموعة شعرية جديدة عن دار توبقال بعنوان (دفتر العابر)؛ والعمل نص طويل يتشكل من حوالي مائتي صفحة، كتب كما تفصح عن ذلك مناصاته الخارجية بين سنتي 2007 و2011 في أماكن متفرقة ( مراكش، القاهرة، بيروت، كاليفورنيا ...) دون أن يفقد انسجام تيماته أو انسيابية نفسه الشعري، وهو عبارة عن رصد لمحطات من أسفار الشاعر وتنقلاته بين نقط متباعدة في جغرافيا العالم، التقط فيها بعين مرهفة بعض التناقضات التي أملاها اختلاف الانتماء والهوية الفردية والجماعية. وهذا الكتاب الشعري هو الرابع للشاعر بعد (مانيكان) 2000، و (رصيف القيامة) 2003، و(لا أكاد أرى) 2007.

أحمد زنيبر في "حيرة الطيف":

bb.pngوصدر للشاعر أحمد زنيبر، عمل جديد تحت عنوان "حيرة الطيف"، عن دار العالمية للنشر بالدار البيضاء، يقع في ثمانين صفحة تحتضن إحدى عشرة قصيدة منها، باب الخميس، ظل الطريق، أنفاس مقطرة، صرخة الريح، سيدة المكان. أما لوحة الغلاف فهي للفنان التشكيلي نور الدين ضيف الله.وجدير بالذكر أن أحمد زنيبر يزاوج بين الكتابة الشعرية والدراسة النقدية، ففي المجال الشعري صدر له ديوان "أطياف مائية 2007"، أما في مجال النقد فله "المعارضة الشعرية عتبات التناص في القصيدة المغربية 2008" و"قبعة الساحر قراءات في القصة القصيرة بالمغرب 2009" و"جمالية المكان في قصص إدريس الخوري 2009" و"مديح الصدى دراسات في أدب الغرب الإسلامي 2010" و"الانحياز إلى القصيدة قراءات في المتن الشعري الحديث بالمغرب 2012".

مجموعة شعرية أولى لعز الدين الشنتوف:

04m17.jpgوصدر للشاعر عز الدين الشنتوف ديوان شعري أول بعنوان "لستَ سوَايْ"، وذالك عن دار توبقال للنشر في الدار البيضاء، ضمن سلسلة "نصوص أدبية".وقسّم الشاعر كتابه إلى ثلاثة أقسام هي: (نفس) و(لست سواي)، و(قسمة)، ونجد في قسم قصائد مختلفة المشارب وتتوزع بين الطول والقصر، وجاءت في كامل نُضجها الشعري والجمالي، واشتغل عليها الشاعر بكل ما مَلِك من رصيد لُغَويّ وبَصْمة شعرية تتيح له الانضمام إلى قافلة شعراء المغرب، خاصة شعراء قصيدة النثر التي حفرت حفرها بعمق في المشهد الشعري المغربي، حيث عمل الشاعر على منح نصه الشعري كل ما يستحقه من عصارة وتكثيف، وهي تجربة شعرية مسكونة بهاجس بالتساؤل ويراهن على مُسائلة واستنباط العمق والجوهر الشعري.

سناء بلحور تحلّق في "ممشى السحاب":

ممشى-السحاب.jpg“ممشى السحاب” ديوان شعر جديد للأديبة المغربية سناء بلحور، يقع الديوان في 126 صفحة ، وتزين غلافه لوحة للفنان التشكيلي المغربي عبداللطيف الإدريسي، يضم 28 قصيدة من عناوينها غياب، امرأة عمياء، مدن أندلسية، حزن، صباح،عشق موت،خريف،بحث عنك.والديوان متنوع المضامين والرؤى الفنية. من أجوائه :
مشيت في تعب القلب
تلاشيت في أرق الجفون.
كل هذه اليبوسة
كل هذا الموت…
هذا الرماد المتفلت من القسوة
عرفت بعد كل هذا…
أن تحت الأرض جنات خضر
فتحت جرح القلب
ونمت فيه..

 

11:23 |  Facebook | |

29/07/2013

مقاربة

 

 شعر محمد السرغيني.. شعرٌ يُؤبِّــد زمن قيامته

644174675.jpg

محمد بودويك

التقاء الشعر والفكر، قدرة مُبْهِرَة على الكشف والغوص في عوالم اللغة والفكر، والشعر، وباقي أجناس الفن والأدب، مهارة مُدَوِّخَة في إتيان الشعر بالفكر، والفكر بالشعر، بتركيز واستخلاص، وتقطير، مَرّةً، وَطَلْقٍ وفتح، وتفتيق، مَرَّةً أخرى. بهذا الصنيع، نفهم الفذاذة في الشعر، الذي لا نتردد في وسمه بالشعر الفكري الوجودي، بالشعر الشامل، وبالتجربة الباطنية التي مسعاها «تحديس الحس» بتعبير الشاعر السرغيني

يتكىء السرغيني على الموروث، والعجيب الإنساني من الإنتاج المعرفي والروحي، فينشئه إنشاء، ويشكله سَبيكة شعرية فكرية سائلة، وهو ما لا سبيل إليه من قِبَلِ الكثيرين. إذ كيف يسهل تطويع مقولات الفلسفة، ومدونات الفقه، والفكر، والتيولوجيا، والمنجز العلمي والتكنولوجي الإنساني؟ كيف يسهل هذا فَيَنْسَبِكُ ضمن ناظم شعري رفيع يخترق سُمْكَ العُدَّة والعتاد هذين، ما لم يُؤْتَ الشاعر الكتاب والحكمة في الإمساك بالكتاب، وأخذه بقوة؟

« تحت الأنقاض فوق الأنقاض»، مسارُ مَصِيرٍ إنساني يَنْبُتُ في الحطام، وسرعان ما يعلو على خرابه حيث يطفو معنى النهوض، والإنهاض بما يشي بجبروت الإنسان في ضَعفه، وضآلة كينونته على رغم سلسلة أعاجيبه، وتقدمه المبهر من خلال مسعاه الدؤوب إلى تخطي شرطه، ووجوده القصير على الأرض، إِمّا رَأينا إليه في فردانيته، أو وجوده الطويل الممتد متى ما تعاملنا معه بوصفه تجريدا، ورمزا، وروحا هيمى حَيَيَّة لا تَنِي تتناسل، وتتناسخ، وتحل في مجرى ومرمى الزمكان المتعدد .هنا ينكتب شعريا وسرديا، تاريخ الأشكال، وهيئات المنطق، وأنساق المتعاليات، والحقائق الكلية، والتفاصيل الجزئية وهي تفتق المعاني، وَتُصَورنُ الأفكار.

« تحت الأنقاض فوق الأنقاض» أيْكَةٌ من الأفكار والتعريفات والمقولات والحكمة. ودوحة تُجَفْجِفُ بالحفيف والثقيل اليانع، والناضج من الثمار العاليات والدانيات القطوف، والخفيف اللطيف من ذوات الجناح والأوراق الندية المُخْضَّلة بالشعر. ومثل هذا الكتاب العجيب الغريب، كتبٌ شعرية أخرى للسرغيني، تندرج ضمن المنظور إياه، والرؤية ذاتها، والمبادهة الشعرية في صميم السياق الفكري، والمساق المعرفي، والعمق الفلسفي. ومن ثَمَّ، عَسُرَ شعر السرغيني على التصنيف. (تقرأ النص إن صبرت، فيمسك بتلابيبك لا يفارقك، ولا تقدر على مفارقته، ينفرد بك ويحيلك إلى جنة الإبداع الحق، كما يحيلك إلى جهلك لكي تواجهه- هذا الجهل أو تتهم صاحب هذا الشعر، بالصعوبة والغموض، لتؤثر السلامة، مستنيما إلى التبرير الضحل والساذج، وتتهم صاحبه بالصعوبة، وتستريح من مواجهة عواصف رعود الإبداع الحق) : «كريم عبدالسلام من مقدمته لأعمال بدر الديب الشعرية» .

ويكاد كتاب : «تحت الأنقاض فوق الأنقاض» يكون توسعة، وتكملة لعمله الشعري، الأسبق : «من أعلى قمم الاحتيال»، ما دام أن الثيمة المحورية التي اشتغل عليها النص هناك، هي ما يشتغل بها النص هنا : أنقاض شظايا- أشتات فتيت- مِزَق- حطام، بقايا أشياء- انكسارات. كل ذلك توصيف ترادفي وإردافي يشي بما طال المكان والفضاء والروح، من خراب وهدم ودمار، وردم، وطمس لمعالم تاريخية وحضارية، لا تزال موشومة في الذاكرة، وفي الوجدان.

فهذا العمل الشعري الجبار، يتموقع بين حجرين «رشيدين» : حجرٍ تَحْتِي تأتي منه أصوات جُمُوعٍ تبكي، ونشيجُ تاريخ مغربي داسه المُرَابون، وسماسرة الأحقاب، والنصابون. وحجر مُتَبَدٍّ مرتهن، الآن وَغدًا، لِنَاهبي الثروات بالمعاني جميعها.
عمل شعري أشبه ما يكون بدغل غابوي ملتف وكثيف، غِنًى مُتْرَعٌ، مِمْرَاح، يقدم بين أيدينا المعرفة البشرية، مصبوبة في وعاء شعري أخاذ ومدوخ، وآنية مستطرقة، وغير مستطرقة. منتظم ضمن نسق فكري، حي، متموج، متماسك ومتوتر في نفس الآن. إنها تجربة تذكر بتجربة أدونيس من جهة ضئيلة، لكنها تذكر بقوة- بتجربة الشاعر التصـويري الكبير : إزرا باوند  EZRA Pound، وتجربة الشاعر : سان جـون برس Perse مداح الطفولة المدارية والعناصر. المحاكاة الساخرة، والباروديا  : Parodie، والمفارقة المثيرة : Le Paradoxal تستخدم في كثير من مفاصل، وتضاعيف المتن، كأداة قلب والتفات بالمعنى البلاغي، وكَمَمَر مضيء وسط سماكة اللغة وهي تتنامى شعريا وفكريا، وطريق مسعفة لمواصلة السير وسط العذابات، والأحزان البشرية التي تتوارى رويدا، رويدا، خلف الأمل الرَيَّان المتلامح في المفكر فيه، المرجأ إلى كتابة أخرى.. إلى خيوط فجر آت.

تَهَيَّبْتُ دوما- الاقتراب من «كتاب» السرغيني، المخبوء والمستور بين الظل والشمس، حتى لا يحرقني، ولا يُرِينِي فَهَاهتي وَعَيِّي وجهلي.

تهيبت عُمْرانه اللغوي، وشوكه المعرفي المستكن في قطيفة الإلماع الشعوري، والدفق الإحساسي، المدفون في طيات فِرَاءٍ لِجِرَاءِ نمور بيضاء، وفهود رقطاء، ولبؤات صهباء، تذرع الاستوائيات، والهضاب الزرقاء، والمنابع الثلجية، والضفاف المخضرة، في أقصى القطب والجغرافيا، ومنتهى الوهاد والقمم. لم يكن موطوءا أبدا- عمل السرغيني الشعري، أتحدث عن عمله «بالجمع»، بدءا من : «بحار جبل قاف» إلى.. «الكائن السبئي» إلى «وجدتك في هذا الأرخيبل» إلى : «من فعل هذا بجماجمكم»، إلى : «احتياطي العاج» إلى «من أعلى قم الاحتيال» إلى : «وصايا مَامُوثْ لم ينقرض» إلى: «تحت الأنقاض.. فوق الأنقاض»، كانت دوما- نبعا ثريا، فياضا، يزركش الشعر بمطلقيات أخرى، ومؤثثات حَافّة تسنده، وتنشره، وتوسع حَدَقَاتِهِ. فكأن الشعر في شرعة السرغيني، قاصر إذا عومل ضمن حده التجنيسي، وخطوطه المرسومة، و«حذائه الصيني»، كما تعاور على ذلك، وكرسته أحقاب، وممارسات، وتقاليد عجلى ومركوزة. فهو يسنده ليعطيه ما فصل عنه، ويوصله بما كان له، وما ينبغي أن يعاد ويستعاد.

ولعل في صنيع أبي تمام، وشيخ المعرة، بعضا من هذا الفهم، وَنَزْرًا من هذا المأتى على رغم بقائهما رهينيْ محبس العامود، وسجيني جزمة الوزن والعروض، ولنا في ما أتاه ويأتيه أدونيس، وأنجزه محمد عفيفي مطر، وبدر الديب، تضمين للتلاقي والتقاطع، مع الاحتراس من التعميم، والتشريك.

وفاء الشاعر الرائد محمد السرغيني، للشعرية بمفهومها الكوني العميق، الشعرية التي تتصاهر فيها الرؤى جميعها منضفرة بالمواجع والآلام الإنسانية، ومنشبكة بمديح الإنسان في قوته، وفتوحاته، وفي ضآلته وهشاشته أيضا. وهي الشعرية ذ- أنساب مُورِقَة، وممتدة، والمتماهية بجذع تلك الشجرة، الضخم، الوسيع العريض، الذي تنسرب في أليافه، وخلاياه، وشرايينه، ولحائه، أنساغ الكد الإنساني الذي بنى عصرا في إثر عصر، صرح الحضارة الإنسانية المنيف والشامخ.
وفاء السرغيني لجماع الشعرية تلك، بالاحتضان، والإيراق والاستغراق، والاستنباط، والتوليد، والتعهد، والتعميد، رسما للتشييد، وبلورة لجهد ذهني وفكري، وانبثاق شعري، هو ما حقق له ما حقق، وأوفي صنيعه الشعري الخلاق على الذروة، حتى بات اختراقه القرائي، ومراودته العاشقة، أو المخادعة المترصدة، مَشَقة ضَنْكَى، وسعيا يَعْيا بحاطب ليل، أو عاجر مستعجل، أو ظامىء متلهف، أو «واحاتي» مصادر على ماء طوع اليد، ونخيل وارف بعد الكثيب.

وفاء واحتفاء الشاعر بالشعر ليس كمثله احتفاء :

[متى كان الشعر وصيفا للغه وهو تاجها
متى كان الشعر رأس يتيم بين يدي حلاق غِرّ؟
هو خلاصة ما في القارات والإيالات والأصقاع
من السحاب والغيث والجدب والأجرام المجهولة.
بطاقة تعريف شخصية وسِجِّل لأرومة الإنسان]
(وصايا مَا مُوثْ لم ينقرض)

وفي فقرة شعرية أخرى من نفس الكتاب :

[للتاريخ غنائية الحكي والمحكي،/ ولهذه الغنائية صلاحية التدخل/بين المشاغب والمهادن./المقطعات أناشيد/والأناشيد فقرات/والفقرات لهاث/واللهاث باقات /والباقات مقاطع/والمقاطع عشاريات/الطقس الفردوسي بارد/ والجحيمي ملهتب/والمطهري معتدل ../أما الشعر فوحده المتدفق.]
لا يمكن، بحال، أن نفهم شعر محمد السرغيني، والفوز بلذة فيه ومنه، واختلاس مسرب إلى عين زرقاء ترقرق تحت رموشها السوداء الوطفاء الساحرة، فراشات من ضوء، وإلى صفصافة عاشقة حانية، يهدهدها نشيد متوار بين الأوراق، لا يمكن فتح مسرب فيه كما أقول- : إلا بمصاحبة الموتى والأحياء الذين يَصْخَبُونَ في دارته الشعرية، وقراءتهم بالحتم- أو قراءة بعضهم في الأقل.
غير المدجج بسلاح العلم والمعرفة والشعر والموسيقى، والتشكيل، يَقْصُرُ به حَالُه، ويزري به جهله، ويقهقه في وجهه شبح زَيَّنَ له وَهْمَ أَنَّ ما يقرأ من شعر للسرغيني، هو مجرد مُعَميات وطلاسم، وَأَحَاجٍ، وخطوط زَنَّاتية، وكبريت أحمر، ورمل في أصقاع كندا، ومعنى هارب، مهرول دومًا كحياتنا على الأرض.
سلاح الفتح يُنْيِئكَ أن الشاعر رَحَّالَةٌ عملاق خلال الدهور والعصور، والأحقاب، والأزمنة، خلال الجغرافيات والأراضين، والسلالات، والأنساب والأحساب، والشجرات الآدمية. إنها «رسالة الغفران» قشيبة جديدة، متحالفة مع صنيع المعري العظيم، فيما هي متخالفة ومحلقة بعيدا عنها، طالما أنها تتوسل بالتحولات الشعرية، وروح العصر الجديد، ونبض القرن والدماغ، والألسنيات، والذكاء الاصطناعي الراهن. وإنها «رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي، منقلبة ومبتدعة، ومفارقة تماما، تبصمها عبقرية صاحب، ومصفف، ومشذب، ومخترع الذي هو السرغيني . وهي «كوميديا» دانتي أليغوري، و«كوميديا بالزاك»، سوى أنها تغوص عميقا، وتنزل دفينا إلى قاع شعري وفكري صاغه السرغيني شاعرا، وعالما، وفقيها، ولغويا، وقارئا من طراز رفيع، طراز قد لا يُمَاثله طراز.
في تجربة السرغيني الشعرية الشامخة، الأليمة واللذيذة في آن، يحضر هِيرُودُوتْ، شيخ المؤرخين طُرًّا، وملاحم الإغريق العتيدة، وفرجيل، وَأوفيدْ، والكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد، ومقالب «الصَّدُّوقيين» و»الفِرِّيسيين» اليهود، والأساطير، والمتن الخرافي، وشعراء العصور واللغات، والصوفية، والفلاسفة، من مِلْتُونْ والمعري وابن عربي، وأبي حيان التوحيدي، وابن سبعين. كما يحضر التشكيليون والموسيقيون والمغنون العظام، من كل دوحة ونسب. وتحضر العلوم المختلفة من طب وهندسة، وآلة، وهيئة، وفلك، ورياضيات، وتنجيم، وكيمياء وفيزياء، وسحر، ومخترعات قديمة وحديثة، والجوامع والصوامع، والأبواب والجسور، والمدافن والمقابر.
في تجربة السرغيني الجميلة والجليلة، يحضر الشعر مفكرا، والفكر مفكرا ومشعرنا، ومحافل السرود المختلفة، وتحضر بشكل لافت ومقصود- السخرية كأهزإ ما يكون، وأنبل وأندر ما يكون، تحضر لِلتَّنَدُّرِ، وكسر السياق اللغوي اللاهث، إذ تتيح التقاط الأنفاس، ورفع الألم بالضحك، فيما هي تزرع الحكمة الوارفة في أعطاف وثنيات البنيان الشعري. ويحرص الشاعر في أثناء ذلك- على تقويس سخرياته، و»مَسْخَرَاتِه»، بوصفها واحاتٍ ومحطات استراحة، ونقط استئناف، والتفات. فالتقويسات حواش خادعة، مندسة ومدسوسة في تضاعيف الكلام الشعري، تعمل على تفتيق الدلالة، وتوسيع المعنى، وقد تُعْمِيه وتطمسه قصدا وترصدا. بيد أن التقويسات متون، متون قائمة على وجازتها، وخلاصاتها المكثفة. والأمثلة على هذا أكثر من أن نحيط بها؛ فهي تسري، وتتخلل جميع كتبه الشعرية. منها تمثيلاً:

-لعنت شجرة الدفلى، وبوركت زُهُورُها
-
سكان الأضرحة لا يهاجرون
-
للساكن من الذكاء نصف حق ما للمتحرك من الغباء
-
ما جدوى علامات المرور في ليل سديمي
-Il sagit là dune irrigation panachée
-
الزنبور واسطة بين الوجود والعدم
-
ثَمَّتَ من يكتب دون قفازين
-
تَمَّتَ من يلبس التاج ويخلع القناع
-
الشمس التي لا سوابق لها، قطعة قصدير
-
كم هو لذيذ تردد الميت على متاجر قطع الغيار
لا يؤثث الشاعر رفوف عمارته الشعرية، بهذه الحكم والفصوص والأمثال الشعرية التي تستبطن السخرية المريرة، وتستهدف الإضحاك والتموقف حُيال عِلَلٍ وتموضعات إنسانية مثيرة، بغاية الإراحة والاستراحة، والإضافة النافلة، بل بغاية إمداد السرود الشعرية بِقُفْلٍ يجمع «شتاتها»، وتَفَتُتَّها، هل يكون قفل العفة والمعرفة؟ -، وبغاية إضفاء المعنى على البنيان الشعري وهو يتصاعد طابوقة فوق طابوقة، ما يباعد الاقتراب، وينأى باللحاق والسيطرة من ثم- على الإيقاع العام للنص الشعري، بوصف الإيقاع دالا أكبر، ومتعددا، أي أن وضع «أسورة» ذهبية وماسية ضمن النص، في وسطه أو خاتمته، من شأنها أن تبئر الدلالة، وتعمل بهذا القدر أو ذاك- على إضاءة الفكرة التي تَنْسَرِدُ شعريا بين يدي النص، بين يدي القاريء.
العالم- في منظور السرغيني- على عظمته، ضئيل، والكون على وساعته ضيق، والأرض على امتدادها، أو لولبيتها العظيمة، إسفنجة تَنْعَجِنُ في يد الزيات، إذ يختطفها بمهارة صقر- ويطفئها في «جفنة» زيت. والإنسان عابر سبيل ميت ما دام سيموت، عقباه التحلل، والتذرر، والهباء، لكنه بهي في هبائه، عسيرٌ على السهل، مُحَاذٍ للتل، قريب من الجبل، أرضي وسماوي معا، طائر في الأجواز، عالق بالمجرات البعيدة، ذاهب وآيبٌ خلال العصور، ومشدود على رغم كل هذا- إلى السفح، والوتد، والأسباب المهترئة، والوضاعة، والأنانية المقيتة. مشدود بكلمة واحدة- : إلى الطين والوحل.
بِيَدِ الشعر لا بِيَدِ الحاكم، ولا القاتل، ولا المُرابي، أمْرُ الأرض والإنسان. بيد الشعر ما يجعل الإقامة محبوبة ومرغوبة، بيده ما يكشف عن مسدس العالم المخفي، ونصله الصدىء في الغمد العتيق، بالإعلان عن المخفي ذاك، والمخبوء في الزّنار والحزام، من خلال رش الضوء، والحلم، والأمل بين جنبات الكون. ومن خلال تأبيد الخضرة وسط الحطام، ورفع اللسان بالنشيد والتسبيح، والهتاف للحياة.

يقول الشاعر في لازمة بديعة حكيمة، تكررت داخل أحد نصوصه الشعرية، بكتابه : «وصايا مَا مُوثْ لم ينقرض»: [لا يكتشف تُرَّهات هذا العالم غير الشعر].
لكن، إذا كان :/ الكاتب مزور /القارىء مزور
القراءة مزاولة تزوير
إن كان هذا الفعل الثلاثي مُرابيًا
فلابد من تلقيحه بأنزيمات صناعية
تعويضا عن عبثية المكتوب والمقروء.
مما يعني في تقديري- ليس غير استثارة الآدمية الحق، واستفزاز الذائقة الطبيعية والثقافية،واستثارة الحس الجمالي في الإنسان موقفا وموقعا ومبادأة، وَدَيْدَنًا، وهدفا لاستحقاق التسمية، واستحقاق الإقامة على الأرض.
وليس التجاء الشاعر إلى اللغة الفرنسية، مدعاة للقول بقصور العربية عن التعبير، وعن استمداد من معينها، ما به يكشف عن خزائنه ومعارفه، وأحاسيسه. إن هو إلاَّ دَمْغٌ صَافٍ لِمَا تحدثنا عنه ذ- والوسيع. ما ضاق به اللسان العربي، وكيف يضيق به وهو أحد رواده وفرسانه؛ ما ضاق به هو الشعر في جذوره وغُصُونه، على نحو يجذبه إلى القاع البعيد، إلى الجرة الخرافية، وصلصال الخليقة، وليل الحضارات، وإلى وسائل مقاربة، وإتيان هذا الصنيع البديع الخلاق. ففي الأمر توسعة لفضاء الشعر، والقول الرفيع، وفي الأمر، إبراز وإظهار لخصوصيات الشعر من حيث هي كونيات وعموميات، ترابيات، ومتعاليات. إنه التسبيح الأعلى، والتمجيد الأسنى، والنشيد الأعظم في الملكوت لِلاَّهوت والنَّاسُوتْ، ما يجعلنا نقول بكل اطمئنان : إن الشعر، وهو يتوسل، للتعبير عن الدواخل والخوارج، اللُّغةَ، يعلو، ويسمو على اللغة، مثلما الطائرة تقطع الأجواز والفضاء بالإنسان على رغم أن الإنسان هو صانعها، ومخترعها، وَمُوجِدُها. يَنْوَجِدُ الشعر باللغة، وتنوجد به، بيد أنه يعلو، ويطير، ويخرج من شرنقتها، فتصبح ظمأى إليه، صديانة إلى مائه الزلال، وخضرته المُهْرَاقة، وألمه وأمله، واستشرافاته جميعا.  ولست أذكر ذ - السرغيني الجمالية و الفلسفية، أي بإنشاء الشعر إنشاء بلغة المتنبي كما بلغة موليير ضمن الديوان الواحد، والصفحات المتلاصقات المتوازيات، المصاقبات والمتساوقات نعلا بنعل.  وما أظن أن السرغيني يريد بذلك تعالمًا هو في غنى عنه، وأكبر منه بما لا يقاس. وما أظن أنه يبدع في الفرنسية تشريبا لمخياله، وتزكية لأيقونة تقيم بين الصوت والصدى، والإعلان والمحو، وتوسيعا لرأيه الشعري، وفكره الفلسفي، على أساس مِنْ تَحَدٍّ للشعراء المغاربة والعرب، وَمَكْرٍ بهم، وسباق في مضمار لم يدخله إلا هو؟
فما يقوم به، يندرج في البحث المضني، المفكر فيه، عن فتوحات إضافية تُسْبِغُ على الشعرية المغربية تنوعا، وتحديثا، وأصالة، وعلى العربية رَفْدا وعمقا، وتخصيبا، وإنسانية، وثقافة مخصوصة.
وبناء عليه، فمحمد السرغيني، مدرسة قائمة الذات، ونهر شعري طَامٍ، عميق وهادىء في المظهر والمخبر، مصطخب ومتلاطم في الداخل والباطن، كثير من رذاذه، مرشوش وموجود، ملتمع، وَامِضٌ كساعد «كَالِيبْسُو» البض، يتخلل نصوص بعض شعرائنا المغاربة، مع أنهم يحاولون عبثا- إخفاء ونكران ذلك التأثر.
أقام صرحه الشعري على نقطتين أساسيتين، فيما يقول، وفيما تؤكد القراءة والمقاربة لمتنه الشعري الباذخ، وهما : «عقلنة الشعر، وَوَجْدَنَةُ الفلسفة». هما محوران كبيران متعارضان فيما يبدو- ولكن الشاعر أوتي من العلم والفكر والشعر، والثقافة الموسوعية، ما مَكَّنَهُ من إنجاح عملية المصاهرة، والموالجة، والتنافذ الحي المتحرك ذهابا وإيابا، وما مكنه على مستوى آخر- من قول كلمته في : «هذا الطقس المتقلب بهدف مقاومة الاختلال الملحوظ في الحياة العامة، ما جعله يوثق العرى بين حواسه وحدوسه، فاتحا السبيل لملاحظة الحواس، وتفسير الحدوس، مشرعا كتابه على بوابة النبوءة، وسنبلة الأسطورة.
إشـارة :
-
لا يُدَانِيهِ في منحى صهر الفكر في الشعر، والشعر في الفكر، سوى إزْرَاباوند، وأدونيس، ومحمد عفيفي مطر، مع اختلاف الأربعة في كيفيات التصوير، وميكانيزمات العجن والتبئير، والاستبصار اللغوي في تنسيبه الترابي- الأرضي، وانحلاله العناصري، ومتعلقاتها من ماء وهواء ونار، وفي مطلقه المتعالي، متوسلين (الشعراء الأربعة)، بالحدس والرؤيا والكشف. علما أنه قد يخفي عني الكثير في باب المقارنة والمقايسة. (مجلة نزوى، العدد 75، يوليوز 2013)

16:33 |  Facebook | |