!مرحباً بكم في ( أفق الشعر المغربي)، أوّل أنطلوجيا إلكترونية للشعر المغربي، هنا والآن

Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

18/02/2013

طيف نبي" .. في ميزان النقد"

" طيف نبي " لفاطمة الزهراء بنيس *

 إشراقات شعرية لتأنيب العالَم وإعلاء مراتب الذات

  3.jpg26936.jpg

بوجمعة العوفي

 

ـــ 1 ـــ

       مقاصد القراءة :

       لنبدأ هاته القراءة بسؤال ( باعتبار " السؤال هو رغبة الفكر " على حد تعبير الناقد الفرنسي الاستثنائي " موريس بلانشو " ) : ما الذي بوسع هاته القراءة أن تنجزه في اقترابها العاشق والعابر من أضمومة شعرية تتخذ لنفسها ــ شكلا ودلالة ــ صفة البوح والإشراقات أو البارقة الشعرية المكثفة والخاطفة ؟

     قطعا، ليس ثمة ما يجعل القراءة والجواب معا أمرا مستعصيا، قد يضع المتن الشعري لهاته الأضمومة في وضع التمنع أو عدم الإفشاء لقارئه ( أيا كان هذا القارئ : عاديا أو مؤوِّلا ) بدلالات مضيئة وممكنة. ذلك أيضا هو رهان هذه القراءة ومبتغاها في آخر المطاف : تأويل العمل الشعري وبسط بعض مقاصده شكلا ومضمونا، ملمحا ودلالة، أي بما يجعل صوت الشاعرة ــ في صيغته وإشاراته وحدوده الرؤياوية ــ قريبا من فهم قارئه وناظره وسامعه المفترض. انطلاقا من طبيعة هذا المتن الشعري نفسه وطرائق أو هيأة تشكله على الفضاء النصي ( الممنوح للقراءة ) وعلى الفضاء الصوري ( الممنوح للعين وللبصر ). باعتبار هيأة النص ــ هنا ــ وتمظهر بنيته البصرية على الحامل الورقي أو على بياض الصفحة، هو بشكل أو بآخر بمثابة " وعاء للمعنى " و " علامات " دالة تفضي إلى تخوم المعنى ومُضمَرات النص وأشكال تدليله الشعري.

         ليس من مقاصد القراءة هنا ــ ومن خلال هاته التحويمات أو التأويلات المركزة والمقتضبة ــ تحليل المتن الشعري لفاطمة الزهراء بنيس ( طيف نبي ) تحليلا سيميائيا أو حتى سيميولوجيا ( بالنسبة لتمظهره البصري ) بالمعنى المتعارف عليه أكاديميا، من حيث وجوب التطبيق الصارم والمقنن لمقتضيات المنهج السيميائي أو السيميولوجي، وما تفرضه أدوات الدراسة والتحليل النقدي في هذا الإطار، بل ما نطمح إليه أو نروم تحقيقه بشكل خاص هو اقتراح ما يشبه ــ بالنسبة لنا ــ دور الوسيط القرائي بين المتن ومتلقيه. هو الدور أو الاقتراح الذي لا يقوم ــ مثلما تفعل العديد من القراءات الصارمة والمقننة بأدوات القياس المنهجي ــ بإقصاء النص أو غلقه أمام بلاغة الإمتاع أساسا، أو كل المتع واللذات النصية ( بالمفهوم " البارطي " ( رولان بارط ) التي يتيحها أو ــ بالأحرى ــ يمنحها الأدب لقارئه ومتلقيه.

         غايتنا ــ هنا ــ هي أن تكون القراءة قريبة من النص الشعري، وأن تفتح نوافذه على المزيد من المضمرات والدلالات واللذات المتوارية أو حتى الطافحة كذلك من كل مكونات النص : معجما، ولفظا، وتركيبا، ودلالة، وأسلوبا، وصورا شعرية، وأشكال صياغة الجمل الشعرية بموسيقاها الخاصة ( خارج رافعة الوزن أو الإيقاع ) ضمن الرهانات الجمالية والتعبيرية لقصيدة النثر التي أصبحت منذ مدة وخصوصا في وقتنا الراهن : واقعا وتجربة جمالية وتعبيرية مترسخة ورائجة في الكتابة الشعرية المغربية والعربية بشكل عام. ولو أن اقتراحنا القرائي ــ هنا ــ قد يرضي القراءة أكثر مما يرضي السيميولوجيا، إلا أن محاولتنا هاته ــ بغض النظر عما قد تثيره مسألة الوساطة من تشويش ممكن بين النص وقارئة ــ تروم فقط تعميق متعة قراءة القصيدة وتخصيبها بالمزيد من التلاقحات والدلالات.

 

ـــ 2 ـــ

 

        بنية الديوان أو " الكتاب الشعري " :

        قبل الإنصات إلى صوت الكتاب، ومحاولة تقصي بعض الممكنات الدلالية لنبضه أو لهديره الشعري، لا بد من تحديد سمات الجسد الحامل لهذا الصوت وهذا النبض، باعتبار أن الكتب لها أيضا مثلنا أجساد بملامح خاصة ومكونات فيزيقية تحدد أو تميز بنيتها بشكل عام. انطلاقا من العنوان وطريقة تصميم الغلاف والشكل الطباعي أو إخراج وموضعة المكتوب الشعري على الصفاحت، وصولا إلى طرائق تشكيل المعنى في الشذرة الشعرية وشكل ترسيمها على مساحات البياض، وكل العناصر والإشارات والعلامات اللسانية وغير اللسانية التي تظهر خارج الكتاب وداخله.

       " طيف نبي " : هو العنوان أو العتبة المقترحة من قبل الشاعرة للولوج إلى أقاليم الكتاب وروحه وحقوله الدلالية المتشظية والمتناثرة على مساحات البياض. لكن ما إشارة هذا التوصيف المقتضب لاسم الكتاب وهويته في كلمتين اثنتين لا غير : " طيف " و " نبي " ؟ على اعتبار أن للكتب أيضا أسماء وهويات قد تشكل أو تشير مسبقا إلى الحقل الدلالي الرئيس أو المهيمن على الموضوعات أو الثيمات المطروقة في المتن الشعري للكتاب.

       بهذا المعنى، وفي غياب شبه كلي لعناوين أخرى للشذرات الشعرية المتناثرة على المساحات الداخلية للكتاب أو داخل فضائيه الصوري والنصي ــ باستثناء إشارتين لغويتين أو عبارتين وردتا في المتن : الأولى على شكل تأمل شعري تقول : " الأرض لا تخلو من الأنبياء " ( ص 6 من الكتاب )، والثانية جاءت في صيغة ما يشبه الإهداء : " إلى سكرة قزحية " ( ص 49 من الكتاب ) ــ تكون الصياغة الأسلوبية ( كمركب إسمي ) لعنوان الأضمومة الشعرية لفاطمة الزهراء بنيس " طيف نبي " : في علاقة تقارب وتباعد أو تنافر دلالي كذلك في نفس الوقت مع مضمون الكتاب الذي يتكون أساسا في جزئه العربي ــ على اعتبار أن الكتاب يتضمن أيضا ترجمة فرنسية للشذرات الشعرية، أنجزها الناقد " د.عبد الرحمان تنكول " ــ من شذرات شعرية مكثفة، تتميز في الغالب باقتضاب شديد وواضح في الجمل والكلمات، وتتراوح في عددها بين السطر الشعري الواحد أو السطرين على الصفحة لا غير، وثمانية أسطر شعرية كحد أقصى في الشذرة الشعرية الواحدة.

 

ـــ 3 ـــ

       

       القول / المتن الشعري في هذا الكتاب : القصيدة أم الشذرة ؟ :

       ثمة الكثير من الأسئلة التي تنتجها أو تفرزها طريقة تشكيل البنية العامة لهذا الكتاب الشعري / الشذري وخصائص ترتيب وإخراج فضائه أو مكانه النصي بالنسبة لكل صفحة على حدة، وبما يحتويه هذا العمل من متن أو مكتوب شعري : هل هو قصائد بالمفهوم الكلاسيكي للقصيدة، أم  هو فقط مجرد شذرات شعرية غير معنونة بالمرة، ولا يجمع بين معانيها ومقاصدها خيط ناظم قد تشكله ــ في سياق كتابات شعرية أخرى ــ الثيمة أو وحدة الموضوع المراد تناوله شعريا أو الفكرة أو حتى بعض مساحات الوصف والحكي والاستطراد ... وغيرها من التقنيات والعناصر الضرورية والمكونة لشعرية القصيدة : كالتوظيف الممكن لبعض المحسنات البيانية والبلاغية والبديعية للقصيدة ؟ وما الفرق هنا أصلا بين الشذرة الشعرية والقصيدة ؟  

        قطعا، لا يتسع المقام ــ هنا ــ ولا سياق هذه القراءة للتدقيق النظري والمفاهيمي والاصطلاحي لتحديد وتعريف طبيعة الشذرة الشعرية والقصيدة، أو حتى إيجاد جواب مقنع ومتفق عليه لسؤال الفرق بين الإثنتين. هذه المسألة متروكة لسياق أو لنقاش آخر. إذ تكمن أهمية هذه القضية ــ راهنا وبالنسبة لنا على الأقل من خلال قراءة هذا العمل الشعري الذي بين أيدينا ــ في إثارتها أساسا كي تخلق مستقبلا أشكالا أخرى من النقاشات والتفصيلات النقدية الأخرى، والتي قد يهتم بها أو يجد لها بعض الأجوبة كل من الشعراء والنقاد والباحثين في قضايا الشعر والشعرية على حد سواء. لكن ثمة أيضا مسالة أخرى في غاية الأهمية تثير الانتباه في هذا العمل الشعري : غياب التوصيف الأجناسي للكتاب ( كلمة : شعر ) على الوجه الخارجي للكتاب. بحيث لا تتم الإشارة إلى كلمة " شعر " كما هو معهود أو متعارف عليه في جميع أو جل الدواوين أو المجموعات التي تندرج في خانة الشعر. من هنا يبرز أيضا في الأفق بالنسبة لقارئ هذا العمل سؤال آخر في غاية الأهمية والالتباس كذلك : هل نحن أمام ديوان شعري بالمواصفات الشكلية والموضوعاتية التقليدية والمألوفة للديوان الشعري، أم نحن أمام كتاب تأملات وشذرات شعرية لا غير ؟

      إن طرح مثل هاته الأسئلة أو الملاحظات أو محاولة عقد مقارنة ــ حتى لا أقول مفاضلة ــ بين ما قد يشير ويحدد طبيعة المكتوب الشعري في هذا العمل ( الشذرة أم القصيدة ؟ ) لا تسعى إلى التشويش على المضامين التعبيرية والجمالية الباذخة والعميقة والمتقنة لما خطته يد الشاعرة في هذا العمل الشعري المخاتل والملتبس بحق، بل القصد ــ هنا ــ هو محاولة توصيف المتن بنية ومضمونا، علائق وتباعدات، ومن ثم السعي إلى إضاءة ممكنة لبنية العمل الشعري نفسه ومقوله ودلالاته، ثم إعادة تعميق بعض بؤره ومقاطعه أو شذراته الشعرية بما قد تتضمنه من تقاربات وتنافرات. محاولين إيجاد ملامح ودلالات ممكنة لما قد يجمع ويفرق أو يعزل في نفس الوقت هذه الشذرات عن بعضها البعض، على اعتبار أن الإشراقات الشعرية جاءت في هذا العمل غير مرتبطة عضويا بأي خيط أو عنصر ناظم، مثل وحدة الموضوع، واسترسال الدلالة وتطورها، واستطرادات الرؤية الشعرية وتخصيبها.. وغيرها من المقومات الأساسية لبنية القصيدة بشكل عام.

 

ـــ 4 ـــ

 

       تجليات الذات بين الاندثار ومديح الشبيه :

       ــ " الأرض لا تخلو من الأنبياء " ( ص 6 ):

       بهذا التوصيف أو التصريح الشعري / التأملي، تفتتح الشاعرة أضمومتها الزرقاء ( طيف نبي )، مشيرة إلى نوع من الاستخلاف الرمزي لمهام ورؤى مضيئة وجسيمة في نفس الوقت، ما زالت الكثير من الأرواح العظيمة تتوارثها على الأرض، بالرغم من الانقضاء أو الانصرام الفعلي لزمن الأنبياء. وهي بذلك قد تجعل حتما من الشعراء والمبدعين وكل حاملي الرسائل والإشارات الضوئية وتلك القوة السحرية التي للكلمات : هذا الخلف الرمزي لأنبياء حملوا رسائل الله وقوله الأسمى إلى البشرية جمعاء. بهذا المعنى أو هذا الترميز الشعري / التأملي : ألا يكون الشعراء والمبدعون وكل من حمل رسالة سامية في كل الأمكنة والأزمنة سوى نوع من الظلال المجيدة  للأنبياء ؟ بهذا المعنى أيضا يترسخ أو يظهر في القول الشعري لـ " فاطمة الزهراء بنيس " هذا النوع من التماهي مع الظلال المجيدة للأنبياء، ومن ثم، تتأكد هاته الأحقية الرمزية كذلك في اقتسام سلطة القول، على اعتبار أن الأنبياء ( جميع الأنبياء ) كانت رسائلهم ( والتي هي أيضا رسائل الله ) متجسدة في الكلام وفي المشروع القولي.   

      التماهي مع رمزية الماء ( كمكون للخصب ) وبالبحر أو الأوقيانوس ومديح الشبيه : هي الرؤى والأفعال الرئيسة والدالة أيضا في هاته الأضمومة الشعرية التي تتشبه ــ من دون شك في لون غلافها وبعض إيحاءات شذراتها الشعرية ــ مع زرقة البحر وشساعته وعناصره ومكنوناته كذلك :

 

 ــ " على لوحه الغامض / أَقرأُني / لَألَأة تتشابق / شهداً.

 ــ " ما أبهاني بين شفتيْ بحر "  

 ــ " لن أطفو / إن اللآلئ تصدأ / إن جفاها الغوص ".

 ــ ترنح مثواي بين مد وجزر / في سيولة / كنتُ فيها / الرذاذ العطشان.

 ــ بسجايا البحر / صحوتُ / لما اغرورقتْ / مسامي / ولاح الوهج / بيني وبينها.

 ــ كطوفن طافح / من قلعة عذراء.

 ــ لم / أكتشف لظاي / ليشاغبني البحر / ولم / أتهوَّس / لأعاشب الحكمة.

 ــ بعد فناء / سيَّل مفاتني / وحْياً / أرقتْ عنقائي / من ثغورها / يرتمي الملح / ورداً.

 ــ بوسعي / أن أصوغ اشتهائي / إيحاءاتٍ هاذيةً / وأفترض الريَّ / من أحشائي.

 ــ يا الشهقات الظمأى / يا مركب العمر / الخائن شراعه / يا عزلتي / التي غمرتْ حناياي / أحلاما.

    

      هكذا تقول الشاعرة في عشر شذرات شعرية كاملة من الكتاب ( الصفحات : 17 / 30 / 32 / 41 /  50 / 51 / 55 / 57 / 61 / 63 )، أو ترسم فتنتها وغوايتها وانتسابها الرمزي والعضوي لصفات الماء. وهكذا ترتل الشاعرة أيضا أسماءها، عزلتها، شهوتها، مفاتنها وصفاتها المنكسرة في الحروف وفي الحبر السائل على البياض أو الفراغ أو الصمت على الأصح : شذرة شذرة / آية آية / :

  ــ " أرتل غوايتي / آيةً .. آيةً / ألم تروني في كل حرف أهيم ؟ " : تقول الشاعرة في الشذرة الخامسة والأربعين من الكتاب ( ص 52 )، وكأنها حورية ضائعة في أعماق اليم، فقدت بوصلة التوجيه، ولم يعد في وسعها ــ من أجل العثور على الشبيه وترميم تشوهات العالم ونتوءات الذات ــ سوى الكتابة كملاذ. إذ تعيد الشاعرة بذلك ترميم اسمها المشروخ وصورتها المتشظية في مرآة الماء البدئي. وكأنها نرسيسة تباغثها مفاتنها المتعددة في لألأة الماء ورقرقته، بالرغم من وجعها المتناثر في اليومي وفي الرمزي، في الواقع كما في الاستعارة، هو الوجع الذي أضحى فجأة ــ في الكتابة ــ بمثابة " حروف عاطلة عن المعنى "، بتعبير الشاعرة نفسها، وبخط يدها المرتبك أو الملتبس في نفس الوقت، في أحد إهداءاتها الخارجية، الجميلة والعميقة على بياض أول صفحة من الديوان نفسه.

      ــ " لا تمعنوا / في انتثاري / من فرط طوافي / بتُّ عاطلةً عن المعنى ". ( ص 34 ) ــ تقول الشاعرة ــ وهذا دليل آخر على ضياع الذات في المعنى، وتجلي المعنى في الذات، أو هي ــ بالأحرى ــ إشارة لامعة في شكل وصية، تخطها الشاعرة بشغاف قلبها وببوصلة الروح، هي التي أتعبها الطواف والترحال المتكرر في تخوم الذات والمعنى، حتى باتت قاب قوسين أو أدنى من حالة الاندثار، عساها تتشكل في معناها الخاص من جديد ؟

               

ـــ 5 ـــ

 

        الحدس والبوح والغربة والرؤيا ولغة التيه والتجليات :

        ينبني هذا العمل الشعري بشكل واضح وأساس ــ سواء بالنسبة لقاموسه وطرق الصياغة اللغوية لجمله الشعرية البارقة والخاطفة، أو بالنسبة لأشكال صياغة الصور الشعرية المرتكزة على رافعة الرؤيا الحدسية، المستشرفة دائما لخصائص اللامرئي ولصفات وأشكال تجلي الذات الشاعرة وانبثاقها في الحالة الشعرية واللغة والمعنى ــ : على الحدس كآلية للبوح الشعري وتوصيف مراتب الذات المنذورة للطيش الخلاق، لشغفها الأسمى، للجنون وللهب الحواس. هي الآلية التي تشتغل في المتن بشكل طيفي وشفاف، يطبعها نوع من التماهي الصارخ مع الصورة المطلقة والمكتملة والمحلوم بها للشبيه أحيانا، ثم العديد من أشكال وحالات التشظي التي تحاول الشاعرة الوصول بها إلى مرتبة السمو حد الاندثار، لكي تبزغ من رمادها أو من أنقاضها من جديد، تماما كما ظل يفعله ذلك الطائر الخرافي ( العنقاء ) الذي ما إن يحترق كليا حتى ينهض من رماده من جديد.     

       بنفس الرؤيا الحدسية تجترح الشاعرة لاسمها، لنفسها ولقولها الشعري ــ هنا ومن لحمة الاستعارة ــ اسما آخر أو هوية أخرى : سامية وشفافة تحيل أساسا إلى الشبيه المشتهى، وتحديدا ما يجعلها قريبة من الأطياف المجيدة للأنبياء، وكأنها بذلك تضع الذات الشاعرة ــ من خلال حدوسها ــ في عمق الرؤيا وفي أعلى مراتب الكون. هي الذات التي تستضيء، تتوهج، تحترق، تتوحد ــ مثلما تفعله المراقي والمعارج الصوفية ــ برؤاها، بحدوسها البدئية في لحظات الكشف والتجلي وتماسها المشع مع الذات المطلقة كذلك، ليبزغ من هذا التماهي أو هذا التشبه ما يشير أيضا، ليس فقط للقول الشعري وللقصيدة نفسها في شكلها وطبيعتها العابرة أو الفانية أو المنقضية دلالتها مع مرور الزمن، بل إلى ما يشبه القصيدة أو طيفها الباقي والمتلألئ على الأصح.    

    ــ " حدوسي / من نذرَتْني طيفَ نبي / على هديه / هِمتُ جنونا / مترقرق الرؤى ". ( ص 24 ).

    ــ " ليَ الحدس / طيش الشغاف / واجتذاب الحواس / نحو اللامرئي " ( ص 29 )      

      هكذا تصوغ الشاعرة حدوسها، تطوافها، جنونها، لغتها، تجلياتها، توحداتها، انصهاراتها، انكساراتها، رؤاها الكاشفة.. وبعضا من صورتها المشتهاة في شذرتين شعريتين جميلتين من المتن الشعري. مع يصاحب ذلك طبعا من إحساس لا متناه بالغربة والضياع في لجج الواقع والمعنى. فلا الجسد بمقدوره أن يتعايش مع هذه الغربة الجارحة أو القاسية ( غربة الذات )، ولا العبارة تستطيع كتابتها أو حتى موازنتها. لا الخارج يتسع لشهوة الظل والشبيه، ولا الداخل بوسعه أن يحتمل المعنى. وثمة تكمن اللحظة المأساوية أو التراجيدية لكينونة الشعراء : هذا الفصيل النادر من الكائنات البشرية التي تقتسم مع الأنبياء الكثير من الفضائل والإنجازات والصفات والانكسارات كذلك، وأهمها : الإحساس الدائم بالتميز والغربة في القرب وفي البعد، في المكان وفي الزمان. بهذا المعنى أيضا : ألا يكون المصير المشترك للأنبياء ( كل الأنبياء ) كما للشعراء الحقيقيين في عصورهم وفي أزمنتهم الواقعية هو الغربة في آخر المطاف ؟

 

ـــ 6 ـــ

 

        حين تصبح الذات الشاعرة في حل من كل الالتزامات :

       ــ " لا نفَس لي / كيْ أعتذر " ( ص 25 ) : بهذه البارقة الشعرية العميقة والصارمة، تضيف الشاعرة إلى رؤيتها للعالم إشارة أو موقفا أو تصريح إعفاء أخر لذاتها من كل الالتزامات. إذ تضع نفسها في حل من كل ما يمكن أن يجعلها تنغمس في وحل التبريرات والتوافقات الكائنة والممكنة. وهي بذلك تتصادى ــ بصيغة أو بأخرى ــ مع أصوات أخرى، أو تلتقط وبشكل ذكي إشارات أخرى لأطياف وقامات شعرية سامقة، طالما تشبهت بدورها بظلال الأنبياء : فحين يقول شاعر باذخ وعميق واستثنائي من عيار الراحل " محمود درويش " في سياق آخر، وذات قصيدة : " نحن في حل من التذكار "، أو حين يكتب شيبه له أو شاعر آخر كـ " محمد بنيس " ذات قصيدة أيضا : " طلقْ مقصورةَ هذا الوحل التبريري / اسْتسلِمْ لفضاء لا تفضي غير الرغبات إليه " : فذلك يعني لا محالة بأن الشعراء ( كل الشعراء الحقيقيين ) غالبا ما يجدون في أنفسهم، ليس من منظور ومنطق التعالي، هذه الرغبة الجاهزة في التمرد والمغايرة والاختلاف وعدم التطابق الكلي مع الآخرين، بل من منظور أن ذواتهم المميزة والصادقة والرافضة لهذا التطابق الحرفي والسطحي، تتشبع ــ وخصوصا مع اختمار التجربة ( تجربة الكتابة والحياة ) ــ بهذا الشكل من النزوع نحو التسامي الخلاق الذي يجعلهم في حل من كل أشكال التذكار والتبريرات والاعتذار من واقع يتسم بالسطحية وإكراهات التطابق : وما إحساس الشعراء والكتاب والمبدعين بصفة عامة بهاته الرغبة العارمة والجارفة في رفض المصالحات السطحية والتنصل من الواقع وإكراهاته، سوى محاولة منهم للتخلص من هذا الواقع الذي يخنقهم ويدفعهم إلى مضاعفة آليات وأشكال مناعتهم ودفاعاتهم ضد كل حالات الخضوع القسري للكثير من أشكال التصالح مع الذات والآخر وأنواع التبريرات.

      متى كان الأنبياء يُسألون عن أخطائهم، هم الموعودون بالصدق وهبة، بل وبامتياز التوسط للخطائين من بني جنسهم في الغفران ؟ متى كانوا مطالَبين بتقديم اعتذارات وتبريرات لمن لا يشبهونهم غير ما تقتضيه فروض الوقوف أمام وجه وسلطة الخالق الأسمى ؟  تلك هي ــ ربما ــ حالة الشعراء في هذا المتن الشعري وغيره، وخصوصا بالنسبة لغالبية الكتابات النسائية أو النصوص التي تكتبها أنثى بالعين الصقرية أو بدوافع وخاصيات البوح، وجعل الذات في مركز النص / القصيدة ووضعها في أعلى مراتب الكون ؟ أو ربما يتعلق الأمر هنا بترجمةِ وبتدوينِ وتشذيرِ سيرةِ حياةٍ بكاملها، إذ تكون الأنثى الكاتبة / الشاعرة هنا  أيضا تتشبه بالشجرة الأم أو الشجرة الأصل : هي التي يصفها " جبران خليل جبران " ( واحد من الآباء الحقيقيين لحداثة الرؤية والرؤيا في الأدب العربي ) منذ زمن بعيد، وبشكل عميق ودال أيضا بقوله في كتيبه الصغير والجميل " رمل وزبد والموسيقى " ( ** ) : " لو استطاعت الشجرة أن تدون ترجمة حياتها، لما اختلفت ترجمتها عن تاريخ أية أمة من الأمم " ( ص 20 ) ؟ أو ربما تكون قضية " الهيام " بمعناه الشعري والفلسفي والتأملي هي القضية الرئيسة أو المركزية بالنسبة للشاعرة في هذه الأضمومة الشعرية الطيفية، والتي تذوب سريعا في القراءة والنظر مثل قطعة سكر، حيث تتمثل أو تتقاطع بشكل واضح وجميل رؤية الشاعرة المخصبة للعالم وللكتابة مع رؤية أو قولة أخرى لجبران في نفس الكتاب حين يقول : " لو خيرتٌ بين القوة في كتابة الشعر وما في الشعر غير المكتوب من الهيام، لاخترتُ الهيام، فهو خير من الشعر " ؟ ( ص 20 ).

        تقول الشاعرة : " ها أنا / غيرُ أناي / أيُّ سوايَ صرتُه " ؟  ( ص 39 )، ويقول " جبران " في نفس تأملاته : " أنا هو البحر المتناهي، وما جميع العوالم سوى حباتٍ من الرمل على شاطئٍ " ( ص 12 ) : وبين القولين تتعالق وتتناسل الكثير من الأسئلة والرؤى والمسافات المضيئة التي يظل الشعر وحده قادرا ــ ربما ــ على تعميقها بآلية وفضائل السؤال كذلك ؟             

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشــــارات : 

 

( * ) ــ فاطمة الزهراء بنيس ــ " طيف نبي " ( مجموعة شعرية ) ــ دار " الغاوون / بيروت " ــ الطبعة الأولى ــ 2011.

( ** ) ــ جبران خليل جبران ــ " رمل وزبد والموسيقى " ــ  المكتبة الثقافية ــ بيروت / لبنان.

ــ قدمت هاته الورقة في حفل توقيع المجموعة الشعرية " طيف نبي " لفاطمة الزهرة بنيس، يوم الخميس 13 دجنبر 2012، ضمن فعاليات " المعرض الجهوي الأول للكتاب " المنظم من قبل " المديرية الجهوية للثقافة بتازة " من 11 إلى 17 دجنبر 2012.                     

18:29 |  Facebook | |

Les commentaires sont fermés.